نقطة ... وسطر جديد


قال الثائر العالمي ارنستو تشي جيفارا من قبل "لن يكون لدينا ما نحيا من أجله , إلا إذا كنا على استعداد للموت من أجله .. يجب أنْ نبدأ العيْش بطريقة لها معنى الآن" ، لقد قدم تحالف الجبهة الثورية وقوى الاجماع الوطني الوثيقة التي عنوانها ( الفجر الجديد ) ، وهي نقلة نوعية في طريق الثورة السودانية واحداث التغيير الجذري في الازمة المستمرة في بلادنا ، وهذه الوثيقة تستحق الاحتفاء ، كما انها تستحق النقاش من قبل كافة السودانيين المتطلعين الى الحرية والكرامة والتغيير والعدالة والمساواة .
وليس جديداً ان يشهد التاريخ السوداني مثل هذه المعاهدات ، حيث يدون التاريخ ان اول تحالف سياسي كان بين عمارة دنقس وعبد الله جماع ، واتفاق الامام محمد احمد المهدي مع ملوك وسلاطين جبال النوبة خلال اول ثورة سودانية ضد المستعمر ، وفي التاريخ الحديث اوائل القرن العشرين وقعت جمعية الاتحاد السوداني اول وثيقة ضد الحكم الانجليزي – المصري ، وكذلك وثيقة جمعية ( اللواء الابيض ) التي خرجت منها ثورة ( 1924 ) ، هذا جزء من تاريخ الثورة السودانية ، والتي لا اظن ان حكام المؤتمر الوطني يعرفونه ، او ان عرفوه يتجاهلونه لانه لا يشبههم  .
ولكن التاريخ الحديث ايضاً يحدثنا عن ان الاحزاب السودانية عقدت على مدى نصف قرن العديد من الوثائق ، بدءاً من عشية الاستقلال والتي تم انكارها لاحقاً بعيد رفع علم الاستقلال في التنصل عن  مطالب الجنوبيين البسيطة في حقهم الديموقراطي بان يحكم السودان بنظام فدرالي ، وقد سبق اتفاق الاحزاب السياسية مع النخب الجنوبية  وثيقة مؤتمر عام 1947 ، وبدأت الاحزاب منذاك التوقيع على وثائق ونقضها ، ما دفع مولانا ابل الير ان يوثقها في كتابه القيم ( جنوب السودان : التمادي في نقض العهود والمواثيق ) ، كما ان الاحزاب السودانية نقضت عهدها فيما بينها في جبهة الهيئات عام 1964 وانقلبت على ما تواثقت عليه ، وذات الامر راج عندما وقعت الاحزاب على ميثاق الدفاع عن الديموقراطية عام 1988  .
وشهد العمل المعارض تراجعات كبيرة في المواثيق التي تتعاهد عليها القوى السياسية ، ولعل ابرزها ميثاق التجمع الوطني الديموقراطي المعروف بمسمى ميثاق اسمرا العام 1995 ، والتي اعتبرت في وقتها بانها تمثل تقدم كبير في العمل المشترك ، ولكن لننظر الى النتائج ، فقد نكس علم التجمع في اول الطريق ، حيث ذهب حزب الامة الى جيبوتي للاتفاق مع النظام الحاكم ، وكان اتفاق جيبوتي في اعقاب المفاصلة بين البشير والترابي ، رغم ان لقاءاً سبق ان تم بين الصادق المهدي مع الترابي في سويسرا قبيل مغادرة الاخير مواقعه في السلطة  .
ولم يتوقف نقض العهود عند ذلك ، فقد اوعز بعض قادة التجمع في العام 1999 الى الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بان يطلق مبادرة لمحاصرة مباردة الايقاد التي كانت قد جمعت بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان ، فبدلاً من الضغط ليتم تمثيلهم في اعلان المبادئ التي حررتها الايقاد فان المعارضة ذهبت لتقويض الايقاد ، اذن القوى السياسية تراوح مكانها في كل ما يتم التواثق عليه ، وبيننا الان الميثاق الذي تم توقيعه من قبل قوى الاجماع الوطني فيما يعرف بالبديل الوطني ، حيث ان هذه القوى وعدت بان تصدر وثيقة الدستور الانتقالي وتقوم بعمل مشترك مع الجبهة الثورية ، ولكن لم نسمع حتى الان عن تلك التحركات .
لندع كل ذلك جانباً ولنتحدث عن وثيقة الفجر الجديد التي وقعت عليها الجبهة الثورية وقوى الاجماع الوطني ، واظن ان الوثيقة قد نفذت الى ازمتنا المتطاولة ووضع الحلول لجذورها بشكل مباشر ، وقد اكدت الوثيقة التاريخية ان الدولة السودانية وصلت الى حد الفشل وقد شاخت ولا يفيد معها الترقيع الذي كانت تقوم بها النخب السودانية تارة بانتخابات منقوصة واخرى بانقلابات من ذات القوى التي لا تعترف بصندوق الانتخابات ،وتلك هي المفارقة في الازمة السياسية في بلادنا .
ومظاهر فشل الدولة السودانية بائنة ولا تحتاج الى منظار التلسكوب ، حيث ان هذه الدولة قادت حروباً ضروس ضد شعوبها على مدى (58 ) عاماً وقتل فيها اكثر من (3 ) مليون شخص وتشرد اكثر من (4 ) مليون في نزوح داخلي وخارجي ، وما زال القتل مستمراً في الحرب الجديدة مع بدء تدشين الجمهورية الثانية بنسختها الاصولية المتطرفة ، حيث يقتل الالاف في جبال النوبة والنيل الازرق ودارفور ، واصبح الفساد مقنناً من قبل الاقلية الحاكمة ، وهذه المجموعة الحاكمة باسم الحركة الاسلامية انسد افقها باعتراف من كانوا في صفوفها وعاد اليهم بعض من الرشد ، اذن الحركة الاسلامية السودانية النموذج الذي قدمته للسودانيين والاقليم والعالم هو هذا القتل المجاني وبدم بارد ، والمدهش انهم ما زالوا متعطشون لسفك المزيد من الدماء وبذات الصيغة التي جاءوا بها الى السلطة ليلة الثلاثين من يونيو ( حزيران ) 1989 .
اذاً عندما نقول وثيقة الجبهة الثورية وضعت الان المداميك في كيفية تشكيل دولة سودانية على اسس جديدة تحظى بالتراضي بين شعوبها ، فاننا ننظر الى ذلك التاريخ المأسوي الذي حل بالشعوب السودانية التي لم تذق طعم راحة البال ، كما اننا نريد ان تتحقق المساواة والعدالة وحق الاخرين في العيش الكريم والاعتراف بهم ، وان تعطي الدولة بعد اعادة هيكلتها كل ذي حق حقه ، وان تحفظ كرامة الانسان الانسان السوداني وان يعيش في منطقته دون خوف من طائرات انتنوف او صورايخ ارض ارض ، وهذا كله لم تحققه الدولة السودانية على مدى اكثر من خمسين عاماً وتقلبت فيها انظمة مختلفة من ديموقراطية شائهة الى عسكرية شمولية .

mostafa siri [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
////////////