صديقنا عبد الله سائق تاكسى بسيط كان فى متوسط شبابه مطلع الثمانينات الماضية ، وحدث أن ألمت به وعكة فى تلك الأيام فمضيت أزوره فى منزله فوجدته مغطى بالبطانية فى فراشه وعينيه زائغتين ، وعندما أستفسرت والدته عما به أفادت بأنه ولثلاث ليال ظل على تلك الحال بجانب الحمى والهضربة . ولما أجابنى عما أصابه وهو على فراش مرضه ذاك لم أتمالك نفسى من الضحك ، فقد كان لعبد الله عادة همجية ذميمة إذ تعود فى نهارات الصيف القائظ أن يوقف عربته التاكسى على شارع النيل فى الخرطوم أمام وزارة المالية ويستلقى على الكنبة الخلفية بعد أن يفتح البابين الخلفيين ، ولمزيد من المتعة فى النوم والإستمتاع بالظل البارد وهواء النيل يرفع قدميه على إحدى النافذتين . وهو فى نومته تلك فى إحدى النهارات مطلع الثمانينات إستفاق على عصا قصيرة تلكزه وبعنف شديد على صدره ليجد أمامه وجهاً لوجه الرئيس جعفر نميرى بلباسه العسكرى و(الأسبلايت) الأحمر على كتفيه والغضب على وجهه وهو يصيح فيه مزمجراً : (حيوان ... دا ما بيت أبوك عشان تنوم فيهو وتتمطى ... ده إسمو شارع النيل وبيجوا مارين بيهو ضيوف البلد من رؤساء وسفراء ... يعنى عاوزهم يشوفو كدارينك الشينات ديل ؟ ... قوم أمشى نوم فى بيتك .. وعلى بالحرام تانى القاك هنا إلا أكسِّر راسك بى عصايتى دى) . وأضحكنى أكثر عبد الله وهو يصف حاله بعد تلك المقابلة المرعبة و(الخلعة) الماحقة مع الرئيس نميرى ، فهو لا يعلم كيف قاد العربة وكيف أوصلها الى بيته وهو يرتعد ويصيح زملونى .. دثرونى ، وكأنى به يتمثل قول عادل إمام (أنا بخاف من الكلب .. يطلع لى أسد ؟! ).
تلك صورة عن بُعد للرئيس الأسبق جعفر نميرى كما أحسها مواطن بسيط وهى تجسد مدى البأس والسطوة المزلزلة التى كان ينزلها فى قلوب مواطنيه ومعارضيه وحتى معاونيه ، أما الصورة القريبة الأخرى عن شخصية الرجل فقد أتاحتها لي الظروف وحدها ، إذ إتصل بى قبل بضع سنوات صهرى (والد زوجتى) العم على عبد الكريم صديق (عليه رحمة الله) وهو يدعونى لتناول الإفطار فى منزله فى معية شخصين فقط - كما قال - هما الرئيس نميرى وشقيقه مصطفى بجانب أهل بيته ، كان هذا بعد خروج نميرى من السلطة وعقب عودته من منفاه فى مصر ، وقد ربطته لسنوات طوال صداقة إنسانية بعيداً عن السياسة مع العم على . وعندما لمح صهرى العم على بوادر تردد من نبرة صوتى فى التيلفون بادرنى قائلاً :( يا فاضل يا ولدى .. تعلّم أن تفرق ما بين السياسة والعلاقات الإجتماعية فهذا هو حالنا فى السودان ). ذهبت الى الإفطار ودخل علينا الرئيس نميرى فى معية شقيقه مصطفى وهو يرتدى ملابس بلدية بسيطة (جلابية وعمة وملفحة) وأنتظمنا حول مائدة الإفطار والتى كانت عبارة عن طبق واحد بإصرار من الرئيس نميرى ... أسماك البلطى المحمر و(موية زرقا) كان يصر ألا يشربها إلا من خلال كوز معدنى . وخلال الإفطار ومن بعده ، وفى جلسة استمرت لساعات ظللت أرصد بعينى شخص الرئيس الأسبق ، وكنت كلما أحاول بأدب أن أحول النقاش لسنوات حكمه أو لرأيه فى سنوات الإنقاذ الحالية إلا أن الرجل وبلطف بالغ ينقل الحديث الى سنوات عمله الباكر فى الجيش والى أيام صباه فى الشمالية ومدنى وأمدرمان وسنواته العسكرية فى الجنوب والغرب والشرق . والحق يقال أنه كان فى تلك الجلسة بسيطاً ودوداً وعفوياً رغم وهن الذاكرة ووطأة المرض ، وكانت تلك أول وآخر مرة أجلس فيها مع الرئيس نميرى وجهاً لوجه ولساعات ، فقد كنت أراه كأي مواطن عادى خلال سنوات حكمه المديد من خلال شاشات التلفزيون أو عبر موكبه فى طرقات الخرطوم .
خرجت من الإفطار وأنا أساءل نفسى : أيهما الوجه الحقيقى للرجل عليه رحمة الله ؟ وجه البأس والسطوة فى زمان السلطة .. أم وجه البساطة الودودة فى غير أيام الحكم ؟!  

fadil awadala [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]