من الإجحاف أن أختصر مقدمة طويلة عن تأثير السينما البديع والقوي والحسـّاس علي كثير من حياة الناس العاديين والمهتمين ، المؤثرين والمحترفين علي حد سواء ، في (شوية ) سطور أو مدخل خجول وينتهي الأمر . ومع إفتقادي السينما في بلادي لأكثر من عشر سنوات متواصلة ولا أذكر تحديدا ً متي آخر مرة شاهدت فيها سينما ذات مضمون معـيّن داخل دار عرض سينمائية سودانية ، فذاك تاريخ مضي  وربما لولا تلك النفحات التي يكــرمنا بها مهرجان الفيلم الأوروبي في شهر نوفمبر من كل عام لنسينا حتي شكل شاشات السينما ولإنمحت من شريط ذاكرتنا مقاطع ومشاهد ولقطات ـ ما أجملها ـ تنتمي الي ذلك القبس الرهيب المسمي سينما . حسنا ً .. مقدمة مريحة الي حــد ّ ، ستمكنـّي من الدخول مباشرة في عرض من نوع آخر هو أشبه بالقراءة غير المتأنية لعرضين سينمائيين صدف أن شــاهدت أحــداثهما بحماس من داخل قاعــة (PALACE CINEMA COMO) السينمائية ، بضاحية (South Yara) بمدينة ملبورن وهي قاعة مترفة من كل النواحي ، ومعلومات بسيطة عن مهرجان الفيلم الإسرائيلي ـ هذه الإختفالية الـثانية عشرة ـ الذي إمتدّت فعاليه علي طول الشهر الماضي في أربع مدن أسترالية هي : سيدني ، كانبرا ، ملبورن وبيرث .

يحـوي برنامج هذا العام تركيزا ً قويا ً علي الفنون المظلمة للفيلم الوثائقي وينقسم الي أقسام موضوعية يمكننا القول ، القسم الأول من هذه الأفلام يناقش قضايا ً الإيمان وهي قضايا أكثر إلحاحا ً في هذا القرن من مسائل الأديان . القسم الثاني يتعلق بتكريم الثقافة الإسرائيلية وبعض شخصياتها غير السوية الي حدّ أو المأســاوية ..! ويتناول القسم الثالث أولئك الذين يعشيون علي حــافة الوضع القائم في إٍســرائيل وهذا الإختيار ليس سوي عينة صغيرة من بعض القضايا السـاخنة التي تواجه المواطــنين المعاصرين و(غير المواطــنين ). والقسم الرابع هو إنفجار من ماضي الكلاسيكيات من خزائن تاريخ إسرائيل السينمائي .

Last Stop)) للمخرجة جولي شليث:

كثافة الوجود الإنساني أهم ما يميز هذا الفيلم ، حيث يظهر في بداية الفيلم مجموعات عديدة ومتنوعة من البشر داخل أحد مراكز التسوق الضخمة في (تل أبيب) وتختلط أصواتهم بضجيج حركة المواصلات وتمتزج سحناتهم وألوانهم بألوان البضائع والملابس والبالونات وألعاب الأطفال ، كل شئ متحرك وملوّن ، ومرصود عبر شاشات المراقبة الكبيرة التي تتابع كل حركة وكل لون صوت وصورة ، في هذا الفيلم تحديدا ً كان الرصد للون الأسود هو البائن والممسوك بدقة ، وتفسيري لذلك ربما هو سيطرة اللون الأسود مع الأبيض علي كافة مناحي الحياة وضياع اللون الرمادي بين هاتين اللونين وبالطبع طالما أن اللون الأسود كما أراد سياق الفيلم هو اللون الوافد ، فبالتالي سيادة اللون الأبيض تظهر من خلال سيطرته علي الأحداث بواقع أنه صاحب الأرض ..! رغم تأكيد أن كلا اللونين هدفهما الإستمرار في الحياة وبهــدوء ، ذاك ما عبـرت عنه موظفة الأمن الإسرائيلية وهي أم لأربعة أطفال أضطـرت لترك ثلاثة منهم بمدرســة داخلية لعدم إستطاعتها تحمّل تكاليف منزل كبير وتهـوّن علي نفسها بأنه يوما ما ستجتمع عائلتها ببيت واحد وستستطيع تحمّل تكاليف معيشتهم جميعا ً وتحكي عن مشاعرها تجاه أصحاب البشرة السوداء الذين يفــدون الي مركــز التسوّق بشكل يومي بأنهم أناس عاديون يريدون أن يستمروا بالحياة ، ومع ذلك يبقي هناك طموح خفي بداخلها أن إمكانياتها كموظفة أمن أعلي من أن تجلس فقط لتفتيش الحقائب وأنها تستطيع حمل السلاح ولكن إداراتها لا تسمح لها الآن ، وفي لقطة أخري تتدرب شابة صغيرة بمساعدة رجل أمن علي إطلاق النار داخل قاعة التدريب المخصصة ، وكأن قضايا العدل لا تخص ّ اللون فقط .

يبدأ تعريفنا بعالم مركز التسوق من خلال المهندس الذي صمم برنامج المراقبة الدقيق ذاك ويبرر ذلك بأن مبني ضخم كهذا يلزمه نظام محكم وإلا كل شئ سيؤول الي فوضي ، أما المحطة التي تقود الي مركز التسوق فتأتي مع إعلان سائق البص بوصوله المحطة الأخيرة بتل ّ أبيب القديمة حيث الالاف من المهاجرين من كل الجنسيات . هذا الفيلم حيث تختلط تماما ً إحداثيات الفيلم الروائي بالفيلم التسجيلي ويصبح كل شئ خليط إنساني عالي الألم ، وفق النهاية الحزينة لـ(ليلي) أو Lili الشابة الأفــريقية المكافحة ، الأم العزباء التي إتخذت قرارا ً وصفته بالهام ، عندما قررت الإحتفاظ بإبنها (ميشيل) والذي هو نتاج علاقة حب ّ جمعتها مع صديقها الغاني . ويظهر تمزق ليلي بين هويتها كمـواطنة إسـرائيلية ولدت بإسرائيل ولا تعرف وطـنا ً غيره وبين سجن هويتها في اللون الأسود رغم المجهود الذي تبذله في عملها وسداد فواتيرها كمواطنة ملتزمة إلا أن الضغط الذي يتفاقم بشكل مأساوي ينتهي بلقطات تبـيّن إحتفالية حزينة بجنازة ليلي ووفاتها وهي لم تبلغ الخامسة والعشرين من عمرها بعد ، بينما يقف طفلها ميشيل بعيدا ً ، حزينا ً وحيدا ً.

ولئن إختارت مخرجة الفيلم هذه النهاية لشخصية من الشخصيات ذوي البشرة السوداء في الفيلم فقد إختارت العودة الي الوطن لشخصية داخل الفيلم من جنوب السودان ، والذي يعــبّر بنفسه عن هذه اللحظات فيقول إنه دخل إسرائيل قبل ثلاث سنوات وهو يحمل حقيبة تزن أقل من ثلاثين كيلو جراما وهو الآن يرّحل الي جنوب السودان بنفس الحقيبة التي جاء بها ، ولكنه ليس هو نفس الشخص الذي جاء ..! وأنه تغــيّر للحد ّ الذي نســي ما كانت أحلامه آماله وطموحه وحــلّت محلها جميعا ً إيقاع واحد هو التمسك بالحياة .

الفيلم يحوّي فنيـّات متنوعة وتقاطعات إنسانية كثيرة ، أكثر مما يحتمله زمن الفيلم فلذلك كثيرا ً ما نجد إنفلات بعض الشخصيات من متابعتنا لحياتها داخل الفيلم يدعمها الي حد ّ كبير الإيقاع السريع ما بين اللغة والترجمة والأحداث وحركة المركز التجاري . ثلاث إيقاعات تخفف من وطأة الفيلم الحــادة ، توزعت ما بين الرقص الذي يمارسه الشباب المهاجرين داخل منطقة محددة بالمركز التجاري حيث المباراة بين الراقصين يحسمها الراقص الأفضل وليس لونه والإيقاع الآخر عند وفاة ليلي ، حيث تعلو أصوات البكاء والعويل لتعكس قوة اللون الأسود الحزين وأخيرا ً فواصل الهدوء داخل المركز التجاري التي تعني بالحركة أكثر من الصوت. نسيت أن أشير الي أن كل الشخصيات ذوات البشرة السوداء وقفت بمقابلها شخصية ماي ، الشابة الإسرائيلية التي تعيش بالمدينة القديمة في مبني ملئ بالسكان من المهاجرين السـوّد مع أمها ، وماي رافضة تماما ً لوجود المهاجرين السوّد بتل أبيب القديمة وتشعر بالقرف من مجرد تواجدهم معها في نفس المبني ، وتحمّلهم فشلها في تحقيق أمنيتها في أن تصبح شخصية مشهورة وهي التي ـ من خلال مشاهدتها لفيديو قديم ـ إستضافها التلفزيون وهي بعمر العاشرة لتلقي قصيدة من تأليفها وصفق الحضور لموهبتها العالية وجمالها ، فتشاهد هذه المقطع متحسرة أن لا أحد سيعيد إكتشافها وهي تعيش هنا في هذه المدينة القديمة خلف سحاب مناللون الأسود ، وربما أرادت المحرجة أن تقول أنه حتي مواطني إسرائيل مثلهم مثل أي أناس عاديون لهم مخاوفهم ويحملون سجونهم معهم حتي لو إحتموا خلف اللون الأبيض .

Probation Time للمخرجــة ( أفيجيل سبيربر):

(أرئيلا) هي الفتاة الأثيوبية تم تبنيها بواسطة والدي أفيجيل، الحاخام دانيال والأم هانا عندما كان عمرها أربع سنوات مع تسعة أشـقاء آخرين ولكن أرئيلا تفرض علي الأسرة أن تتعامل مع مشاكل من نوع آخر منها إدمان الكحول والسرقات الصغيرة والسجن وسياج القلق الذي تحيط به عائلتها في كل مرة تحاول خرق إطلاق سراحها المشروط .

ولربما عوامل مشتركة جمعت بين  إختياري للفيلمين ومن ثم متابعتي لهما من بين أفلام المهرجان الأخري والتي تجاوز عددها أكثر من عشرين فيلما ً تقريبا ً ، منها إشتراك اللون الأسود في الموضوعين ، كما تشاركت مخرجتين إخراج الفيلمين . هذا الفيلم تميّز أيضا ً بفوزه بعدة جوائز علي مستوي إحتفاليات مهرجانات ، كجائزة أفضل فيلم وثائقي بمهرجان (دوكأفيف) العالمي وأفضل فيمل وثائقي بمسابقة الفيلم الوثائقي وأفضل تصوير سينمائي وأفضل مونتاج لذات المهرجان الأخير . أحد خطوط الفيلم يتناول أيضا ً واجبات الأمومة من خلال ثلاث شخصيات هي الأم هانا والإبنتين أفيجيل وأرئيلا ، الأم هانا شخصية يهودية متدينة تفانت في تربية أبنائها التسعة بالإضافة الي أورئيلا الفتاة الأثيوبية المتبناة ، فكما نري هي شخصية علي خط مستقيم خال من التعقيدات ، مثلها في التفاني والإهتمام بعائلتها كغيرها من أمهات كثيرات في كل العالم ، أما التعقيد المتلازم لإبنتيها فهو من ناحية لا يمكن فهمه من قبل أم بسيطة مثل هانا ويصعب التعامل معه بمزيد من التسامح فقط . أفيجيل التي تتخطي إشارات حمراء فاقعة في مجتمعها اليهودي المتدين بميولها الجنسية المثلية رغم عدم تمكنها من الغوص في تلك العلاقة بشكل عميق ولربما عمق وتعقيدات حياة أختها أورئيلا هي السبب وراء تخفي حياة أفيجيل إلا أنها تمكنت من تبيين هذا الموضوع بشكل مؤكد من خلال الفيلم مع إحتفاظها او إحتمائها وراء الأمومة وتمسكها طوالي وقت الفيلم بإحتضانها لطـفلها . أما أورئيلا فلا يمكننا بسهولة تفهّم ما الذي ينقصها بالضبط ، كونها فتاة محظوظة لتبنيها من قبل عائلة متماسكة ، رحبت بوجودها بمنتهي الحب والإهتمام ولم تفرق بينها وبين أخوتها الأشقاء . ولكن بالرجوع الي مقتطفات من حوار بينها وبين أختها أفيجيل ترد ّ أورئيلا علي ضياعها ذاك بأنه من الصعوبة بالنسبة لها أن تلائم العائلة وأن هناك دائما ً شئ يفصلها فقط ليس هناك إحساس حقيقي بالإنتماء . هل هو اللون الأسود مرة أخري ..؟ أورئيلا تعترف بأن أمها هانا صبرت عليها صبرا ً جميلا ً ولو كانت في مكانها لما إحتملت نفسها كل هذا الإحتمال . وينتهي الفيلم بحبس أرئيلا في السجن لسنوات قادمــة وتمسك الأم هانا بأن تنال أورئيلا عقوبة السجن لتحاول أن تعـيد إكتشاف نفسها من جديد رغم إستعطاف أورئيلا بأنها لن تستطيع تحمل البقاء في السجن ويتم كل ذلك من خلال مكالمة هاتفية ثلاثية بين الأم هانا والإبنتين أورئيلا وأفيجيل .

حــقائق مــرّة .. لكن يجب إحتمالها :

قد لا يكفي تقييمي الشخصي من بعد مشاهدة حفنة أفلام إسرائيلية لإقحام الحقائق والخفاياوالرصد للثقافة الإسرائيلية ، وذلك لأسباب كثيرة أهمها تسارع إيقاع الحياة المذهل في هذه المنطقة وما حولها ، لكن يتبقي لي مساحة المشاهد العادي المأخوذ بذلك الفيض السينمائي والفني المعتبر الذي لمسته وأحسسته وتنفسته عبر شاشة السينما لحيوات تلكم الجموع من البشر تفرقهم ثقافاتهم وأهوائهم وسحناتهم وألوانهم ويجمعهم حب ّ الحياة بإخلاص .. أمر آخر ، لزمان طويل تم إعتقال رؤيتنا للشخصية الإسرائيلية عبر ما أنتجته السينما المصرية من دراما سينمائية مثل فيلم ( الصعود الي الهاوية) و(إعــدام ميت ) ، ودراما تلفزيونية أشهرها علي الإطلاق المسلسل المصري (رأفت الهجــّان) ومسلسل (دموع في عيون وقحة ) ، ثم مؤخرا ً تغير تناول هذه الشخصية الي جانب أكثر إعتدالا ً وتوازنا ً أقربها كان في مسلسل تم بثّه شهر رمضان الماضي هو ( حارة اليهـــود) . شخـصيا ً ما يهمني كإنسان ينتمي الي هذا الكون المتسع أن نتجاوز كثير من من التعقيدات التي تكبّل أفقنا وطموحنا وتشاركنا مع الآخــر بفعل السجــون المتخيلة والواهمة التي نبنيها حول اللون أو الرأي السياسي أو الفكــري بطريقة متعمـدة أو مهمــلة أو غير مبالية .

 عزيزة عبدالفتاح

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.