نقطة ... وسطر جديد

في السادس عشر من مايو في العام 1983 كان ميلاد ثورة الجيش الشعبي لتحرير السودان ، كاحد المعالم البارزة في الثورة السودانية وتطورها ، وفي هذا اليوم لابد ان نحي القائد والزعيم المؤسس للحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان دكتور جون قرنق دي مابيور ، وقبل تسع وعشرون عاماً اطلق قرنق ثورته ضد المركز – الخرطوم – ودعا المهمشين في السودان للانضمام الى الثورة لتحقيق حلمهم في تحقيق كرامتهم الانسانية وحريتهم ، ورغم ان السودان اصبح سودانيين شمال وجنوب ، لكن القضية نحو التحرر والكرامة ما زالت ، في الشمال وان الجنوب بدأ دولته التي لم تكمل العام حتى الان ، وسيكون امام شعبي السودان العمل على اعادة الوحدة على اسس اخرى لدولتين مستقلتين ، وهذا ممكن في حال اقتلاع نظام البشير من جذروه .
وتعتبر الجبهة الثورية ، التحالف الذي يضم "الحركة الشعبية في شمال السودان ، حركة العدل والمساواة ، حركة تحرير السودان فصيل مني اركو مناوي ، حركة تحرير السودان فصيل عبد الواحد محمد نور ، مؤتمر البجا ، كوش ، قيادات كبيرة مثل التوم هجو في الحزب الاتحادي الديموقراطي ، نصر الدين الهادي المهدي نائب رئيس حزب الامة "   نقلة نوعية في مسألة الثورة السودانية ، وقد نقلت الفعل الثوري من اطاره التقليدي الذي كان حادثاً في البلاد من قبل ، من انقلاب عسكري " ثوري تحت اي مسمى من نوفمبر 1958 ، الى مايو الظافرة 1969 ، الى الانقاذ او المشروع الحضاري الاسلامي "  الى الانتفاضة الجماهيرية في اكتوبر 1964 وابريل 1985 ، وداخل هذين الطريقين من القمع والتهميش المستمر لقطاع كبير من الشعب السوداني في الريف والمدن !
وكانت قضية الحكم في السودان لا تبرح شارع النيل حيث القصر الجمهوري – او قصر الحاكم العام الانجليزي– ولا يهم من بداخله سواء كان بلباس مدني او عسكري، فالمهم انه يحكم كل السودان بجزء منه ، وتلك كانت المفارقة الكبرى في القضية السودانية ، وقد ادت الى ان انتقاص جغرافية البلاد لان الحاكمين انتقصوا من تاريخه، ولان الحاكمين ارادوا من الجزء حكم الكل دون ان يشركوا الاخرين  في اي شئ ، رغم انهم اخذوا منهم كل شئ ، حيث صادروا هوية الشعب ، وطقوسه ، وشعائره ، ومعاشه ، وحقه في الحياة ، او في ان يكونوا اخرين ، والمفارقة الاخرى ان الحاكمين وفي مصادرتهم لهذه الحقوق يرددون صباح – مساء ، بانهم يحبون شعبهم للدرجة التي يقتلونهم تحت اسماء كثيرة ، ومن الحب ما قتل !
والحركة الاسلامية الحاكمة سامت الشعب العذاب ، من قتل لم يقف طوال فترة حكم البشير ومجموعته (23 ) عاماً ، وهذا القتل الجماعي انحصر في مناطق بعينها في السودان ، وهي جنوب السودان سابقاً قبل استقلاله ، والنيل الازرق ، جبال النوبة ودارفور ، رغم ان هذه الحروب كانت قد ورثتها الحركة الاسلامية من انظمة سابقة ، الا انها زادت عليها نيران جديدة باسم الجهاد ، واصبح القتلى من المسلمين الاخرين في رأي الحركة الاسلامية الحاكمة مجرد رقم ينال فيه القاتل اجره عند الله اضعاف مضاعفة ، وان قتل في الحرب فانه شهيد !
غير ان الحركة الاسلامية الحاكمة ، خرجت علينا اليوم بخبر معلوم ، بان قال البشير في اجتماع لمجلس شورى الحركة الاسلامية الذي انعقد في العليفون الاسبوع الماضي " ان عضوية الحركة الاسلامية افسدها الحكم والمال وانها انشغلت بالسلطة بدلاً من بناء دولة الشريعة الاسلامية " ، طبعاً لن يتم فتح بلاغ في البشير او سجنه " لهذه الاتهامات التي قالها علناً " ، ولكن يمكن ان يتم اعتقال المخالفين والذين بح صوتهم بفساد دولة الاسلاميين ، ولذا فان على البشير الاعتذار علناً الى  الشعب السوداني ، وان يحل هذه النظام ويقوم بتسليمه الى مجلس انتقالي من القوى السياسية السودانية لتسنى لها عقد المؤتمر الدستوري ، وهذا ما ظلت تنادي به الجبهة الثورية السودانية .
ان الازمة السودانية الحالية توضح بجلاء غياب مشروع وطني يقود الى اجماع القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني للخروج من هذا النفق الذي ادخلتنا فيه الحركة الاسلامية السودانية ، والمشروع الوطني الذي تعمل له الجبهة الثورية يقوم على اعادة هيكلة الدولة السودانية التي تم اختطافها من قبل المؤتمر الوطني ، وتشكيل برنامج يقوم على الحقائق الموضوعية الموجودة في السودان ، وليس على اساس اثني او عرقي او ديني ، ويعترف بالتنوع التاريخي والمعاصر – كما ظل يردد الصديق ياسر عرمان – وان يتم بناء الدولة والمجتمع على اسس ديموقراطية وعدالة اجتماعية ومساواة بغض النظر عن الدين او العرق والخلفية الاجتماعية او الثقافية او السياسية، والمساواة بين الجنسين.
والحاكمون اليوم باسم الحركة الاسلامية يرفضون الاعتراف بهذه الحقائق ، وهذا ادى الى انفصال الجنوب القديم ، ولكن ظلت العصبة الحاكمة تواصل رفضها لحقائق الجغرافية والتاريخ ، لانه بعد ذهاب الجنوب القديم ، برز الجنوب الجديد ، جغرافياً وسياسياً ، وهو على عكس الجنوب القديم ، حيث يضم الجنوب الجديد قبائل عربية من الرزيقات ، المسيرية والسلامات والتعايشة ، وغيرها من تلك القبائل اضافة الى قبائل النوبة والانقسنا والفور والمساليت والزغاوة ، اذاً هو جنوب جديد ممتد من دارفور الى جنوب النيل الازرق ويشمل بالطبع النيل الابيض ، والجنوب الجديد مسافته ليست بعيدة عن الخرطوم كما كان الجنوب القديم ، حيث ان كوستي يمكن ان تصبح عاصمة للجنوب الجديد لانها تمثل ملتقى ، او الابيض ، بمعنى ان مثلث حمدي الذي حاول فيه ان يتسثني جماعة سكانية بعينها ، دخل المثلث ذاك الى الجنوب الجديد ، وهذا الامتداد يضم مناطق ريفية تشكل اغلب سكان السودان الحالي ، وهؤلاء يشكلون الامتداد السياسي للجبهة الثورية السودانية ، لان وجود الجبهة من دارفور الى النيل الازرق هي مناطق نفوذها وهي التي تشهد الحرب التي فرضتها الحركة الاسلامية الحاكمة.
ان الجبهة الثورية السودانية امامها مهام كبيرة ، لان الفرصة اصبحت مواتية لها لقيادة عمل سياسي مع الكفاح المسلح ، ومن تلك المهام الى جانب مواصلة النضال اليومي وحماية المدنيين في مناطق الحرب ، فان انفتاحها على القوى السياسية الاخرى اصبح امراً اكثر الحاحاً ، وقبلها ان تطرح برنامجها بشكل واضح والتبشير به يومياً ، بمخاطبة جماهيرها الواسعة والمنتشرة في بقاع السودان وخارجه ، والانفتاح على الاعلام بشكل اقوى ، حيث ان المساحة المتاحة اليوم في كافة اجهزة الاعلام محصورة في الصراع بين دولتي السودان وجنوب السودان ، ولا يتم التطرق الى الجبهة الثورية الا في اطار انها رديف لدولة جنوب السودان ، وهذا فخ اراده النظام الحاكم وانطلى على كافة الاجهزة الاعلامية .
كما ان على الجبهة الثورية السودانية الانفتاح على القوى السياسة السودانية التي تعمل من اجل استعادة الديموقراطية وازالة النظام القائم ، وهذه القوى رغم ضعفها البنيوي الا انها تناضل بما هو متوفر لها من مساحة للتحرك ، ولكن هذه القوى السياسية مطلوب منها الا تقع في الالتباس الذي اراد المؤتمر الوطني ان يوقعه فيها ، حيث ظلت الصادق المهدي يردد بان الجبهة الثورية ما هي الا تحالف اثني ، رغم ان حزبه يستند على جماهير واسعة من تلك الاثنيات – ان صح التعبير – وهذا هو الفخ الذي وقع فيه المهدي واخرين ، مع ان نائبه نصر الدين الهادي المهدي قد وقع قبل اشهر اتفاقاً مع الجبهة الثورية . 
اصبحت المهمة واضحة للجبهة الثورية في هذا المنعرج التاريخي ، ولان هذه التحديات لابد ان تجد من يتقدم ويتحمل مسؤوليتها ، واعتقد ان قادة الجبهة الثورية وجماهيرها هم اقدر في قبول هذا التحدي ، ولكن هذا يتطلب برنامج عمل وخطة واضحة المعالم تهيئ الشعب السوداني الى بناء الدولة الجديدة التي تقوم علي اسس جديدة تتحقق فيها الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة ، كما ان الجبهة الثورية تحتاج ايضاً الى وضع تفاصيل القضايا الاقتصادية ، والتشريعية ، ليكون ذلك البديل الموضوعي لانجاح الثورة ، ولنا عودة ...

mostafa siri [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]