خبران وصورتان جاءا متلازمين فى الفضائيات الاخبارية قبل ثلاثة أيام ... الأول عن مانديلا وأخبار مرضه فالرجل يمضى حثيثاً نحو المائة عام (مواليد 1918 ) ، والخبر الثانى فى ذات المضمون حول التدهور الصحى للرئيس الجزائرى عبد العزيز بوتفليقة (مواليد 1937 ) . الخبر الأول كان يحمل روح القلق الإيجابى على مانديلا الذى أصبح رمزاً كونياً للنضال الوطنى والتسامح السياسى بينما الخبر الثانى تبدو عليه الصنعة الإعلامية بحيث أُريد منه أن يُظهر الرئيس الجزائرى بمظهر العافية والحضور الذهنى ، إلا أن الصورة فضحت الماكياج السياسى والإعلامى فبدا الرجل شاحباً ومريضاً وكوب الشاى يرتجف فى يده فى مشفاه الفرنسى .
وعلى الصعيد الشخصى إستوقفنى مرض الرئيس الجزائرى فهو ليس كبيراً فى السن بالمقارنة مع مانديلا أو حتى بالمقارنة مع السياسيين السودانيين المعاصرين ، وما زالت صورة وسامته وأناقته المفرطة وشاربه الأسود الكثيف وشعره الطويل المنسدل ترتسم فى أذهان جيلى ونحن صبية فى منتصف الستينات ، لدرجة أن أطلق عليه أحد الصحفيين السودانيين يومها لقب (تايه الخصل) تأسياً بأغنية حمد الريح المعروفة . كل هذا البهاء ذهب أدراج الرياح بفعل السنين وأعاصير السياسة ولم يبق منه إلا تلك القامة القصيرة والوجه العجوز الأصلع المرتعش القسمات . ولقد أزعجنى تمسك بوتفليقة بكرسي السلطة – أو ربما تمسك أعوانه وبطانته – وهو على تلك الحال من المرض ، فالرجل من المفترض أن يكون قد شبع من خمر السلطة إذ تبوأ منصب الوزارة كوزير للشباب والسياحة ومن بعدها الخارجية وعمره لم يتجاوز الخامسة والعشرين ولسنوات طوال ، ثم أمضى فى الرئاسة ثلاث دورات رئاسية ليصبح أكثر رؤساء الجزائر مكوثاً فى المنصب . ورغم أن لبوتفليقة الكثير من الإيجابيات فقد جاء للرئاسة والجزائر تعانى أوقاتاً عصيبة ومحتقنة بالعنف وتغييب الديمقراطية ونجح الى حد كبير فى تبديد أجواء ذاك الإحتقان ، إلا أن من الواضح أن (الرحم الشمولى) يسارياً كان أم يمينياً لا يلد إلا مثل هذه التشوهات وأبرزها الإفتتان بالسلطة وإدمان خمرها . إن بوتفليقة رغم النوايا الحسنة بات يذكرنا بنماذج شائهة أخرى عزّ عليها الفطام من ثدى السلطة ، فقد تذكرت برجنيف الرئيس الأسبق للإتحاد السوفيتى (السابق) والذى جمع فى آخر أيام حكمه كل المناصب القيادية فى الدولة (رأس الدولة وسكرتير الحزب الشيوعى الحاكم) ، وكان فى آخر أيام خرفه السلطوى يهوى إقتناء السيارات الأمريكية (الإمبريالية) الفاخرة ويمارس  سلطاته وهو يتوكأ على أثنين من عناصر الـ كى جى بى الأشداء ! ... والأمثلة كثيرة فهناك الحبيب بورقيبة الرئيس التونسى الأسبق وروبرت موغابى رئيس زمبابوى وغيرهم ، الذين يباشرون  السلطة ويعبون من خمرها بينما عقولهم مغيبة تماماً بسبب الشيخوخة والمرض والخرف الى أن يغادرون الدنيا خلعاً أو قتلاً أو ربما بجرعة مفرطة من الحبة الزرقاء.
ومن مآثر مانديلا أو ماديبا (وتعنى العظيم المبجل) هذا الدرس البليغ الذى قدمه لحكام وشعوب العالم الثالث وهو يعرض عن السلطة بعد فترة رئاسية واحدة ثم يمضى وحيداً الى حال سبيله إلا من إحترام العالم وتقديره ، وقديماً قيل : ( إن الزعيم إذا اشتهى انتهى ) ... ولكن فى أيامنا هذى ما أكثر الذين على وسائد السلطة وهم يشتهون ويتشهون ويمارسون (زهايمرهم) السياسى والعضوى على رقاب الشعوب .
fadil awadala [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]