"الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة لها، وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة" .. ابن رشد!
إذا قلت لك إن إحدى حلقات أكثر برامج الفتاوى مشاهدة على قنواتنا المحلية (أظنها قبل الماضية) كانت مسرحاً  لأخطر صور العنف الفكري "الكامن" ضد المرأة، وكيف أن ذلك قد حدث وحملة الستة عشر يوم لمناهضة العنف ضد المرأة ما تزال تجرجر أذيالها .. إلخ .. إلخ .. قد تظنه كلاماً مرسلاً ونقداً متحاملاً على شيوخ الدين الذين قلما يخطئون عندما يتعلق الأمر بالدين (المعاملة)! .. لذلك دعنا نكتفي بنقل الصورة على طريقة "الخبر المقدس" وهي بالمناسبة كالتالي ..!
أم سودانية نمطية هاتفت القائمين على أمر البرنامج تستفتيهم في أكثر من مسألة .. الشيخ مقدم البرنامج وضيفه العالم الفقيه يستمعان إلى السائلة بالحياد والتركيز اللازمين .. السرد يمضي في أمان الله .. إلى أن عرجت السيدة على الحكاية "موضوع السؤال" والتي تقول باختصار إن ابنة السائلة قد وضعت مولوداً في بيت أهلها (أسرة رقيقة الحال يعجز وليها عن توفير قوت يومها أحياناً) بينما يمتنع زوجها (المكلف المستطيع) عن الإنفاق عليها وعلى رضيعها .. الأمر الذي أجبر الأم المرضع على اتخاذ قرار إرسال الرضيعة إلى والدها .. لكنها رأت قبل ذلك أن  تستوثق من رأي الشرع في ما هي مقدمة عليه ..!
وهي كما ترى مسألة شرعية تستوجب الحد اللازم من الحياد الفقهي بعيداً عن رأي المفتي في رقة قلب الأم من قسوته، وبعيداً عن سخطه على إهمالها مراعاة أعراف المجتمع السوداني من عدمه .. فما الذي حدث ؟! .. أصيب الفقيهان – في التو واللحظة - بمتلازمة فتاوى النساء (وهي كما أسلفنا - في مقام سابق - حزمة متغيرات لا شعورية  تصيب معظم الشيوخ والفقهاء عند الحديث عن موقف الشرع من شئون وقضايا النساء!) .. بعد أن تمعر وجه الشيخ مقدم البرنامج، وأبدى امتعاضة الشديد من موقف النساء اللاتي يذهب أبنائهن ضحايا لردود أفعالهن تجاه الخلافات مع الأزواج، أمَّن فضيلة الشيخ الضيف على ذات المعنى، دونما إشارة من قريب أو بعيد إلى موقف الزوج الممتنع عن الإنفاق، ودونما أي تمعر أو امتعاض بشانه ..!
فضلاً عن الرخص التي وردت في حكم أرضاع الأم لمولودها والتي يعرفها الشيخان جيداً، لماذا سكت كلاهما عن الإجماع بشأن وجوب نفقة المرضع؟! .. لماذا لم يقولا إن (على المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) حتى وإن كانت الوالدة مطلقة فما بالك بها زوجة ؟! ..  وأن الله سبحانه وتعالى كما أبدل (المطلقات) بـ (الوالدات) في قوله (والوالدات يرضعت أولادهن) لاستعطافهن نحو الأولاد، فقد أبدل (الوالد) بـ (المولود له) في قوله (وعلى المولود له رزقهن) لتذكير الأب بأن المولود يتبعه وينتسب إليه وبالتالي تجب عليه نفقة إرضاعه ؟! .. أين حديثهما عن ما يحق للسائلة قبل تذكيرها ما يجب عليها، وهي التي قصدتهما للفتوى ..؟!
لله الأمر من قبل ومن بعد .. الشاهد من هذا - ومن غيره - أن كثيراً من الفقهاء والعلماء والشيوخ في بلادنا يخلطون بين (حكم الشرع) و(أحكام المجتمع) عندما يتعلق الأمر بفتاوى النساء ..!


منى أبو زيد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.