لم يكن أحد يري في الإنتظار خيراً سوي الملل والرتابة ، وبالتالي ليس من أمر يمكن أن يخرج به من راء ذلك الإنتظار وما منا من احد يثمنه او يقول عنه خيراً البته ، غير أن صديقي كان له رؤية مختلفه عن كل ما ورثناه من ادبيات خلفناها من هذا الإنتظار الذي صورناه جميعاً بأنه قاتل وممل ..!! ، صديقي يقول بفكره أخري وجديده .. نسبه لتاريخنا مع هذا الإنتظار ، فهو يقول بأنه أضحي يستثمر فترات الإنتظار التي يمر بها وهي كثيره بطبيعة الحال في قراءة القرآن ،  ففي الصباح (يقول صديقنا صاحب الفكرة الجديدة) بانه كان على موعد مع اسرته ، ولما كانت زوجته تتأخر كعادة جميع النساء .. قمت بسحبت الكرسي وجلست بجوار الباب ومعي (مصحفي) فكانت تتوقع مني أن أرفع صوتي وأصيح بها مستعجلاً لها : ما اخرتونا يا أخوانا كعادتي في السابق معها ، غير أني فاجئتها هذه المره ولم تسمع مني يصدر غير قراءة القرآن .. وهو أمر كان لافتاً لها لم تعتاد عليه من قبل مني ..!! ، أيضاً كان لي موعد عند أحد المدراء بإحدي شركات (الأسمنت) غير أنه أبقاني في حجرة الجلوس نصف ساعة معتذراً بأدب ، فتناولت مصحفي وأنهيت وردي اليومي كاملاً ، وانا في طريق عودتي للبيت وفي سط البلد (منطقة كايرو جلابية) بزحامها وضوضائها وزخمها .. كنت قد إحتطت بأن يقود صديقي السيارة وتناولت مصحفي ولم أشعر لا (بالزحام) ولا (بالضوضاء) ولا بأصوات (منبهات السيارات) وهي تحتج علي التأخير وسلحفائية الحركة ولم يبقي إلا بضع ساعة من موعد آذان المغرب ومن ثم الإفطار ..!! ، وقتها شعرت  بالدموع تنزل من عيني .. ليست دموع (الفرح) ولا دموع (تأثُّري بالآيات القرآن) إنما هي دموع الندم .. علي أوقات كثيرة تمتد شهور وسنين من الإنتظار فرطنا فيها ولم نستثمرها كما يجب ، هل يُعقل أنني أختم القرآن في حوالي (5) أيام من ساعات الانتظار ..!! ، هذه الأوقات التي كانت تمر علي وعلي كل واحد منا ونحن ننتظر كانت كلها عبارة عن (توتُّر) و(تبرُّم) و(ضيق) و(إنزعاج) ..!! ، كم يا تري قصرنا في حق أنفسنا ..؟! ، هل يعقل أنني أصبحت أحب ساعات الانتظار بالفعل ..؟! ، أيضاً وأنا أنتظر الطعام ذلك الموعد الذي أحافظ عليه مع (أولادي) .. فقد كنت حين يتأخر الطعام أنزعج ، غيرأني أصبحت الآن أمسك ب(المصحف) وأتلو قرآن ربي ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، فقالت لي زوجتي : إن قراءتك هذه تركت انطباعاً طيباً لدى الأولاد ، فهم أصبحوا يشتاقون لتلاوتك ، ويقولون : إنهم يتذكَّرون الآيات التي قرأتها ويقلدونك ..!! ، أين أنت يا رجل ..؟! ، نزلت عليَّ الملاحظة كالصاعقة ، فكم قصرنا في حق أولادنا ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته) ..!! ، فغياب القدوة في القرآن بالبيت وغياب القدوة في الأذكار والصيام والأوراد .. يجعل تعليماتك لهم بأداء أعمالهم التعبدية باهتةً ودون روح ، كم يا تري ضيعنا عليهم ساعات (الطمأنينة) و(الهدوء) و(السلام) التي كان يحققها القرآن ..؟! ، لقد أضاعت علينا هذه الحياة بزخرفها (الفاني) علينا (الرحمة) و(النور) و(مباركة الملائكة) لبيوتنا بما نتلوه فيها من آيات الذكر الحكيم .. بلهثنا خلفها دون أن نعطي بيوتنا وأولادنا حقهم ، بهذا اللهث المتواصل خلف الدنيا ومعاركة الحياة سنضيع علي أبنائنا (الشفاء) وينابيع (الخير) و(العطاء) التي يمنحنا إيَّاها قرآن ربنا العظيم ..!! ، لهذا كله أصبحت أعشق ساعات الإنتظار .. فلنفعل جميعنا تجاه ساعات الإنتظار الطويلة ونستثمرها في تلاوة القرآن في شهره هذا و .. رمضان كريم ..!!

نصرالدين غطاس

Under Thetree [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]