غني عن القول أن كل الثورات التي تندلع في بلدانها .. خاصة تلك ذات التوجه العقائدي يكون التحدي المجتمعي أمامها هو المعيار الذي يتم القياس نجاحاً وفشلاً ، فالثورة ذات التوجهات الفكرية تبدأ بطبيعة الحال بضخ كثير من مفاهيمها التي ترتكز عليها في بادئ حضورها السياسي وخلال أيامها الأولي لتفتح وعي أنصارها من جانب ووعي الجمهور بصورة عامه لمسارات عملها وتفكيرها ، فيقوم كل هؤلاء بوضع خطط عملهم وفق ما توفر لهم من فهم الخط السياسي والفكري للثورة الجديدة ، لأنها تريد بذلك قولبة المجتمع وفق مفهومها هي للعمل السياسي والإجتماعي والإقتصادي ، بعد ذلك ستجد أن شرائح المجتمع بدأت في السير في مسارات الثورة هذه الجديده ، ومن ثم تبدأ في ترسيم مفاهم المجتمع بأسره ونهضتة وفق مفهومها ونظريتها ..!! ، سودانياً معلوم أن الخطاب الديني هو الذي إبتدرت به (الإنقاذ) مشروعها السياسي .. بل طرحت مشروعها الحضاري بفرضية أن إنتماء كل المجتمع أو معظمة لديانة واحده هي الإسلام .. هذا فضلاً عن الإنتماء الفكري الخاص بقادتها ، فلم يمضي وقت طويل حتي ظهر ذلك في الشارع العام إلتزام في السلوك والتعامل وإرتقاء في الخطاب بين أفراد المجتمع أيضاً ، إن الثورات في البيانات الخطابية أو المقالية التي تسعى للقيام بقفزة نحو نهضة ما والتي تندد دائما بحال المجتمع والضرورة للإصلاح لا تأتي بغير صورتين على الغالب , الصورة (الدينية) أو الصورة (السياسية) وفي بعض الأحيان كلاهما .. فقد كان حشد الخطاب الديني كبيراً جداً ، ولعل أقوي تلك المظاهر التي تدلل علي إسلامية الشارع العام أو سيره في ركاب مفاهيم الثورة الجديدة هو الزي المحتشم الذي ترتديه النساء ، فكان ذلك مما ساعد في تقديم صورة جيدة ل(الإنقاذ) في عقل المواطن العربي والمسلم علي المستوي الإقليمي والدولي ، وجلب ذلك تعاطفاً ودعماً سياسياً غير قليل كانت (الإنقاذ) في حاجة له في ذلك الزمن ، صحيح أن الأزمات التي أدخلت فيها (الإنقاذ) علي خلفية إنتمائها الفكري والسياسي جعلت كثير من التقاطعات تكون شاخصة أمام السياسيين والتنفيذيين للنظر فيها ونقاشها ووضع معالجات لها ، ومنها وجود أقليات (مسيحية) لها حقوقها الخاصة وأدبياتها التي ترتكز عليها ، وهذه النافذة هي التي دخلت منها كثير من المنظمات الدولية التي إعتمدها المجتمع الغربي للضغط علي الحكومة الجديدة في السودان وقد جاءت بخطاب غير مرحب به في القرن العشرين ..!! ، غير أن الواقع لبناء الحضارة والنهضة يتشكل وفق إستراتجيات عديدة مابين خطوات للتنمية الداخلية (وهي التي يرجوها المواطن) وأخرى للتصعيد السياسي في وجه العالم الآخر الذي ظل يسعي من أول يوم لقتل تلك الثورة الجديدة المسماه ب(الإنقاذ) بغية البناء الحيوي لسلم التطور في الأصعدة كافة سواء المادية أو الذاتية  ..!! ، إن التنمية و أسسها للبناء في الحضارة تتطلب حضوراً مهماً للذات البشرية قبل المادة بكافة أشكالها , فنستطيع هنا الجزم (كما يقول كثير من المختصين) بأن أساس الحضارة هو الفرد و إصلاحه ، و بناء على الفرد يتشكل المجتمع مابين مدني أو قروي ، وعلى شاكلة المجتمع تتكون الحضارة بقيام نهضة مجتمعية متكاملة و متناسقة يكون أساسها الفرد الواعي صاحب الركيزة القوية والمؤثرة على ذلك المشروع التنموي والثقافي والحضاري والشرعي .. مثل مشروع (الإنقاذ) الثورة ..!! , ولا شك بأن الفرد يتشكل وفق منهجية معينة يسيرها الإنتماء لتيار أو فكره  ما .. من شانها التأثير على الفرد بشكل أو آخر, و لعل أبرز تلك التيارات هو التيار الديني مهما كانت ماهيته ودرجة تأثيره على وعي ذلك المخاطب .. وهذا الخطاب (وهو موضوع حديثنا) نري إن تأثيره أصبح ضعيفاً الآن ، أو لنقل ربما أن معاييره لم تعد صالحة التي يتبعها أو ذات جدوي في واقعنا اليوم ، فنحن نشاهد الشباب يتعاطون محرمات (شاذة) ومنكرة دون أن يلتفتوا لحديث (المنابر) أو يعيرونه إهتماماً ، ففي ظني إنه قد بح صوتها بالمناداة بغير ما يسير عليه أهم شرائح المجتمع اليوم (بعض الشباب) ، ف(الزواج العرفي) لم تتدني معدلاته بالجامعات وباقي المجتمع ، بل تشعر إنه أصبح أكثر تقنيناً من قبل ويتم التعاطي معه بسهولة كبيره ويسر ودون أي تعقيدات ، وكذا الحال مع موبقات أخري أصبح يأتيها كثير من أفراد المجتمع بدم بارد ك(إغتصاب) الأطفال و(خطفهم) و(الإنتحار) و(قتل النفس) و(تعاطي المخدرات) .. كل هذه الأفعال أضحت أكثر إنتشاراً من ذي قبل ..!! ، وجميعها تتم دون أن يلتفت فاعلوها لخطاب المنبر أو ربما تجد بعضهم من هو مواظب علي أداء صلواته بالمسجد ..!! ، إذن أين تكمن المشكلة ..؟؟! ، هل لم يعد خطابنا الديني يستوعبه شباب اليوم أم إنه يقدم في قوالب غير جاذبة وبصورتها التقليدية القديمة ونسبة كبيرة من الشباب يقضون أوقاتهم أمام أجهزة الكمبيوتر بالمنتديات التي تسمح لهم بتبادل الحديث (بث حي) و(بالصورة) مع طرف آخر بمكان بعيد دون رقابة من أحد .. بجانب ضعف حضور الله سبحانة وتعالي في نفسة و .. بالتالي يعيث فعلاً غير منضبط كما نري ونشاهد اليوم .. أين الخلل ..؟!

نصرالدين غطاس  

Under Thetree [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]