تشظي السودان حلم إستعماري قديم :

 

بداية، يجب الاعتراف بأن هناك معضلة لا يهتم أحد بذكرها كثيرا فيما يخص مشكلة انفصال الجنوب، تتمثل في أن قسما من أهل شمال السودان يتحرقون شوقا منذ فترة ليست قصيرة لانفصال الجنوب ويشجعونه باعتبار أن الجنوب ظل (يكعبل) انطلاق تنمية السودان ، وذلك علي خلفية الحروب التي إنطلقت قبل إعلان إستقلالة ، وهنا تنتفي القول بإفتآت الشمال علي حق الجنوب في الثروة والسلطة التي ظل يرددها كل من يخرج علي السلطة المركزية بالخرطوم ، سواء كان ذلك التمرد شرقياً أو غربياً أو جنوبياً ، فالجميع يشتركون في أن الشمال أخذ منهم كل شئ ..!! ، وجميع هؤلاء يؤكدون بأن الشمال الجغرافي الذي ظل يحمل عبء ظلم المركز (حسب إدعاءات الحركات المتمردة) ويبوء هو بكل الظلم وإنعدام التنمية والخدمات ،  وتبقيه تلك الإتهامات لايقدم مطالبه في حقه في التنمية والعمران والخدمات ..!! ، تلك الحروب المستمرة التي دخل فيها السودان في أنحائه المختلفة عطلت مسيرته ومنعته من أن ليصبح دولة رقم مهمة في المعادلة الإفريقية والعربية والدولية ، في مقابل ذلك يجب الاعتراف أيضا (من واقع المستندات والوقائع المنشورة) أن حكومة المركز لم تتأخر في تلبية طلبات حكومة الجنوب والحركة الشعبية في تنمية الجنوب لتعظيم فكرة الوحدة هذه ، بلغ ذلك حدا جعل البعض يتهم الحكومة بوقوعها تحت ضغط وابتزاز الجنوبيين وتلبية كل رغباتهم ، خصوصا في ظل خشيتها من انفراط عقد السودان فهي بلاشك المسئولة عن ذلك .. وإن حدث لاقدر الله لن يعفيها أحد ..!! ، على اعتبار أن المخطط المرسوم للسودان ليس انفصال الجنوب فقط ، بل الغرب والشرق أيضا وبالمقابل ، هناك جنوبيون بطبيعة الحال لا يؤيدون الانفصال ، خصوصا الميليشيات والقبائل الجنوبية التي تحالفت مع الحكومة مثل النوير والشلك ، ويرون أن انفصال الجنوب معناه قيام دويلة طائفية عنصرية تتقاتل فيها قبائل السودان الجنوبية الكبرى ("الدينكا" الذين يسيطرون على مناصب حكومة الجنوب) وهنا أيضا من المهم ذكر أن هناك قوى جنوبية حكومية تسعى للنفخ في نار الفرقة مع الشمال وتعظيم قضايا فرعية وابتزاز الشمال بدعوى عدم تنفيذ اتفاقات السلام ، والواقع أن الحركة الشعبية هي المعنية بالدرجة الأولي بتنمية حظوظ الوحدة في نفس مناصريها ومن ثم التصويت لصالحها وفق منطوق إتفاقية السلام التي وقعتها مؤخراً مع شريكها المؤتمرالوطني ، غير أن الحركة لم تقم بمايليها في هذا الشأن والادلة علي ذلك كثيرة جداً ويمكن رصد بعضها ، علما أن بعضها متفق عليه ضمن اتفاق السلام والبعض الآخر متنازع عليه، وهي علي هذا النحو .. فتح (18) مكتبا للحركة الشعبية في عدد من الدول الإفريقية والأوروبية والعربية .. تتفاوض حكومة الجنوب مع شركات اتصالات لنشر خدمة التليفون بكود دولي مختلف عن كود السودان الموحد ، فضلا عن ترخيص المركبات العامة والخاصة في الجنوب بلوحات تحمل رمز (NS) وهي اختصار لـ (السودان الجديد) أو New Sudan)) وتخالف الترخيص المعمول به في شرطة المرور لكافة أنحاء السودان .. رفضت حكومة الجنوب سحب الوحدات الجنوبية من بعض المناطق في الشمال بحجة أنه لم يتم ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب وبالمقابل سحب الجيش السوداني قواته بالجنوب بمختلف ولاياته حسب تأكيد (سلفاكير) نفسه علي ذلك خلال زيارته الأخيرة لمصر ، وكان من يمكن أن يفعل الجيش السوداني المثل ولا ينسحب من الجنوب .. قامت الحركة الشعبية بتغيير المناهج التعليمية بجنوب السودان بجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق والمناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية في جنوب السودان .. ومنع الطالبات من ارتداء الحجاب في بعض مدارس ولايات الجنوب (أعالي النيل) رغم أن هذه الولاية تضم أكبر عدد من المسلمين في ولايات الجنوب جميعها وتتاخم الولايات الشمالية .. يقابل ذلك جهد ملحوظ من الحكومة المركزية بتقديم أعمال مختلفة بجنوب السودان لتعزيز ذلك الفهم القائل بجعل (الوحدة جاذبة) ، حيث بدأت أبراج الكهرباء وطرق جديدة وموارد منتظمة للمياه تظهر في مدن الجنوب .. مثل جوبا ولأول مرة بعد أن كانت هذه الخدمات مختفية أو تظهر في أوقات غير منتظمة ، وأن سكان الجنوب بدءوا يرون أخيرا مكسبا من مكاسب السلام بعد عامين من اتفاق السلام بين شمال وجنوب البلاد ، هذا غير انتشار الفنادق والمدارس الجديدة ، ومد طريق إسفلتي من المطار إلى وزارات حكومة الجنوب التي تم تجديدها حديثا ، ووزيرالمالية والاقتصاد(الزبير أحمد الحسن) أكد حرص الحكومة على دعم التنمية والخدمات بالجنوب ، ودلل على هذا بتوفير قروض بمبلغ (300) مليون دولار من الصين بضمانات من وزارة المالية القومية لتنفيذ مشروعات تنموية في الجنوب ، بالإضافة إلى توفير 100 مليون دولار للخدمات الأساسية .. الصحة .. التعليم .. المياه والكهرباء ..!! .. هذا مافعله الشريك الأكبر (المؤتمر الوطني) وبمال تم تجنيبه بعد خروج حصة الجنوب من مال البترول ، غير أن أهل الجنوب يشتكون مر الشكوي لوكالة (رويتر) من أن حكومتهم التي تتمتع بحكم شبه ذاتي وتقودها (الحركة الشعبية لتحرير) كانت شديدة البطء في إحداث تغييرات بسبب الصراعات الداخلية في الحركة مما أحبط التقدم ، وخصوصا هيمنة قبيلة "الدينكا" على الحكومة على حساب جماعات عرقية أصغر ، وشكا (جورج قرنق دنج) المسئول بوزارة الإعلام من أن المجتمع الدولي بطيئ التحركة نحو تحقيق التنمية ، حيث إنه أخفق في توفير مئات الملايين من الدولارات التي وعد بها لتنمية الجنوب بعد اتفاق السلام .. هذا هو المشهد بعد دعوة السيد (سلفاكير) للجنوبيين بإختيار الإنفصال رغم أنف مكتبه الذي نفي الحديث الذي سمعة كل العالم .. فمن ياتري لم يبشر بجاذبية الوحدة بعد هذا .. المؤتمر أم الحركة ..؟!! ،  نقول أن إتحاد الشمال والجنوب معناه ضرب مخططات عسكرية وإستخباراتية وتبشيرية (أوروبية بالدرجة الأولي و .. أمريكية بدرجة ثانية) تراهن على نهب ثروات السودان ، وعلى قطع العلاقة بين السودان (العربي المسلم) كنقطة تماس مع بقية أطراف القارة السمراء ..!!

 

نصرالدين غطاس

 

naseraldeen altaher [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]