تأهيل وانخراط اللاعب السوداني في مواقع المسئولية للرياضة السودانية كان وما زال موضوعا مهما ومثيرا في ذات الوقت، خصوصا اذا تمعنا تاريخيا في علاقة هولاء الذين يديرون هذا النشاط ، والذين في غالبهم تعوزهم المعرفة الحقة والقدرة الخلاقة لتحويل الرياضة وكورة القدم بوجه خاص الى نشاط انساني، اجتماعي واقتصادي رفيع، ولكن يبقى هناك سؤالا مهما يطرح نفسه بقوة والحاح: هل تواجد اللاعب هو  من باب الاكسسوارات أم حتمية تستبعها المغايرة والتميز بالضرورة، اي فعلا نوعيا يساهم ، ان لم نقل يغير، من سوء الواقع مفاهيميا وسلوكيا؟ الحقيقة ان الاجابة على هذا  السؤال ترتطم بصعوبة تحديدنا لسقف التوقعات المرتجاه من شخص في مثل الظروف التي ينشأ فيها اللاعب السوداني ذهنيا ومفاهيميا، ولكن مع ذلك يصعب جدا تقبل أن تكون مشاركته بذات الضعة والهشاشة التي تسم المشهد الرياضي بشكل عام وخصوصا في مجال الاعلام الذي يمثل الوجع الدائم والعلة المستدامة التي تعمل بلا هواده في تابيد كل عناصر التخلف والتجهيل.

حيدر حاج الصديق الشهير ب"علي قاقرين" واحدا من اميز الهدافين الذين انجبتهم الكورة السودانية عبر تاريخها الطويل، بل أنه واحدا من القلائل الذين منحوا الفريق القومي هوية قومية استعصت على قبلية هلال –مريخ وذلك حين كان الجميع في أركان السودان الاربع  يلتفون حول المذياع بتوتر بالغ وأنفاس متقطعة يتابعونه يحقق الانتصارات عبر القارات، في مشاهد وسيمة قل أن تتكرر. هذا اللاعب البديع لم يكن مستقبله خارج الملاعب أقل توفيقا حيث نفد من شبكة التجهيل التي تلفها الاندية بعناية بالغة  حول أعناق لاعبيها بحيث لا يصلحون بعد الكورة لأي شيء آخر. وسعى بذكاء لرسم مستقبل افضل له يجنبه مآزق ما بعد الاعتزال كما هي مشاهدة. وكان له ما اراد. درجة علمية رفيعة في اللغة الفرنسية – على ما اعتقد- ووظيفة مرموقة بالسلك الدبلوماسي. هذه الصورة البراقة لواحد من عظماء الكورة السودانية لابد من استصحابها حين يطيب بنا المقام للحديث عن المشاركة النوعية للاعب السوداني وحجم التوقعات المرتجاه من مشاركته وقدرته على احداث اختراق نوعي يعمل لتجذير واقع نقدي مغاير يكشف حجم الزيف الذي تعيش عليه الكورة السودانية وتقتات منه وتعمل بالتالي على تآكل نفسها من الداخل وبايقاع منتظم تحرضه حالة التكلس التنظيمي، القيمي والمفاهيمي. فهل كان علي قاقرين بمثل هذه التوقعات؟

لا يجهد المرء كثيرا للعثور على اجابة هذا السؤال، فبنظرة واحدة لعمود الرجل بصحيفة "قون" والذي يحمل اسم "ثم ماذا بعد" ستجد أن هناك مشجعا هلاليا يكتب من المقصورة أو المدرجات، لايهم، بذات اللغة الشفاهية الدارجة وبذات العصبية المقيتة وشح الخيال وفقر الافكار. مقالات لا تحمل اي مضمون حقيقي أو تصور نقدي لواقع الحال، ولا ترتفع أبعد من علاقة الرجل التاريخية بالهلال، وهذا نهجا كنت قد نسبته للتدني المهني لزمرة المدربين الذي ما زالوا يتعاورون على تدريب الناديين "الكبيرين" في الملمات بحجة أنهم أبناء "بررة"!! وفي حالة حالة قاقرين فالتدني مفاهيمي، وهذا هوالمحزن. فالرجل هنا موقفان: اما طاقة معطلة وقدرات مهدرة بخياره، وهذا بند في خيانة الأمانة عظيم، أو وعي متشظي تجسده مقدرات متواضعة تتخبى خلف يافطة أكاديمية براقة وسمعة تاريخية عظيمة، وهذا هو الأقرب في تقديري. فاللغة التي يكتب بها الرجل في غاية الركاكة، والتعابير ذات مضامين رثة، على ذات النمط السائد والمألوف في "أعمدة" الكتبة-المشجعين. للدرجة التي يعمل فيها بغير وعي لتطبيع ما هو في حكم العلة والمثلبة، أنظر هذا المقتبس لواحد من مقالاته الأخيرة بعنوان "هلالابي متيم":

 

(عادة في مباريات هلال مريخ يختفي اللعب الجميل ويلجأ الجميع للعنف القانوني وغير القانوني واللعب على الاجسام واللعب الطويل غير الممرحل ... نادرا جدا أن تأتي مباريات مباريات هلال- مريخ جميلة وبشكل يرضي طموحات الجماهير الصابرة.

معظم أهداف هلال مريخ نتيجة اخطاء دفاعية بحتة .. نادرا ما تأتي من جمل تكتية ملعوبة .. والاخطاء الدفاعية تأتي لسوء تقدير اللعبة أو الشفقة وعدم التركيز..)

 

هذا اعتراف دامغ وتقرير لا لبس فيه  بسوء واقع الحال الكروي كما تجسده مباريات ما تعرف ب"القمة" بهتانا وزورا، ومع ذلك لا يرى فيه النجم الكبير ما يستوجب الوقوف نقديا لبحث اسبابه بقدر ما أنه مهموم ك"هلالابي متيم" بفوز الهلال كيفما اتفق وحريقة في الكورة السودانية فهذا ما لا يشغله وهو في هذا على خطى الآخرين في مسرح الجهل النشط ولا عزاء!!.

أما الأكثر امعانا في الوجع فهو العبارة "المؤمنة" التي يختم بها عادة مقالاته ...."اللهم قد بلغت فأشهد" !! فلا ندري ان كانت واحدة من "تيمات" الأفندي السوداني المكرورة في تأكيد مبايعته للواقع  الايدولوجي السياسي أم مجرد لزق كلمات جادت بها العادة؟ فالشاهد أن ما يجود به قلم الرجل لا يستحق أن يشهد عليه انسان ناهيك أن يكون الله المتعالي.

واذا كان الشيء بالشيء يذكر، فحق لنا أن نثمن محاولات رائدة قام بها اللاعب الرشيد العبيد "المهدية" قبل عدة سنوات برفقة عدد من معتزلي هلال-مريخ ، لا أذكرهم الآن، تمثلت في اصدار صحيفة متخصصة تعمل بوعي لتجذير واقع نقدي مغاير، يعمل بقوة لمساءلة  واقع الحال الكروي الراهن ولا تجفل من الاشارة  الى الفيل، وهذا ما نعنيه بالمشاركة النوعية للاعب في مختلف المجالات التي يطرقها، أما تلك التي تجود بها أقلام "علي قاقرين" و "السادة" فهي ذات التفريع لنغم اساسي يقرَع به الجهل النشط خلق الله صباح مساء بلا رقيب.

 

 عبد الخالق السر