بسم الله الرحمن الرحيم
( 1 )

في خطابه الجماهيري بمدينة القضارف  في الاسبوع المنصرم قال  السيد رئيس الجمهورية ان عهد التمكين وتسيس الوظائف قد انتهى واصبح الناس في السودان امام الوظيفة العامة متساويين وليس هناك (اولاد مصارين بيض ) وبهذا يكون التمكين قد استغرق ربع من الزمان في بلاد السودان .وربع قرن من الزمان كفيل بايداع الموظف العام للمعاش الاختياري اذا كان عمره دون الستين بعبارة اخرى ان هناك من تقلد الوظيفة العامة في الدولة في فترة التمكين  وعليه الان مغادرتها بالدرب العديل وليس بالدرب التحت 
قبل التمكين كانت الوظيفة العامة نظريا تتحكم فيها قواعد موضوعية اي ليست مفصلة على اي شخص او جهة بعبارة اخرى ان المؤهلات الاكاديمية لاي وظيفة محددة سلفا وبموجب القانون والاساس في تقلدالوظيفة هو اهلية الشخص المتقدم لها  وتحمى الوظيفة بترسانة قوانين تحدد كيفية السير فيها  كالترقيات والمكافات والعقوبات والاستثناءات الي الاحالة الي المعاش الاجباري اما في عهد التمكين فقد اصبحت الاستثناءات هي الاصل بمعنى ان الدخول للوظيفة ثم المضي فيها اصبحت تتحكم فيه معايير جديدة غير المعايير التي حددها القانون اذ اضيف اليها الولاء السياسي او ثقة الحاكم او العلاقة الخاصة  كما ان انهاء الوظيفة لم يعد يخضع لقانون الخدمة العامة انما هوى الحاكم السياسي وغير السياسي احيانا
على حسب نظرية ابن خلدون في نشاة وتطور الممالك ان اي دولة تؤسس على الغلبة والشوكة فيجمد الحاكم الذي انشا الدولة كل النظم والاعراف ويصبح الجيل المؤسس هو الجيل الحاكم بقوة الشوكة وبعد ان تستقر له الاوضاع  ثم ياتي الجيل الذي يعقب جيل التاسيس وهذا يجد الامور قد استقرت ويسعى لحماية مكاسبة الموروثة من عهد الغلبة والشوكة  بالقوانين فتسود دولة القانون ثم ياتي الجيل الثالث جيل الدعة والترف فتتراخى قبضة الحاكم ويحدث التنازع ويظهر قادم جديد للحكم وهكذا تتداول الايام بين الناس فالدولة عند ابن خلدون مثل الكائن الانساني طفولة وشباب ثم كهولة وشيخوخة وفناء
دعونا نتخيل اليوم ان وزارة الخارجية لديها وظائف سكرتيري ثوالث (سكرتير ثالث هي اول وظيفة في هيكل وزارة الخارجية ) تقدم لها الف خريج جامعي واخضع هؤلاء لامتحان لغات وثقافة عامة فمن الذي سوف ينجح في هذا الامتحان ؟ من المؤكد ان الذي سوف يحرز درجات اكبر في هذا  الامتحان هو الذي سمحت له ظروفه باستقرار اكاديمي واكتساب معارف لاتتحيها الجامعات بظروفها الحالية  المعروفة فقد يكون تلقى كورسات لغة انجليزية في معاهد خاصة وذهب الي انجلترى ودرس الفرنسية في المركز الثقافي الفرنسي وذهب الي فرنسا ودرس الالمانية في معهد جوتة وهكذا  وبالتالي  يصبح مؤهلا دون غيره للوظيفة ومثل هذا لابد من ان يكون من اولاد المصارين البيض الذين تمكنوا في ربع القرن السابق ولكنه نال الوظيفة بمؤهلاته التي اصبحت ذاتية  اي مكتسبة من ظروف التمكين
اذن ياجماعة الخير معقولة جدا ان يبدا عهد جديد في الوظيفة العامة في السودان لتصبح هناك ثلاثة عقود الاول قبل التمكين والثاني عهد التمكين ثم الثالث عهد مابعد التمكين وهي العهد الذي يحمي مكاسب التمكين ولكنه باى حال من الاحوال احسن من عهد التمكين لانه يخضع الوظيفة لقواعد موضوعية قد تحدث فيها بعض الاختراقات من الطبقات غير الحاكمة  فعلى حسب نظرية ابن خلدون اصبح ما بعد التمكين امرا حتميا
( ب )

سينما  سينما
في واحدة من قفشاته اللغوية التي اصبح يكثر منها مؤخرا وصف السيد الصادق المهدي التعديل الوزاري الاخير بانه مناظر جعلت الناس في انتظار الفليم ولمصلحة اولاد الزمن دا الذين لم يدخلوا كلوزيوم او النيل الازرق او حتى سينما قاعة الصداقة نقول ان المناظر عبارة عن مقاطع ماخوذة من الفليم تعرض قبل مدة من عرضه كاملا للترويج له وهي اكثر المناظر اثارة في الفليم وهي تشبه عملية الترويج للمسلسلات الذي يتم في التلفزيونات في الزمن دا
لقد بدا لي ان السيد الصادق المهدي كان موفقا في اعتقاده بان هناك فليم سياسي جديد قادم الا لما تم التغيير في الطاقم الحاكم بهذة الصورة الكبيرة  ولكن يبقى السؤال هل هذا التغيير قد تم وضع كامل السيناريو له وتم تحديد كافة ابعاده  ثم عرض علينا التشكيل الوزاري الجديد كمقدمة له ؟ بعبارة اخرى ان الفليم منتهي ومعلب اي موضوع في علبه وجاااااهز للعرض وقد اخذت اكثر اجزائه ثارة لتشويق الجمهور له ؟
ان الذين يقولون ان التغيير في الاشخاص لايدل على اي تغيير في النظام انما المطلوب تغيير السياسات قد احسنوا الظن في الانقاذ لانهم اعتقدوا ان لها سياسات ثابتة ومتفق عليها بين جميع الفصائل المكونة لنظام الحكم  فالواضح ان الانقاذ اصبحت مشروع سلطة وهي تفعل كل ما يمكنها في البقاء في سدة السلطة ومتاهبة لمنازلة كل من ينازعها في السلطة وبمرور الايام والسنوات اصبحت لها مراكز قوى متعددة فالتغيير الوزاري الاخير قضى على مركز من مراكز القوى لدرجة ادهشت كل المراقبين للوضع السياسي في السودان وهذ يعني ان مكون اساسي من مكونات المعادلة الحاكمة قد تغير وبالتالي لابد من ان تتغير المخرجات وتغيير المخرجات واحدة من اساليب البقاء
عليه اذا اتفقنا مع السيد الصادق ان التغيير الوازري الذي تم يعتبر مناظر لفليم قادم فانها مناظر ليست ماخوذة من الفليم انما وضعت قبل الفليم وبالتالي سوف يبنى الفليم عليها وهنا تكمن الخطورة لان القصة  و السيناريو والاخراج والتصوير سوف يتم بناء على هذة المناظر فهذا يعني ان هناك فليم جديد قادم ولكنه ليس واضح المعالم في ذهنية من الذهنيات الحاكمة وسوف يتبلور على طريقة رزق اليوم  باليوم عليه اصبح الباب مفتوحا لكل الاحتمالات سالبها وموجبها . عليه ان كانت المناظر في السينما المعتادة توضح  بعض ملامح الفليم لابل هناك من يستطيع كشف قصة الفليم من المناظر فان مناظر الفليم السوداني لاتنبئ اطلاقا بشكل الفليم القادم لانه وضعت قبله وليست ماخوذة منه
ويبدو لي الان ان التغيير الوزاري سؤا كان مناظر لفليم جاهز او مناظر لفليم يجري تصوير احداثة  او مجرد مناظر بدون فليم  (يالناظر يا الكلك مناظر ) - وهذة ايضا منسوبة للسيد الصادق - قد تجاوزته الاحداث وكاد ان يصبح فليما محروقا لان احداث دولة الجنوب طغت عليه وقد اصبحت هي المنطلق لسياسات الانقاذ القادمة بعبارة اخرى ان كل سياسات السودان القادمة داخلية وخارجية سوف تكون ردة فعل لما حدث وسيحدث في دولة جنوب السودان انها البحر الذي غطى تمد السودان وكل المنطقة وربنا يكضب الشينة ونشاهد ويكفينا شر افلام الرعب في الشمال وفي الجنوب 
(ج )

غراب البين
اشهد الله انني قد تملكني الرعب عندما رايت الرئيس اليوغندي يوري موسفيني وهو يضع طربوشا على راسه الكبير   من داخل جوبا  وهو يحذرا الدكتور رياك مشارقائلا له عليه ان يوقف الحرب الا فالينتظر جيوشا من شرق افريقيا لاقبل له بها . تساءلت في نفسي هل مثل هذا يصلح ان يكون وسيطا ؟ وتساءلت اين الرئيس سلفاكير ؟ لماذا لم يظهر معه ؟ وهل اصبح هو موسفيني هو المتحكم في مصير الجنوب ؟
البروفسير ديفيد ديشان ذكر قبل ايام ان الرئيس سلفاكير والذي تعود ان يذهب الي يوغندا في الصغيرة وفي  الكبيرة (وهذا من حقه ) في اخر زيارة له ليوغندا اصطحبه الرئيس موسفيني ليلا ودخل به احدى مقابر كمبالا وفرجه على بعض القبور وكان يؤشر على كل قبر معرفا له بالذي يرقد تحته , هذا كان نائبي وهذا كان وزير داخليتي وهذا كان وزير دفاعي وهذا مدير استخباراتي كل هؤلاء ولو لم اضعهم هنا لكنت انا الراقد هنا . قد يكون البروف ديشان (كتر المهلبية ) لكن الامر المؤكد ان موسفيني لم يكن يفرق في تصفياته الكثيرة بين حليف وعدو فاقرب الاقربين اليه يمكن ان يتحول  في لحظة الي عدو والامر المؤكد الثاني ان الرئيس سلفا بمجرد عودته من كمبالا فتح سجونه للجماعة و(الله يستر ما يلحقهم جماعة موسفيني )
موسفيني هو رائد وعراب فكرة الزحف المسلح من الاطراف الي العاصمة لتبديل نظام الحكم واحلال المليشيات الزاحفة  لمحل الجيش القديم في افريقيا . ليس في قاموس موسفيني اي مكان لثورة بيضاء او سلمية او وفاق وطني . عنده القوي يجب ان ياكل الضعيف والتصفية عنده اسهل من تناول حبة بندول فهو المسؤل الاول عن حرب البحيرات  التي مات فيها مئات الا لوف  ابتدرها بقتل رئيسي رواندا وبروندي في ساعة واحدة وبدم بارد في حادث تحطم الطائرة  وموسفيني كان الاقرب لقرنق منذ ظهوره الي رحيلة في حادث تحطم الطائرة (طائرة موسفيني )
موسفيني الان مدعوم ومحمي بقوة دولية باطشة وجدت في تعطشه للدماء فرصة لاعادة ترتيب المنطقة وقد فرغ من منطقة البحيرات وهو الان يتجه شمالا  لترتيب الاوضاع في المنطقة التي بين البحيرات والبحر الاحمر اي منطقة شرق افريقيا والقرن الافريقي وهاهو يبدا التنفيذ بتدخله السافر والمباشر في حرب جنوب السودان فبمجرد اندلاع القتال ارسل جنوده لجوبا بحجة حماية اليوغنديين في جنوب السودان ولكن المؤكد انها كانت لدعم الجيش الشعبي بقيادة سلفاكير كما ارسل طائراته لضرب قوات مشار في بور ولما استعاد مشار بور قال تهديده اعلاه مما يؤكد  بان حدوده لن تكون جوبا ولابور وحدهما
السودان مازال يعلن حياده بين فرقاء الجنوب وانه يعمل من خلال وساطة الايقاد فقط وفي تقديرنا انه هذا هو الموقف العلني المطلوب ولكن اذا اصبحت الحرب بين موسفيني ومشار فالامر سوف يصبح مختلفا  . ان رهان السودان ينبغي ان يكون على استقرار وامن وسلامة الجنوب لان امن السودان من امن الجنوب ولكن موسفيني لن يترك الجنوب يستقر والجنوب بالنسبة له مجرد محطة سوف يتحرك الي ما بعدها فالرجل ماكينة حرب  لن تكف عن الدوران لانها اذا توقفت صدئت  واللهم احفظ كل السودان واهل السودان
(د )
ان المساجد لله
جاء في الاخبار الواردة من الاقاليم ان شابا طعن امام مسجد بمدية طعنة اودت بحياته وقال الجاني  ان المجني عليه كان يعرض به في خطبته ويذكره بالاسم رحم الله الامام رحمة واسعة طبعا القضية الان بين يدى  القضاء لا نود الخوض فيها ولكننا بصدد الحديث في موضوع عام وهو خطب الجمعة التي اصبحت  تعج بالاسماء فقد كنا نظن هذا حكرا على  العاصمة ولكن الواضح ان الظاهرة قد انتقلت من العاصمة للاقاليم او ربما تكون للاقاليم ظروفها الخاصة التي ابتدعت  الظاهرة 
في الخرطوم درج بعض الائمة ومنذ مجئ الانقاذ للرد على ماينشر في الصحف في منابر المساجد فتجد الواحد يصعد المنبر وفي يده قصاصة من جريدة يقراها ثم ينزل في كاتبها بالتقيل وقد نالني من هذا قدر لاباس به  فمولانا كمال رزق امام امسجد الخرطوم الكبير تعرض ذات مرة لاحدى مقالاتي  مفندا وواصفا شخصنا الضعيف باوصاف من شاكله العلمانية الجديدة وما وفوق فكتبت قائلا له انني لم اكن موجودا ولن استبعد انك فهمتني خطا اوربما قولتني مالم اقله لتبرير هجومك وحتى ولو كان من الحضور من يرى غير رايك فلن يجد فرصة للرد عليك لان طبيعة خطبة الجمعة لاتسمح بذلك ووصفت ذلك بانه انفراد غير حميد
الان في العاصمة يتحدث الان عن امام مسجد يمتلئ عن اخره بالمصلين  لدرجة ان شرطة المرور تقف عند ساعة الجمعة لتنظم الحركة وهذا الامام يوصف بانه سلفي ولايوفر سياسي او فنان او كاتب صحفي او مقدم برنامج  الا ويذكره بالاسم ثم يفعل بسيرته الافاعيل اخر سخرية واستهزاء واضحاك مما جعل منبره عبارة عن خشبة مسرح  وباحة المسجد عبارة عن صالة وهناك الان عدة شكاوى من عدد من الصحفيين وفنانين لم يكونوا حاضرين ساعة تناول الامام لهم  انما اخطرهم بعض الحضور وحتى ولو كانوا حاضرين لن يجدوا فرصة لمقاطعته او تصحيحه لما لخطبة الجمعة من قدسية
لم تتوقف خطبة الجمعة لدى بعض الائمة على مجافاة الادب النبوي الشريف (ما بال اقوام او مابال قوم ) انما نات خطبة الجمعة بصفة عامة خاصة في المساجد الكببيرة التي يسيطر عليها الطابع السياسي من الدين المعاملة والدعوة لمكارم الاخلاق والتحذير من الحرام واكل السحت وضرورة الورع في ممارسة الوظيفة العامة  ولااذكر انني سمعت في العقدين الاخيرين حديثا نبويا  مثل الحلال بين والحرام بين وبينهما امور متشابهات ..)     يبدو ان السبب في الكف عن تناول الدعوة للحلال والتشنيع بالحرام يرجع الي ان الامام يدرك ان من بين الحضور من سيظن بانه المقصود بذلك وهنا لابد من اعادة القصة الطريفة  التي ذكرتها من قبل على لسان احد السياسيين الذي ذهب لقرية لاداء واجب اجتماعي وكان يمتطئ عربة فارهة فاوقفها امام الجامع ودخل للصلاة وكانت الخطبة عن التحذير عن اكل المال الحرام وكان الامام ينظر ناحية السيارة فظن الرجل انه المعني ولكن الامام فاجاه عندما وضح من ثنايا الخطبة انه يشير للحيوانات التي يهمل فيها اصاحبها وتدخل زرع الاخرين فقال الرجل لقد تنفست الصعداء وقلت في نفسي والله ياناس الخلا حرامكم ود ناس بشكل




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.