في واحد من الفصول المكرورة  لمسرح العبث الكروي السوداني تم طرد مدرب المريخ الكرواتي في عز الموسم الكروي والاستعاضة عنه بالمدرب السوداني المعروف محمد عبد الله الشهير ب"مازدا". وبالطبع من العبث هنا الاستفاضة في إن كان ذلك الطرد تصحبه أية رؤية خلاّقة تعي جيدا مصالح الفريق الراهنة والمستقبلية وتقيه الآثار الضارة – لا محالة- لهكذا قرارات حتى وان حالفها التوفيق. فالشاهد أن هذه القرارات الارتجالية والانفعالية هي كل حيلة إدارات الأندية المعوزة فكريا ومفاهيميا والجاهلة بأبجديات فن إدارة الأنشطة الرياضية، والمستلبة – في هذه الحالة كليا- للجهل النشط المسمى – جزافا- بالصحف الرياضية. فالابتزاز الذي يمارسه المشجعين-الكتبة على هذه الإدارات يجعلها تضحي دوما بالأجهزة الفنية للفرق وبالتالي بملايين العملات الصعبة نتاج الفسخ العشوائي للعقود وما يستصحبه من تعويضات ضخمة. هذا هو النهج السائد وسنعود  له بتمهل حين نحفر عميقا في البنى المعرفية، المفاهيمية وحتى المهنية لهؤلاء المشجعين-الكتبة. ولكن ما يزعجنى الآن حقا هو هذا التدني المريع في الحس المهني للمدرب السوداني.

يمثل مازدا ، في تقديري، أنصع نموذجا لهذا النهج. فهو – على ما أعتقد- يجلس على قمة هرم التوصيف الوظيفي وحتى التأهيلي على كثرة ما نال من شهادات. ولكن مازدا – كما سوف نرى- على أرض الواقع هو آخر من يعلم ذلك. فكثرة قبوله للاستدعاء الارتجالي من قبل إدارات المريخ المتورطة دوما في إقالة المدربين دون وجه حق، هو الديدن الذي يسم سلوكه المهني. وترديده للمقولة المستهلكة والبائسة في ذات الوقت بأنه ((الابن البار)) للمريخ يقدح تماما في وعيه بذاته وقدراته. فأن يجمد مازدا نفسه – بعد كل هذا العمر والخبرات في خانة ((الابن)) فما ذلك إلا لأنه ما زال أثير مشاعر عاطفية فطيرة تقتات من لغة إنشائية تتعارض كليا مع البناء الذهني والمفاهيمي للمدرب المحترف، والاحتراف ليس عقودا كما يروج لذلك الجهل النشط. فالمريخ الكيان لا علاقة له البتة بالممارسات الخرقاء التي تدمنها الإدارات العاجزة والتي هي وحدها من يجب أن يدفع ثمن العشوائية التي تدير بها هذا الكيان. ومن هذا المنظور يظل تاريخ مازدا وتاريخ كل لاعب هو رأسمال رمزي غير خاضع للابتزاز. ومن هنا يجب أن يعي  مازدا أن تاريخه كمدرب لا علاقة له بتاريخه كلاعب في المريخ، فهذه مرحلة مغايرة تماما، وان لم يدرك ذلك مازدا وكل هؤلاء المهوسيين من قدامى  لاعبي الهلال والمريخ بما يعرف في الأدبيات الضحلة لـ"لصحافة الرياضية" بتلبية نداء الواجب، فذلك اعترافا صارخا بأن المدرب السوداني ما زال "مراهقا" وابنا يؤمر فيطيع، وبالتالي فهو ذهنيا ونفسيا غير مؤهل للقيادة والقدرة على المبادرة واتخاذ القرارات المصيرية لأنه يفتقد للثقة بالنفس. وكنت في زمن مضى شاهد عيان على مثل هذه التصرفات المضحكة وذلك حين كان الهلال يمر بذات الظروف ويستدعي على عجل المدرب شوقي عبد العزيز ليقود الهلال في مباراة حاسمة ضد المريخ. فقدرة الإنسان على خداع نفسه لا تحدها حدود.  فشوقي الذي كان يهرول لنداء الواجب وهو الملتزم  مهنيا وأخلاقيا مع نادي آخر يذهب ليشرف على فريق في اقل من 48 ساعة ثم يعود ليحكي ، دون أن يرمش له جفن، عن خطة وتكتيك!!!.

 

إن أوجب واجبات المهنية Professionalism هي وعي الذات المتزامن مع اتساق القدرات. ولذا يعجب المرء حين يرجع بالذاكرة كيف أن مازدا وافق أن يكون مساعدا لمدرب المريخ في ذات الوقت الذي كان فيه رئيسا للجهاز التدريبي للفريق القومي السوداني في قوت مضى!!. وهذا بالضبط ما اقصده بتدني الحس المهني والذي لا تنفع معه كل شهادات الدنيا.

أرجو أن لا يغرن مازدا ما تخطه أقلام المشجعين-الكتبة من قبيلة المريخ هذه الأيام وتصويره بأنه المهدي المنتظر، وكأنهم اكتشفوا للتو أنه مدرب معجزة، فهم في مركب الورطة مع الإدارة لأن إقالة المدرب تمت بضغوط متواصلة وتحريض منتظم للجماهير من جانبهم لذا عليهم أن يزيلوا الحرج عن رئيس إدارة المريخ الهش بأية ثمن. الخبر الأكيد في كل هذه البروباقندا أن مازدا لا محالة مطرود حتى وان انهالت عليه الوعود في هذه اللحظة، وذلك متى ما استعادت الإدارة أنفاسها لتعود ريما لذات السيرة القديمة ووقتها سيقلب هؤلاء الكتبة ظهر المجن لمازدا ولن يعدموا أشنع الألفاظ لوصفها به، فتلك هي كل بضاعتهم.

 

عبد الخالق السر

abdu Elsir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]