الحديث عن الاحتراف في السودان يقودنا تلقائيا الى الكيفية التي ما انفك يعمل بها كمال شداد منذ توليه مسئولية أهم جهاز رياضي في البلاد تلك المؤسسة على السعي الملح لدمج المستجدات الحديثة لكرة القدم في البنيات المتخلفة للكورة السودانية ، مؤسسات ومرافق، وما مرد ذلك لجهل كمال شداد باستحالة هكذا توليف بقدر ما انه استسهال بات في حكم العادي والمألوف لكل من يطلع بمهام العمل العام في السودان، تفاديا لكل ما يمكن أن يجلب رد الفعل العنيف من أصحاب المصالح المؤسسة على الواقع المتخلف أو انتهازية مفرطة مدفوعة بنرجسية عالية تعمل ما وسعها لتزييف الواقع المتخلف وتسويقه كنجاح يقود الى المجد والسؤدد.

كثير من الحانقين على الرجل يسعون بخفة لتجريد الرجل من قدراته الذاتية وخبرته الطويلة في مجال – على المستوى النظري- يستطيع أن يبز فيه غيره بكل سهولة. وهذا النوع من سوء التقدير هو الأخطر لأنه ما أنفك يعمل بالتضاد على سطوع شخصيته وابرازه كجوهر لا يمكن للكورة السودانية أن تكون بدونه.

ان علة الرجل في تقديري لا تكمن في ضعف قدراته بقدر ما أنها في سوء توظيف قدراته، ومرد ذلك كما قلت هو هرولة لولوج بوابة المجد الشخصي والاسطرة على حساب ثورة راديكالية- يعلم هو قبل غيره، كم هي ملحة - لهدم واقع متخلف لصالح آخر أكثر اتساقا مع ايقاع العصر مفهوما ومعنى. هذا المسلك الشاذ جعل التلفيق والتوفيق بين المستحيلات هو النهج السائد في الفلسفة التي تحكم عمل شداد طوال سنين انخراطه في الاتحاد العام. وعلينا الآن أن ننظر في بعض منها حتى يمكن للقاريء الامساك بمنطق نقدنا لواقع الحال الكروي في السودان ممثلا في ذهنية عرابه الاعظم.

 

الاحتراف والعشوائية

 

تشهد الطريقة التي تم بها الاحتراف في السودان أنصع نموذجا لما نود توضيحه في النهج التلفيقي الذي يتبعه شداد في ادارة الكورة بالبلاد. فبعد أن أقنع الرجل العامة والخاصة بجدوى الدوري العام الممتاز وقاتل في سبيله أصحاب المصالح "الحقيقية" في تعطيله من سدنة دوري المناطق وخاصة اتحادالخرطوم، وكلاهما على خطأ- كل على طريقته- وان كانت الموضوعية ومنطق العصر لعبا دورا حاسما لصالح شداد ، الا أن الموضوع في جوهرة ليس أكثر من "بروباقندا" وتزويق لواقع قديم في عبوة جديدة كما سوف نبين لاحقا. الشاهد أن الاندية بذات تصميمهاالمادي والمفاهيمي الهش باتت اكثر ضعفا وشقاءا بهذه النسخة المستحدثة من المنافسات والتي تبدو في ظاهرهاأنها الأكثر مواكبة وفاعلية. وهذا موضوع سنرجئه لوقت قادم. ما يهمنا الآن ، والذي سوف نمضي قدما في تبيانه، هو كيف أستمرأ شداد التلفيق والضجيج المصاحب لما يود له أن يكون تحديثا وتطويرا للكورة السودانية ممهورة بتوقيعه الشخصي يلهج به الناس شكرا وتقديرا "لجنى الجنى" كما يقولون.

 

بعيدا عن تعقيدات المصطلح وانتسابه لمجتمعات ما بعد الثورة الصناعية التي اجتاحت أورباوالغرب منذ عدة قرون، الا أنه في سياقه الرياضي المستخدم منذ أكثر من قرن، يمكن تلخيصه على أنه نظام يقوم على رؤى فلسفية ومفاهيمية تعمل باتساق وحرفية عالية لتطوير منظومات النشاط الرياضي: القانونية، الاخلاقية، الثقافية ،التعليمية والمادية ويسهر على خدمة وارتقاء مصالح افراده وجماعاته بما يحقق تطلعاتهم الفردية والجمعية والانخراط من ثم بايجابية في رفد الواقع الاجتماعي الواسع قيميا ومفاهيميا بدوره.

 

هو اذن نظام ثقافي يستند على منظومات مفاهيمية واخلاقية وقانونية ولا يمكن استيراده وتطبيقه ماديا بمعزل عنهم. اين الاحتراف السوداني الذي يطبق الآن من كل هذا؟ قلت أن الهرولة هي سيدة الموقف في كل ما يصدر عن كمال شداد. فلو كان هناك أدنى رغبة في خلق واقع احترافي حقيقي لعمل شداد بهمة لتغيير خارطة الواقع الكروي على طريقة الهدم اولا. فالاندية الرياضية القائمة ليست مؤسسات بالمعنى الصارم للمصطلح. فهي لا تملك مصادر دخل ثابتة أو بنى استثمارية ذات صبغة ربحية، بقدر ما أنها تدار عشوائيا، وبالتالي غير خاضعة للمحاسبة أوحتى الرقابة. وما يصدر عن أفرادها من سلوك عبر تاريخ الممارسة انتج مفاهيم وثقافة فاسدة بكل ما تعنيه المفردة. وخلقت نمطا تنافسيا لا سقف اخلاقي يحكمه. واستشرى الجهل المقنن الذي يمارسه الاعلام بانتظام. كل هذا جعل من الاحتراف في صيغته المادية المستوردة ابتذالا لا تخطئه العين. فقد تم على طريقة تجارة الشنطة السودانية التقليدية. وأظن الآن كل الذين كانوا يمارسون تجارة الشنطة ما بين سوريا والقاهرة ارتحلوا الى نيجيريا وزامبيا لشراء وبيع اللاعبين..!!. هذا ليس بنكتة. يمكن مراجعة ذلك في الخناقات التي تنشب بين حين وآخر بين رئيس ناديي الهلال والمريخ وهؤلاء السمسارة، وجلهم صحفيين رياضيين(يمكن االرجوع الى المقالات الفضيحة بين خالد عز الدين وصلاح ادريس لتدعيم هذا الراي).

 

ان ما يحدث اليوم هو تعبير حقيقي عن فراغ مفاهيمي يحكم الممارسة الاحترافية والتي اقتصرت على جزئية في غاية الضأءلة وهي الصيغة العقدية بين اللاعب والنادي. وحتى هذه تتم بشكل لا مهنية فيه ولا يخضع لفصل الاختصاصات وتحديد المسئوليات، بل يعتمد على ذات النهج القديم: المكاوشة والمكايدة. أي يتم تسجيل لاعب أو أكثر ليس لحوجة فنية بقدر ما يكون لقطع الطريق على الفريق الآخر للاستفادة منهم. ولسنا في حوجة للتنويه لجملة المبالغ المهدرة نتاج هذا السلوك الرعاعي. وهو ما أدى لاحقا في تطور مؤسف الى فوضى التجنيس لتنضم الدولة مؤسسات وأفراد الى جوقة المهرجين.

 

في يقيني أن الاحتراف في صيغته المادية التي ابتدعها كمال شداد قد فاقمت من أزمة الكورةالسودانية وعمقت من أزمات الاندية السودانية الفقيرة اصلا والتي تعتمد الهبات الشخصية المستبطنة غالبا نزق صاحبها وتسول مؤسسات الدولة الشحيحة في عطاياها الا عندما يتعلق الأمر بهلال مريخ، وهذا ضرب في التحيز لا مثيل له سوى السودان. المفارقة الساخرة في هذاالصدد والتى ترقى الى حد العبثية، هي أن الاحتراف المنظور منه تطور الكورة عمل بقوة لاتساع الفتق في المقدرات بين الهلال والمريخ من جهة وبين بقية أندية السودان من جهة أخرى. فالمستفيد الأول والأخير من هذه الصيغة الفاسدة هما الناديين الكبيرين. لأنهم وحدهم بمقدورهم الأتيان بلاعبيين من الخارج وهذا تكريس لضعف المستوى العام لغياب روح التنافس، وتلك بدهية في قانون التطور. ولكن الغرض مرض ما يقولون. وهذا بدوره يؤكد أن الموضوع لم يخضع لدراسة جادة أو فلسفة يستند عليها.

 

وحتى يقف القاريء على حقيقة شقاء الاحتراف كما هي ماثلة بعيدا عن زحمة هلال مريخ، سوف أحيله الى تعليق رئيس القطاع الرياضي لنادي الأمل عطبرة الذي التقيته العام الفائت. فماذا قال؟ (نحن في نادي الأمل نعاني سنويا من عجز مادي يبلغ حوالي ال500 مليون، يزداد فتقه مع مرور الايام دون أدنى أمل في تسويته نسبة لضيق ذات اليد رغم تكرم الكثير من أبناء المدينة بالمساعدة، ولكن انعدام مصادر الدخل الثابتة وتنامي المصاريف المرهقة في منافسة منهكة نعتمد في مداخيلها على مبارتين فقط في الموسم قوامهما الهلال والمريخ، ثم أتى نظام الاحتراف ليقضي على استقرارنا تماما. فعجزنا عن الايفاء بالتزاماته المستحقة جعل من ممارسة الادارة فكرة طاردة وهذا هو الواقع اليوم. الدائنون من كل شاكلة ولون والتوتر هو سيد الموقف، والحكومة الاقليمية موقفها أكثر من مخزي....)انتهى.

 

هذا ما كان من أمر عشوائية الاحتراف وتعميقه لأزمة الكورة السودانية التي يريد لها شداد أن تمارس تطورا زائفا يقوم على بنيات ذهنية ومفاهيمة متخلفة تقف حجر عثرة أمام اي محاولات للحاقها بركب العالمية. ومع ذلك يصر شداد على مثل هذا النهج الذي يراكم من مصالحه الشخصية على حساب الصالح العام. وسوف نرى في المقالة القادمة كيف أن ما يسمى ب"الاحتراف" قد تم استغلاله من قبل الناديين الكبيرين كاسواء ما يكون الاستغلال معرين في ذات الوقت سوءات مؤسسات الدولة التي ارتضت لنفسها أن تكون خادما لهم يضرب بعرض الحائط كل اعراف وتقاليد الدول المحترمة أو هذا ما كشفته فوضى التجنيس ومأزق شداد الذي حاول انقاذ ما يمكن انقاذه لاحقا وهيهات.

 

نواصل