نقطة ... وسطر جديد

 

 

نقل راديو دبنقا الذي يبث من هولندا خبر محزن للغاية عن اقدام مواطن في الستين من عمره ولديه محل ( غسيل ومكواة ) في ام درمان – وهو من دارفور التي تعيش مأساتها ايضا من القتل المتواصل - على الانتحار بطعن نفسه ، بسبب ملاحقة المحلية له بسداد (سبعمائة جنيه )- بالجديد - من عوائد ، تجديد الرخصة التجارية ، وان الرجل ظل يشتكي من الملاحقة وعدم قدرته على السداد ، ولان الرجل بلغ الستين من عمره فان الامر محزن ، ويمكن ان تكون هناك اسباب اخرى ، لكن اصبحت ظاهرة اقدام الناس على الانتحار كخيار لانهاء البؤس والعوز متفشية في السودان ، فقد سمعنا بانتحار صبي بسبب الرسوم الدراسية في ام درمان قبل اعوام ، كما ان صبياً اخر انتحر بسبب وفاة اللاعب النيجري الاصل ايداهور قبل اسابيع .

لكن ما يتوقف عنده المرء ان الرجل الستيني في عمره له من تجارب الحياة التي عركته يقررالاقدام على الانتحار ويخلص روحه من ملاحقة المحلية التي لا ترحم ، وفضل ان يرحمه الموت ، وايضا يوضح بجلاء كذب هذه الحكومة التي تدعي انها جاءت من اجل الفقراء والمساكين ، بل ان الاسلاميين في السودان ظلوا يتبجحوا بان ظاهرة الانتحار اصلها ومنشأها في الدول الغربية وادعوا ان ذلك بسبب الخواء الروحي ، لكن هؤلاء الاسلاميون افرغوا روح مسلمي السودان لان الانتحار انتقل الى (دولة الاسلام ) ، بعد اسسوا دولة من اثرياء الرسمالية الطفيلية الاسلامية  ليحاكوا بها دول الغرب التي يحاربونها نهاراً ويتسرون اليها ليلاً، ودولة الطفيلية الاسلامية تأكل من سنام الشعب الفقير والمسكين بنهم وبلا رحمة ، وبعد كل ذلك يهتف مهوسييها بانها ( هي لله ... هي لله ... لا  للسلطة ولا للجاه ) ، والان يموت رجل ستيني بسبب عدم القدرة على سداد مبلغ كان يمكن لحكومة تدعي انها جاءت من اجل الفقراء ان تعفيه او تقسط له السداد ، بدلاً من تقذف به يائساً يتخذ قراره بالتخلص من روحه التي تفيض بين يديه ... يا لبؤس حكامنا .

واظن ان المكوجي الذي انتحر والذي كان يكسب لقمة عيشه حلالاً ومن عرق جبينه ، ويعول اسرته لديه ما يكفيه من سماع الموت اليومي – الموت المجاني اصبح فكرة تسيطر على الدولة الفاشلة – في مسقط رأسه في دارفور ، واظنه ان لديه من الاهل من سقط صريعاً ببندقية او قاذفة من طائرة او احرقت القرية بكاملها ومن هم فيها ، وظل يكظم غيظه ، ويتضرع الى الله ان يرفع البلاء عن اهله ، ويوقف هذا الموت البشع ، لكن قوة الرجل خارت امام المشهد الذي يراه ، وملاحقة دولة ( الدفتردار له) .

ودرسنا في تاريخ السودان – على علات كتابته – ان الثورة المهدية اندلعت بسبب ظلم الحاكم التركي ، الذي كان يفرض الجبايات والعوائد والعتب ( والعتب على النظر ) ، والضرائب التي اثقلت كاهل المواطنيين مما دفع الكثيرين منهم لمواجهة الحاكم ، ولقوا البطش والقتل ، وحملة الدفتردار التي – درسناها بانها انتقامية – تمثل واحدة من صلف الحاكم ، تلك الحملة التي كانت تنتقم من اهل البلد ، يماثلها الان ما يجري في القرن الحادي والعشرين وفي ذات البلد الذي شهد تلك الحملة البشعة ، والتي بلغة اليوم تسمى ( ابادة جماعية ) .

ما يؤسى له ان هذه الدولة الفاشلة ومنذ ان اسسها الحكم التركي – المصري ، ظلت تدوس على كرامة انسانها الذي لا يستحق هذا التعامل ( الجلف) ، وان الانسان قد كرمه الله ، ( ولقد كرمنا بني آدم ) الاية، لكن دولة سلالة (الدفتردار ) اهانت واذلت كرامته ، ولسبب بسيط ان حظ انسان السودان انه ولد في تلك الرقعة ليموت ( سمبلة ) ، لكن انسان السودان لم يقف يوماً مذلولاً ويعرف متى ينتفض لاخذ حقه ويرمي الطغاة في مذبلة التاريخ ، والعظات في تاريخ السودان مليئة ، ورحم الله شيخنا الستيني ، الذي انهى حياته 

 

 

mostafa siri [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]