لا شك عندي أن الفريق القومي السوداني واحدا من أكثر الفرق الوطنية "يتما" في العالم. وهو تجسيد حي لأزمة الهوية وتشظي الانتماء. فالتعصب للانتماءات الضيقة وبذل الجهد المادي والنفسي والمعنوي لها من كل الجهات رسمية كانت ام شعبية هو النهج السائد. لذا كثيرا ما أجد نفسي ، ومنذ أزمان بعيده، غير متحمس لأي انتصار للفريق القومي خصوصا عندما يتزامن مع منعطفات مهمة نتاج مراحل متقدمة في التصفيات الاقليمية أوالدولية ، والتي عادة ما تأتي نتاج الصدفة أو الجهد غير الحقيقي. ففي مثل هذه المراحل يكتشف الجميع فجأة أن هناك فريق قومي يمثل الوطن ومن ثم يجب على الجميع الاحتشاد والقوف خلفه. ويأتي بالطبع سيل الكتابات المصطنعة ولقاءات المسئولين ذات اللغة المستهلكة من شاكلة أن الوطن فوق الجميع، واليوم لا هلال ولا مريخ ....الخ. أقول  لا أتحمس للانتصار ليس لنقص في "وطنيتي" أو لشبه تآمر مع الخصوم "الاعداء"، بقدر ما أنه احساس عميق بأن انتصار الفريق القومي أو حتى الهلال والمريخ في مثل هذه الظروف المقعدة لأي محاولة لاصلاح الواقع الكروي هي بمثابة تعميق للازمة وبعث أمل كاذب بأن هناك فريق قومي يعبر عن تطور واقع الكورة السودانية، وهذا ليس بحاصل. ان الوعود التي تبذل من جانب المسئولين الرسميين في مثل هذه المناسبات، والتي اشك في صدقها بالطبع، والاهتمام المبالغ فيه لا علاقة له بحقيقة اساسية هي أن الجمهور السوداني لا يجد نفسه الا في الهلال والمريخ، وحتى عندما "يستجيب" للنداء" فإنه يأتي منقسما على نفسه في شكل هلال – مريخ، وكل فئة تعمل على تشجيع لاعبيها، وهذا ليس صدفة أو عقوقا مفاجيء بقدر ما أنه نهجا طويلا عميقا ضاربا في اللاوعي مبعثه اعلام جاهل ودولة منحازة ومشجعة لهذه الولاءات المتشظيه والقاصرة عن بلوغ مرامي الوطنية وداعمة لها.

 فالفريق القومي السوداني هوالفريق الوحيد الذي لا يجد لاعبو الهلال والمريخ شرفا في الانتماء اليه، مهما تفننت صحف المشجعين في اخفاء هذه الحقيقةالساطعة. فهو ليس جاذب كما الهلال والمريخ، لذا يكثر تمرد اللاعبين عليه وعلى برامجه التدريبية واستحقاقته الدولية. بل أكثر من ذلك فهم يتحينون الفرص للهروب من دفع ضريبته بحجة الاصابات المصطنعة، ولادارات الناديين "الكبيرين" تاريخ عريق في في هذا المضمار بتزوير الشهادات المرضية. أما الأدهى والأمر من ذلك، فإنه ما أن تحين ساعة محاسبة هؤلاء المتقاعسين من قبل المسئولين عن الفريق القومي حتى يهب الجميع للوقوف خلف اللاعب مدافعين عنه باستماتة دون أدنى احساس بالخجل. وما قضية لاعب المريخ "قلق" الا نموذج مكرور لحالة الخواء الاخلاقي عبر مسيرة الكورة السودانية والتي يبدو جليا انها تفتقد الى الحد الأدنى من "القواعد الاخلاقية" Code of Ethics التي لايمكن بدونها ان يستقيم اي نشاط انساني بما في ذلك الرياضة.

أعود فاقول أن انتصارات الصدفة أو تلك التي قائمة على لحظات التجلي هي تعميق للازمة أكثر من كونها شيء يسعد خصوصا في ظل غياب المفاكرة النقدية الكفيلة بتسليط الضوء على الاعوجاج. وقد كنا شاهدنا كيف انقلب فرحنا بصعودنا المفاجيء لنهائي أمم أفريقية قبل عامين الى نهاية تعيسة بخروجنا الباكر والمذل، والذي هو في واقع الحال تعبير حقيقي عن مستوانا دون رتوش.

ختاما أقول أن الفرق القومية في اي مكان في العالم هي الانعكاس الحقيقي لواقع البلد الكروي سلبا كان ذلك ام ايجابا، ومن ثم الاهتمام بها والصرف عليها هو تعبير عن تطور مفاهيمي واخلاقي وسياسي عن معنى الوطن والمواطنة، وما دون ذلك هو النفاق بعينه. ومن هذا المنطلق أجد منطقا وواقعية في تقبل هزيمة المنتخب في مباراته الأخيرة أما غانا بل أعتبرها شيئا مطلوبا بشدة عسى ولعل أن تسهم في خلخلة هذا الواقع المتردي والعمل بشكل راديكالي  لتجذير واقع مغاير معنى ومفهوما.

عبد الخالق السر

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.