بسم الله الرحمن الرحيم

حاطب ليل

لمن فاتهم (الاستماع ) عربية ابن عمنا عبد الرحمن ود الدايش تسير بالحد الادنى من المتطلبات ويعوزها الكثير من مطلوبات العربات العادية ومع ذلك تسير فكان عندما يطلب منا دفرة لتدوريها يامرنا بان نقف  على جنباتها ونبعد من من الجهتين الامامية والخلفية لانه لايعرف اذا ما تحركت في اتجاه الامام او الخلف سوف تسير لان الجيربوكس كما البطارية منتهي تماما  وبالفعل حدث اكثر من مرة ان قاومت دفرتنا ساعة تدويرها وتحركت الي الخلف وبالمناسبة عبد الرحمن الان اعتزل الهكر نهائيا واصبح يبيع البطيخ في شارع الخرطوم مدني اذ نصب قطية قبالة مشتشفى التي

مناسبة هذة الرمية ان عربية عبد الرحمن تشبه حالة السودان تماما فاى حراك فيه غير معروف النتيجة سيكون الي الامام ام الي الخلف وكم من اشياء تبدو في مظهرها جميلة عندما  حانت ساعة تطبيقها الا تحولت الي كارثة ولعل اصدق مثال على ذلك اتفاقية نيفاشا حيث فصلت بصورة لم يسبق لها لها مثيل في تقسيم الثروة والسلطة ولكن بعد التطبيق قسمت السودان نفسه الحكم الفدارلي من حيث النصوص من ابدع ما يكون ولكنه عند التطبيق انتج كوارثا لم يشهدها السودان من قبل وهكذا يمكن ان نعدد الكثير والمثير من الامثلة التي حالت نهار السودان الي ليل بهيم

امسية الاحد الماضي السادس من ابريل  (دور الليلة ) اجتمع السيد رئيس الجمهورية بقادة العمل السياسي في البلاد للمرة الثانية حيث كانت الاولى في يناير الماضي (يوم خطاب الوثبة ) واللقاء الاخير القصد منه بداية الاستعداد للوثبة وكان لقاء البدونات الثلاثة , بدون اجندة وبدون سقف وبدون استثناء (هناك من ابى ) وامعانا في البدونية قيل لنا ان ذلك اللقاء القصد منه وضع اجندة الحوار اي حوار من اجل الحوار وهذا يعني ان (الحوار يمكن ان ينقلب على شيخه او يغلبه  ) وتمخض –حلوة المخاض  دي – اللقاء عن تكوين لجنة مهمتها التنسيق من اجل تنظيم البداية اي لجنة فنية

كل الذي تقدم يشئ بان بلاد السودان مقبلة على حركة حتى ولو كانت حركة في شكل وردة المهم في حركة بدات هذا اذا لم نقل قادمة الامر الذي يجعلنا نضع ايدينا على قلوبنا  وناخذ حذرنا ونقف على الجنبات فهكرة ود الدايش من غير المعروف عندما تتحرك هل سوف تتجه الي الامام  ام تتجه الي الخلف ؟ فاذا ما افضى الحراك الحالي الي ازالة الاحتقان ووضع خارطة طريق تنهي الازمة الخانقة التي يعيش فيه السودان ولو بعد حين تكون عربية ود الدايش سارت الي الامام اما اذا حدثت انتكاسة وفشل الحراك فالنبحث لنا عن يافطة كبيرة لكي نكتب عليها هنا كانت توجد بلاد اسمها بلاد السودان (1821 -2015 ) ولدت بالصدفة وعاشت في معاناة ثم اغتالها بنيها في غفلة وبسكين ميتة

(ب )

الحى بيلاقي

حركة العدل والمساواة التي يقف على راسها ود ابراهيم والتي كانت ترفض اي تفاوض او تقارب مع حكومة الخرطوم  في الدوحة او غيرها خاصة بعد ان اصبحت جزءا من الجبهة الثورية اعلنت في الاسبوع الماضي ترحيبها بالحوار القومي الذي لاح في افق الخرطوم المبلد بالغيوم فاذا قرانا هذا الموقف المفاجئ لحركة العدل مع موقف المؤتمر الشعبي الذي اظهر اندفاعا شديدا للحوار الذي دعت اليه الحكومة لابل اصبح الشعبي  صاحب الدار يدعو الاخرين كل هذا مع اصرار الحكومة البادئ على الحوار يكون الصف الاسلامي السياسي قد تجهز للالتئام مرة اخرى  فالبشير والترابي وجبريل وقبله شقيقه الراحل خليل كانوا كلهم في مركب واحدة ولمدة عشر سنوات (1989 -1999 ) بغض النظر عن من كان الريس الذي  يقود المركب

عشرة سنوات رحلة طويلة بحساب  النشاط السياسي شرٌق وغرٌب فيها الفرقاء  الثلاثة في نواصي الدنيا وضواحيها فالمؤتمر الوطني ممتطيا سيارة الحكم دخل في تحالفات محلية واقليمية وربما دولية وساط وجاط في البلاد  اما المؤتمر الشعبي فقد استطاع باقتدار ان يقف على راس المعارضة ويصبح الدينمو المحرك لها متجاوزا عشرية الانقاذ الاولى بكل ما فيها اما حركة العدل والمساواة فرغم انها كانت قادمة من نظام الخرطوم ورغم ميولها الاسلامية البادية ورغم تحفظات حركة التحرير بقيادة عبد الواحد ومني اركو الا انها استطاعت ان تقف على راس حركات دارفور متلقية الدعم من جهات لم تكن منظورة لها من قبل هذا بعد ان اظهرت جسارة وصلت بها ام درمان في عملية الزراع الطويلة (كل القوة الخرطوم جوه)

حتى الان يبدو ان دوافع لقاء الفرقاء الاسلاميين ليست موحدة ومن المؤكد ليس من بينها اشواق لوحدة الصف الاسلامي او شئ من هذا القبيل (اللهم الا اذا كان في الامر حبكة مسرحية في راس الزول داك ) فالدماء التي سالت بين هذة الاطراف الاسلامية في العشرة سنوات بعد المفاصلة كانت هي الاغزر في الساحة السياسية السودانية . حسابات المؤتمر الوطني من الحوار الذي بدا ينجم عن وحدة الصف الاسلامي واضحة فالبلاد قد تمحقت عليه وثبت له ان استمراره في الحكم بهذة الطريقة سوف يغطس حجره وحجر البلاد اما المؤتمر الشعبي  فقد ايقن هو الاخر ان المعارضة التي يقودها لن تكون بديلا للنظام لضعفها وانه حتى اذا اصبحت فموقعه –الشعبي- غير معروف وغير مامون وان هناك مركبا افتراضية تقله مع الوطني مهما حدث بينهما اما دوافع العدل والمساواة للتقارب ربما ترجع لانسداد المستقبل امام الحركات المسلحة فهي لن تفصل دار فور واقصى ما يمكن ان تفعله هو المزيد من الدمار الخراب واغلب الظن ان يكون لتشاد دور في اقناع الحركة ولعل ما حدث في الجنوب ودور الحركة فيه يشكل دافعا اضافيا لقبول الحوار

على العموم تقييمنا لمستقبل التقارب الاسلامي لابد من ان يستصحب ماذكر اعلاه من مفاصلة واحتراب وتحالفات ودوافع  ولكن الامر المؤكد انهم مهما تقاربوا اوحتى اذا اندمجوا ليس هناك من سبيل الي عودة الانقاذ الاولى وليس هناك من سبيل لنسيان كل المرارات وليس هناك من سبيل ان يغنوا مع عبد الوهاب الصادق رد الله صوته (ما احلى التصافي من بعد التجافي )

(ج )

من يخبر حاملي السلاح ؟

من العوامل التي تضيق من فرص نجاح الحراك الحواري السوداني الذي يملا فضاء الحياة السياسية هذة الايام هو عدم اعتراف ومشاركة الحركات المسلحة فيه والاشارة لحركات دارفور وقطاع الشمال الذي يحارب في جنوب ولاية كردفان وجنوب النيل الازرق وهذة حقيقة لاجدال فيها فاقصى طرفان في  الازمة السياسية الماثلة هم الذين يحملون السلاح الحكومة من جانب والجبهة الثورية من جانب اخر فاذا ما اتفق المعارضون المدنيون مع الحكومة وظلت الحرب دائرة فسوف تظل العقرب في نتيحيها لان الحرب اهم واكبر عامل من عوامل عدم الاستقرار

بهذة المسلمة –بفتح اللام – اعلاه تكون الحركات المسلحة لديها فيتو قوي في مجريات الحوار الدائر الان ولكن هذ لايعني ان الحركات المسلحة هي الكاسبة من الحرب فالحرب الاهلية الدائرة الان في السودان الكل فيها خاسر والحركات المسلحة تفقد كل يوم الكثير ولكن لن يستطيع النظام ان يقضي عليها وفي نفس الوقت لن تستطيع هي ان تقضي على النظام  بيد انها يمكن ان تستنزفه ماديا وعسكريا وتشوه صورته وتمنع الكثير من المعونات والدعم والمساعدات الخارجية وتجعله غير قادر على تلبية مطوبات المواطنيين العادية وتدخله في كستبانة

لكن في نفس الوقت على تلك الحركات المقاتلة  عليها  ان تعلم انها تطيل من عمر النظام لانها تعطيه مشروعية محاربة الخارجين على الدولة وماهو معلوم بالضرورة انه ما من حركة مسلحة تقاتل نظاما وتصل  درجة نزع الحكم منه فانها لن تعطيه لغيرها بل سوف  تستاثر به ولن ينال منه حتى اقرب الاقربين اليها شروى نقير حدث في يوغندا وفي اثيوبيا وفي جنوب السودان فالمواطن حين يخير بين مقاتلين لابل حتى الحزب الذي لايحمل السلاح سوف يختار (الجن البعرفه) كما ان القتال يعطي فرصة للنظام الحاكم ان يصادر كل الحريات تحت شعار لاصوت يعلو فوق المعركة

القراءة المتانية في دفتر الانقاذ سوف تكشف انه من اهم عوامل وصولها للحكم والبقاء فيه قوة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق  في ثمانينات القرن الماضي  فالسودان الجديد الذي دعت له تلك الحركة جعلت الناس ينظرون للانقاذ بانها خط الدفاع الاخير عن الثقافة العربية الاسلامية في السودان مع انها صنعت بها  مالم يصنعه النجار في الخشب لكنها طرحت نفسها كمعادل موضوعي لحركة قرنق وما انتهت حركة قرنق بانفصال الجنوب الا وظهرت دارفور فاصبح الاستمرار في النهج الحرابي مبررا ثم جاء الجنوب الجديد ليجدد خلايا البقاء للانقاذ بحجة الدفاع عن الارض والعرض لابل حتى الربيع العربي غاب السودان مع انه كان السابق له وبعقود من الزمان بسبب  وجود الحرب الاهلية

الان اليوم علينا دا لو غيرت الجماعات المسلحة من استراتيجتها وركنت للحوار واصبحت جزءا من الحوار الوطني سوف تضغط   الانقاذ باكثر مما هي عليه وهي حاملة للسلاح فالقاء السلاح يطمئن المجتمع المدني  بان البلاد لن تتمزق لانه ليس بها سلاح مرفوع ويطمئنه الي ان البديل للنظام القائم سيكون حكما سودانيا مدنيا ديقراطيا ولكن من يقنع  حاملي السلاح بذلك ؟ خلاصة قولنا الحرب الاهلية ليس فيها كاسب محلي فالكل فيها خاسر وان كان فيها فائز فهو تلك التي تريد ان يظل هذا البلد جاثيا مضروب على الركب –بضم الراء -

(ه )

لن تنفصل ولكن

في تقديري ان الذين يتحدثون عن تقرير المصير يمكن ان يفضي الي انفصال دارفور عن بقية جسد السودان ا قد جانبهم التوفيق لعدة اسباب منها انهم اتخذوا من قصة وقضية الجنوب معيارا وسابقة  فقضية الجنوب بدات بالمطالبة بشكل من اشكال الخصوصية  لان قطار السودنة قد فات الجنوب  ثم تطورت الي المطالبة بحكم ذاتي ثم فدرالي ثم كونفدرالي ولكن لعدم الاستجابة والتجاهل والركون للحل العسكري تحرك قطار القضية في خط مواز الي وصل محطة الانفصال فهذا لن يحدث في دار فور ليس لان التاريخ لايعيد نفسه واذا حدث تكون الاولى مسخرة والثانية ماساة والنهر لايجري في ذات المجرى مرتين هذا من حيث المبدا

قضية دارفور  وان بدات بالمطالبة بشئ من الخصوصية والتمييز الايجابي لكي تلحق ببقية اجزاء السودان التي حاباها الحكم الوطني فتكوين دافور الديمغرافي والجغرافي والاهم الثقافي مختلف عن الجنوب فدارفور  جزء اصيل من نسيج السودان الثقافي الحالي اي سودان ما قبل و بعد انفصال الجنوب لابل يمكن اعتبارها مرجعية من مرجعيات الثقافة السودانية الحالية اما من ناحية الجغرافية السياسية فان كان جنوب السودان منكفئ على نفسه رافعا شعار الهوية الافريقية في مواجهة الهوية العربية فان دار مشدودة نحو العاصمة اكثر من اي اقليم اخر من اقاليم السودان فالاغنياء في دار عندما تضيق بهم اسواق دارفور يتجهون للاستثمار في العاصمة وكذا فعل الفقراء والنازحين  عندما ضاقت بهم الحياة في هناك فقد  اتجهوا نحو العاصمة ومن ثم لبقية السودان النيلي حدث هذا ويحدث منذ المهدية الي يوم الناس هذا

مشكلة جنوب السودان تم تكييفها حقيقة ام تتزيفا على اساس قضية مواطنين درجة ثانية ضد جلاديهم فنشات عقيدة وحدت النخبة الجنوبية ضد الشمال وهذا لم ولن يحدث لاهل دارفور لابل المكون المحلي لمشكلة دارفور اكبر من المكون الخارجي فالخلافات بين اهل دار فور موجودة اصلا ولكنها كانت تحل في اطار تقليدي لذلك ظلت محدودة فالجديد تدخل الدولة فيها الامر الذي عملقها وعمقها  وشعبها فجناية الدولة في دار فور انها ناصرت بعض سكان الاقليم على بعضهم فاصبح بعضهم اقرب للمركز من قربه لدارفور من حيث السياسة والمصلحة ولعل هذا كان حادثا في دارفور قبل تفجر احداث 2003 فحزب الامة الذي اشترك  في حكم السودان ثلاثة مرات وكاد ان ينفرد به ذات مرة كان دعمه الاساسي من دار فور

تطور الاحداث في مشكلة الجنوب مكن الحركة الشعبية من السيطرة السياسية على مجريات الامور في الجنوب لذلك وقع الجنوب في عبها كدولة مستقلة بكل سهولة وليس هناك فصيلا دار فوريا يمكن ان يصل ما وصلت اليه الحركة الشعبية في الجنوب لكل هذا وغيره فان اي دعوة لحكم ذاتي  او انفصال لدارفور  في الوقت الحالي تعتبر غير واقعية لكن اذا استمرات مشكلة دارفور في تفاغمها الحالي فان كل عقد السودان معرض للانفراط فلن يكون هناك سودان موحد ناقص دارفور بعبارة اخرى دار فور لن تنفصل من السودان ولكن في مقدور مشكلتها ان تفرتق السودان حتة حتة  لذلك ينبغي ان تمنح الاولوية في معالجة اوجاع السودان الماثلة والقاتلة في نفس الوقت بعبارة ثالثة دارفور التي تمثل دار حرابة اليوم لن  تكون دار انفصال انما دار تفكيك والشرح الكثير يفسد المعنى

(و )

قطب بين كتابين

الاخوين الراحلين سيد ومحمد قطب عالمين من علماء الاسلام وناشطين من نشطاء الاسلام السياسي رحمهما الله رحمة واسعة فقد تركا بصمة واضحة في مسيرة علاقة الاسلام بالدولة والسياسة في الشرق الاسلامي بصفة خاصة وكل العالم الاسلامي بصفة عامة فقد كان  اسهامهما فكريا في شكل مؤلفات ضخمة الا ان افكارهما داخل هذة الكتب  من النوع الذي له سيقان اي سارت بين الناس وسيرتهم لقد كانت عبارة عن رؤية قام عليها الكثير من السلوك والتصرفات

لكن ربما فات على البعض على ان سيد ومحمد قطب قد انقسمت حياتهما الي  فترتين  وبالتالي انقسم  انتاجهما الفكري الي قسمين وصلا مرحلة التباين من حيث الاثر  فالفترة الاولى من حياة اي منهما كانت  بصدد تقديم الاسلام كعقيدة وثقافة وسلوك وحضارة للمسلمين المحدثين ولغير المسلمين فكتب محمد قطب شبهات حول الاسلام فكان عبارة عن مرافعة دفاع عن الاسلام في وجه التهم التي اثارها كبار المستشرقين  وقد كان لكتاب شبهات حول الاسلام اكبر الاثر في الابقاء على الشباب المسلم يومها في حظيرة الدين الاسلامي لذلك اصبح كتابا منهجيا في مقررات التعليم العام  في كثير من الدول المسلمة من بينها السودان كما تمت  ترجمته لكل اللغات الحية

سيد قطب ظهر  كمفكر اسلامي بعد ان كان منشغلا بالادب الانجليزي بكتابات توفيقية تمزج بين الاسلام والعصر فكان عمله الكبير في ظلال القران الذي شرح فيه القران شرحا يخاطب العقلية الحديثة التي نالت قسطا من علوم الغرب ثم كان كتابه التصوير الفني في القران ثم الاسلام والراسمالية كلها كتب توفيقة تقدم الاسلام بصورة متحضرة ساعدت على ابقاء الاجيال المتعلمة متمسكة بدينها تجادل عنه بمنطق العصر

ولكن بمرور الزمن دخل على ابناء قطب الاسلام السياسي الذي ابتدعه ابوالاعلى المودودي صاحب نظرية الدستور الاسلامي ثم امنا باهمية التنظيم اي حركة النخبة الاسلامية  المفضية للحكم لتغيير الواقع فتركا عمومية الدعوى الاسلامية الي خصوصية الحركة الاخوانية فالف محمد قطب جاهلية القرن العشرين ذلك الكتاب الذي اعاد تعريف الجاهلية لتصبح حالة بعد ان كانت فترة زمنية محددة  ليصف بها العصر بكل مافيه من منجزات بانه جاهلية اشد وانكا من تلك التي كنت قبل الاسلام فالكتاب في مجملة دعوى للقطيعة مع الحداثة والمعاصرة

اما سيد قطب فقد الف كتاب معالم في الطريق الذي نسف فيه كل اسهاماته السابقة اذ رفض الدعوى الي اي مزاوجة او توفيقية مع العصر واعتبر ذلك كفرا  ودعا المسلمين لاعتزال هذا العالم والاستعلاء عليه وتغييره بكافة السبل لذلك اعتبر كتابه هذا مؤسسا للارهاب باسم الدين وحكم عليه بالاعدام في عهد عبد الناصر تاسيسا على افكاره المتطرفة  قد يكون في ذلك نوعا من محاكم التفتيش ولكن الشاهد ان كتاب معالم في الطريق مازال الاول في انتاج العنف في  العالم الاسلامي

لقد قدم سيد ومحمد قطب خدمة جليلة للاسلام والمسلمين في مؤلفاتهما الاولى مثل شبهات حول الاسلام وفي ظلال القران عندما كانا مهتمين بامر الاسلام كعقيدة وحضارة وثقافة ولكنهما عادا وقدما مؤلفات مثيرة للجدل مثل جاهلية القرن العشرين ومعالم في الطريق عندما اصبحا مهتمين بالتنظيم والسياسة والدولة وفي الحالتين كانا مخلصين  فجزاؤهما الله خيرا في جهدهما الاول المبارك وغفر لهما جهدهما الثاني وغفرلنا جميعا  ففي الاسبوع المنصرم رحل محمد ليصبح الاثنين في رحاب من لايظلم عنده احد

(ك )

تفنتارا تتمنى

شدينا الرحال عليك ياشجر الهشاب

حراسك الغبش راكبين الدواب

ابو فاطنة الهميم جاب عليك خطاب

لا يسرح فيك بعير ولا يرك عليك غراب

فوائدك كتيرة مصران وكلى وانجاب

شاربينك لاوقفوا في صيدلية ولا اشتروا أعشاب

هذه الأبيات لعمنا الشاعر الضو محمد الغزالي من قرية المرحبيبة من ضواحي ام روابة والضو من حبه لغابات الهشاب وصمغها لقبه الأهالي بكامل شوقي ام روبة واذا جالسته ليحدثك عن الصمغ العربي وفوائده الاقتصادية والصحية والنفسية سوف تجد نفسك امام خبير حديث وتقليدي معا ويختم كلامه هامسا وضاحكا في أذنك (انت عارف أيام طق الصمغ العوين –النساء- بكونن مبسوطات بسط شين اسألني أنا العندي تلاتة).

إن حزام الصمغ العربي في السودان هبة من أعظم هبات الله على السودان ولكن وآه من لكن هذه محقت هذه البلاد جعلت مخاليقها يضيعون هبة الخالق لذلك لن تصدق عينيك وأنت تجوب قرى ذلك الحزام وأنت تشاهد الفقر والفاقة والعوز والبؤس في خدمات الصحة والتعليم والماء النقي والطرق تمشي على أرجل رغم غابات الهشاب والثروة الحيوانية والمحاصيل الغذائية.

لا توجد منطقة في السودان تتناغم فيها الطبيعة مثل منطقة هذا الحزام المسمى حزام الصمغ العربي فهو في الأصل حزام سافنا حيث الإمكانيات الهائلة لإنتاج المنتجات النقدية والغذائية ففي الرقعة الواحدة يمكن أن ينتج الصمغ ويربى الحيوان ويزرع المحصول وكل واحد من هذه الثلاثة سوف يقوي الآخر ويمكن أن تعيش في هارموني ولكن مع الإهمال وعدم اهتمام الدولة بالإنسان ساد التنافر بين هذا الثالوث عوضا عن الانسجام فتجد صاحب الشجرة يشكو من الحيوان الذي يملكه ثم يأتي موسم الزراعة ليشكو من الشجرة ذات نفسيها.

بشيء من التخطيط والنظرة الاستراتيجية وتدخل حميد من الدولة او غيرها في شكل خدمات يمكن أن يتضاعف إنتاج الصمغ واللحوم والألبان والذرة والدخن والسمسم والكركدى ويمكن لشجرة الهشاب او حتى الطلح أن تقوم بدور راس الحربة وقاطرة الإنتاج وتجر معها البقية والعكس ليس صحيحا فيمكن للحيوان أن يتغول على الشجرة والمحصول ويمكن للمحصول أن يتغول على الشجرة ولكن إذا أعطيت الريادة للشجرة فسوف تزيد مساحة المحاصيل وتحسن إنتاجها رأسيا وسوف تنعكس مخلفات المحصول الوفيرة على الحيوان لا بل يمكن أن يزرع تحت الشجرة علف الحيوان وستكون البلاد حاربت الجفاف والتصحر والفقر والعوز والتخلف فالآن الغابات في جهة ووقاية النباتات في جهة والبيطرة في جهة والدولة غائبة نهائيا فكان طبيعيا أن يحدث تمزق اقتصادي ويتهتك النسيج الاجتماعي ويسود الفقر وتزحف الصحراء.

قال لي مواطن من تنفتارا التي تبعد من أم روابة حوالي العشرين كيلومترا: "إنني أتمنى من الله قبل أن أموت أن أشهد في تفنتارا مستشفى أمومة وطفولة لأن موت النساء والأطفال هنا كثير جدا"، فقلت له لماذا لا تطلب شارع معبد يربطكم وكل القرى المجاورة بأم روابة حيث كافة الخدمات يمكن أن تتوفر فضحك وقال لي: "الشارع كتير علينا لأن تكلفته عالية فكفانا المستشفى"، فقلت له ما معنى تفتنارا فقال لي جدنا كان له ثأر مع آخرين فطلبوا منه العفو فوافق قائلا أنا تاري دفنتوا هنا فأصبحت المكان تعرف بدفن تارا أي الذي دفن ثأره وبمرور الزمن أصبحت تفنتارا فقلت له والله كلكم دفنتم ثأركم مع الدولة والآخرين

عبد اللطيف البوني

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

///////////