fadil awadala [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]


العم محمد عامر بشير (فوراوى) واحد من الوجوه الأمدرمانية البارزة التى لعبت دوراً مقدراً فى الحياة السياسية والإجتماعية فى السودان ، وتعمقت معرفتى به من خلال كتيب صغير يُعرّف به أصدره مركزمحمد عمر بشير للدراسات السودانية بجامعة أمدرمان الأهلية فى إطار سلسلة – نأمل لها دوام الإتصال – بعنوان ( شخصيات سودانية فى سطور) . وحول كنية (فوراوى) أفادنا – من خلال الكتاب - البروف على شمو أن الرجل كان رمزاً للمناضل الذى لا يخضع ولا يركع للوعيد والتهديد فقد حرمته حكومة السودان البيرطانية من حقه المهنى والوظيفى كمهندس تخرج من قسم المهندسين بكلية غردون عام 1927 ، وأحالته الى السلك الكتابى إمعاناً فى الكيد ونقلته الى الفاشر ظناً منها أن يصبح فى عداد المنفيين ، ولكن محمد عامر بشير سُعد بنقله الى الفاشر حيث قضى فيها أياماً طيبة ظل يذكرها على الدوام ، واستمر وهو هناك يكتب ويراسل الصحف تحت إسم مستعار إختار له (فوراوى) .
ووفقاً للسيرة الذاتية التى أوردها الكتيب فقد تقلد فوراوى العديد من الوظائف من بينها مترجم الجمعية التشريعية (1948 -1953 ) ، أمين عام مجلس الشيوخ(1953 -1955 ) ، أمين عام مجلس النواب (1955 -1958) ، مدير عام وزارة الإستعلامات والعمل على عهد الفريق عبود والوزير العم طلعت فريد ، ومن خلال نشاطه ومثابرته فى هذه الفترة تأسست مبانى المسرح القومى والفندق التابع له – الذى تحول فيما بعد  مقراً لتلفزيون السودان – وكذلك أسهم فى تأسيس النواة الأولى لفرقة الفنون الشعبية . ولعل إتقان فوراوى المذهل للغة الإنجليزية هو ما أهله لهذه المناصب الرفيعة ، فقد كان الرجل أحد رواد الترجمة الفورية فى بلادنا وربما فى العالم العربى ، فهو واحد من ذاك الجيل الذهبى الذى به ظمأ حارق وجوع فاتك ليس للتعلم فحسب ولكن لإتقان التعلم ، والمرء والله يأسف حين يرى بعض حملة الدكتوراه فى أيامنا هذى ممن توفرت بين يديهم كافة سبل المعرفة والوسائط التقنية وهم يعجزون عن تركيب جملة واحدة صحيحة باللغة الإنجليزية . ويحضرنى فى هذا المقام ما ظل يردده عمنا الأستاذ أحمد خير فى أيامه الأخيرة عن شغفهم فى حقبة الثلاثينات والأربعينات بالقراءة والإطلاع فكان يقول : ( شوف يا ولدى .. نحن زمان لما نسمع بى واحد من الخريجين فى يده كتاب مهم .. أكان بالعربى ولا الإنجليزى .. النارية دى تبق جوانا .. وما نرتاح إلا نقراهو وبعد داك ننسخ الكتاب كلو بخط اليد ونرسلو للخريجين فى كل مدن السودان ) !
ومن المعلومات القيمة التى وردت على لسان العم فوراوى فى هذا الكتيب أن السودان كان أول دولة فى العالم تحصل على عضوية الإتحاد البرلمانى الدولى قبل إستقلالها وذلك عام 1955 ، وعندما ذهب وفد السودان لأول مرة بقيادة مبارك زروق لحضور إجتماعات الدورة العامة فى هلسنكى كان علم البلاد عبارة عن قطعة من الدمورية كُتب عليها إسم السودان . والغريب – وما غريب إلا الشيطان وما غريب إلا هذا الزمان – أنه وعند إنعقاد دورة ثانية لهذا الإتحاد فى لندن كان يرأس وفد السودان أيضاً مبارك زروق رغم كونه أصبح زعيماً للمعارضة وكان بين أعضاء الوفد وزراء فى حكومة السيد عبد الله خليل ولكنهم لم يترددوا فى قبول رئاسة زعيم المعارضة لوفدهم . وحدث ذات الشىء فى دورة أخرى فى ريو ديجانيرو عاصمة البرازيل ، وعندما ألقى مبارك زروق كلمة السودان التى إكتظت القاعة لسماعها كان يخيل للمستمعين أنها كلمة وزير خارجية السودان وليس زعيم المعارضة ، ويقول فوراوى أن أحد أعضاء الوفد الغانى وكان يجلس بجانبه ، وسرعان ما ارتفع صوت ذاك النائب الغانى المعارض وهو يقول لزملائه : (هل إستوعبتم هذا الدرس من السودان .. إننى وبصفتى نائب معارض لم أستطع الحضور لهذا المؤتمر قبل أن ألجأ الى المحكمة الدستورية العليا )!
وعن فوراوى كتب الأستاذ هاشم ضيف الله فى صحيفة الصحافة بتاريخ 8 / 5 /1978 يقول : (إن فوراوى كان رجلاً كبيراً طويل القامة يجيد لعبة التنس التى عمل على نشرها أينما ذهب فى مدن السودان المختلفة ، ولما بدأت سودنة إتحاد كرة القدم السودانى عام 46 كان أول من تولى منصب مساعد السكرتير، وكان فى إحدى الفترات رئيساً لنادى المريخ قبل أن يتحول لنادى الهلال والذى تولى رئاسته فيما بعد لمدة طويلة وعمل على تطويره ، وفى عام 1959 إستطاع مع الوزير محمد طلعت فريد أن يمد أندية الطليعة فى امدرمان (الهلال والمريخ والموردة) بالأراضى الواسعة التى شيدت عليها إستاداتها الحالية وأسهم بجهده فى تسهيل بنائها ) .
وعن فوراوى أيضاً يقول بروفسير معتصم أحمد الحاج : ( فى الجلسة رقم27 لللجنة التنفيذية لمؤتمر الخريجين إقترح فوراوى أن يتوجه المؤتمر الى الشعب بنداءعن ضرورة التمسك بمصطلح (سودانى) فى الجنسية السودانية بدلاً عن ذكر القبيلة ، وبعد مناقشة الموضوع تم تكليف العضو مكى شبيكة بتحضير بيان فى هذا الموضوع ) ، ويتساءل معتصم : تُرى ألسنا اليوم فى إحتياج لفوراوى جديد بعد (فوراوى) الأول الذى مضى ما يزيد على سبعين عاماًعلى إقتراحه ذلك ؟! ..... سؤال وجيه .