مرحبا به مابين خليج العرب وحتى خليج الكاب :    فترة خصبة قضيتها بالمملكة العربية السعودية بمؤسسة تجارية فى مكة المكرمة ، استزت فيها خبرة وتجريب ادارى مباشر ومشاركات صحفية عديده وعميقه فى الفكر والسياسة وقضايا الحكم ، هذا فضلا عن رمزية القرب من بيت الله الحرام ، ومكان عملى لم يكن يبعد كثيرا عن جامعة أم القرى أو الجزء منها (بعضا من كلياتها) التى تقع بحى العزيزية ، ذلك القرب من مبانى الجامعة أتاح لى الجلوس مع عدد كبير من طلابها والحديث اليهم ، وفى الواقع أنهم هم الذين تحروا الحديث الى وكان مدخلهم فى ذلك سودانيتى ، فطلاب تلك الجامعة العريقة ذكروا لى أن أغلب أساتذتهم سودانيين ، وبين يدى ذلك حكوا عن ما يؤرقهم فى المعلم السودانى الذى لم يعرفوا اليه طريقا (لاختراقة) بغية تسريب أسئلة الامتحانات لهم ، وطلاب جامعة أم القرى طلبوا منى التوسط لاساتذتهم السودانيين ليخففوا عنهم شدة الرقابة فى الامتحانات ، وهم يصفونهم بالشدة وعدم التساهل ووضع أسئلة عند الامتحانات يستعصى حلها الا لمن أجتهد وأستذكر دروسه ..!! ، وهم يحكون تلك القصص وتكتسى وجوههم علامات الرضى عن أداء أساتذتهم أؤلئك ، والعملية التعليمية لا تريد أكثر من ذلك الالتزام الصارم ، وهذه الصفة المتمثلة بالصرامة ازاء العملية التعليمية والتربوية أضحت صفة ملازمة للمعلم السودانى أين ما ذهب وحل .. وهى بطبيعة الحال ميزه تحسب له لا عليه ، فضجر الطلاب بمختلف الدول التى عمل بها المعلمين السودانيين لم تكن على غير ذلك الالتزام الكبير والدقة المتناهية ازاء تلك العملية الحساسة والتى تتبدل بعد التخريج لاحترام لا يوازيه احترام لمعلمين من دول اخرى عملوا بجانب السودانيين ، وحالة عدم الرضى تلك تبدأ تتحول لتقدير نحو المعلم السودانى ، فذات الطلاب تجدهم يحتفلون بأساتذتهم ويفتخرون بهم (نحن أساتذتنا سودانيين) ..!! ، وهؤلاء وأولياء أمورهم لا يطلبون غير السودانيين عند طلب الدروس الخاصة ، وعملية التدريس فى ثقافة دول الخليج لم تبارح المنطقة العربية فى استدعائها لمعلمين بمدارسها وذلك يرجع لكون المنطقة الخليجية كانت فى طور التشكيل وقتذاك .. ولم تكتمل البنية التعليمية وقتها ، الا أن الحالة السودانية مختلفة كلية عن ذلك ، فبالسودان تجد المؤسسة التعليمية أكثر رسوخا وخبره ودراية ومعرفة بالجانب التعليمى وفلسفتة ، بغض النظر عن طبيعة المنهج المراد تدريسة ، والأستاذ صاحب الخبرة التى تجاوزت العشرين عاما والذى جاء معارا للعمل بدولة خليجية كان يحدثنا عن أن اهل السودان لم يتواضعوا ويتفقوا على شئ مثل اتفاقهم على شيئين مهمين للغاية هما (دقة التعليم وصرامة التدريب العسكري) ..!! ، ففى التعليم تجد أرتالا من المعلمين يتم اختيارهم للعمل بمعظم دول الخليج واليمن وبعض الدول الافريقية .. وذلك بسبب الجودة والامانه التى يتمتع بها المعلم السودانى ..!! ، وفى العسكرية كذلك .. لايجد أحدنا مؤسسة عسكرية تشابه مؤسستنا هذه فى انضباطها والتزامها الصارم فى عملية التدريب والتأهيل الفنى ، ولهذا وجدت المؤسسة السودانية قبولا عربيا وأفريقيا كبيرا بالانتداب للتدريب .. الامارات .. اليمن .. السعودية .. الكويت .. قطر  .. فلسطين  والبحرين وأفريقيا تجد دولا مثل .. تشاد .. افريقيا الوسطى .. الكنغو .. نيجيريا تبعث بطلابها العسكريين ، وهذه الدول لم تكتفى فقط بتدريب الضباط فى بداية الخدمة وانما تتعداها الى ابتعاث عسكرييها لنيل الزمالة من الأكاديمية العسكرية العليا السودانية ، بل العسكريين السودانيين هم الوحيدين دون غيرهم المقبولين للعمل بشهاداتهم فى دول الخليج ..!! ،غير أن حكومة الجنوب لم تلقى لهذا الارث الغنى بالا أو التفاته ، فالحكومة عناك استجلبت معلمين من يوغنده وكينيا ، والاسقاط الآخر الذى يفرزه هؤلاء المعلمين هو تكريس صور العطالة بالجنوب خاصة اذا عرفنا أن المعلمين المستجلبين بلغ عددهم (290) معلم ، وبالرغم من أخذهم لأستحقاقاتهم كاملة الا ان أكثر من (183) فى حالة غياب تام .. والمرتبات يعكف على توزيعها وزير التربية والتعليم بنفسه ..!! ، وربما يذهب البعض بالقول الى ان ذلك طبيعيا (أى استدعاء معلمين من كينيا ويوغنده) على خلفية روابط ثقافية بين القبائل هناك ، غير أن غير الجائز فى هذا المشهد الذى أوجدته حكومة الجنوب أنها لم تكترث لحالة الخبرة المطلوبة والمتوفرة سودانيا ، هذا فضلا عن أن الجنوب لم يزل بعد جزءا من الخارطة الجغرافية للسودان ، فكون الجنوب له شكل حكم له استقلالية نسبيه عن الحكومة المركزية فهذا لا يعطى حكومة الجنوب الحق فى فصل العملية التعليمية الاتحادية بالأساس وجميع طلاب السودان يجلسون لأمتان واحد فى الشهادة السودانية ، ثم اضافة أخرى يجب الالتفات اليها وهى ان دول الجوار الأفريقى (يوغنده وكينيا) تنظران لجنوب السودان بأنه كنز يجب الخروج منه بأكبر غنائم ممكنه ، فبالأمس وحسب ما تحكى التقارير ان السلطات الكينية قامت بتقديم العلامات الحدودية داخل الاراضى السودانية لأكثر من تسعين كيلومترا .. وحكومة الجنوب وضعت (فى دى طينة وفى دى عجينة) ولم تشنئ ذلك المسلك الاستعمارى من الدولة التى رعت اتفاقية السلام ، والحكومة هناك وجيشها الذى تحول لقطاع طرق لم يعدل تلك الصورة المتجاوزة ، ودور الحكومة الغائب قامت به قبيلة التبوسا الحدودية ، غير أن السلطات الكينية اعادت العلامات وفق تصورها .. ويوغنده تفعل مثل ذلك ، والمواطن هناك بالحدود حائر يضع يديه على خده وينظر ..!!      نصرالدين غطاس