قلنا في الحلقة الأولي أن الدين الإسلامي دين شامل مترابط يؤثر بعضه على بعض .. بمعنى إن من يصلي ويصوم ويحج ويزكي ولا ينظر إلى تطبيق مسائل العدل والمساواة والأخلاق وغيرها من قيم ويتجاهلها .. لا تنفعه صلاته ولا صيامه ولا سائر عباداته ، بمعنى أن أثرها فيه قليل أو قد يكون أحياناً معدوم وهذا واضح في أن من يصلي ولكنه يكذب أو يظلم أو يسرق لا تنفعه صلاته ذلك إن (الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) فمن يصلي ولا تؤثر فيه صلاته إيجاباً .. لا فائدة منها ..!! ، وطالب الإسلام الإنسان المسلم أن يتفاعل مع ما يدور حوله (من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم) ولا يقصد بـ - ليس بمسلم أنه خرج من الإسلام - بل يعني أن عليه أن ينظر في ممارسته لهذا الإسلام ، والعلمانية عندما تقوم بحصر الدين في المسجد ما الذي يبقى للإنسان من وجود وهو يشاهد الكثير من الأخطاء والفساد والمآسي تحيط حوله دون أن يؤثر في ذلك ..؟! ، وإعتماد العلمانية فقط على القانون في مقاومة الظلم والتأكيد على العدل والمساواة والوقوف في وجه الفساد فيه تقزيم للإسلام إن لم تقضي عليه ..!! ، فبعض ممن يطرح العلمانية لا ينطلق من أجل المساواة بين أفراد المجتمع ، فمن المعلوم أن الدين يطالب أتباعه بالالتزام بما يأمر به ، وهذا الاتباع يلزم مجاهدة النفس لدرجة وصفها بالجهاد الأكبر الذي يقارن بالقتال الموصوف بالجهاد الأصغر ..!! ، ورغبة منهم بعدم الالتزام بذلك يطالبون بالعلمانية لأنها تعزز الرغبات والشهوات وتجعل لها متاحات إضافية بعكس الإسلام الذي يقف في وجه الرغبات والشهوات والغرائز الغير مشروعة ..!! إن التجربة العربية التاريخية تثبت أنه لا يمكن أن تفصل أثر الدين عن الحياة السياسية ، فتاريخياً كان من ضمن القوى الوطنية الفاعلة في مقاومة الاستعمار ، قوى تستند للدين كمرجعية في مقاومة الاستعمار فمن ينكر دور الأمير (عبد القادر الجزائري و(عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي) في الجزائر ، و(عمر المختار) في ليبيا و(محمد أحمد المهدي) في سوداننا هذا ..!! ، وعلماء الدين في ثورة العشرين في العراق ، ودور (الشيرازي) ، و(عز الدين القسام) ، وفي العقد الأخير من ينكر دور (حزب الله) في لبنان وحركتي (حماس والجهاد الإسلامي) في فلسطين في مقاومة إسرائيل ..!! ، ومن ينكر دور الحركات الإسلامية في الحياة السياسية ولو أخذنا الانتخابات البرلمانية كأحد المعايير السياسية ولا سيما في انتخابات العقد الحالي نجد أن (الإخوان المسلمين) رغم ما يعانونه من مضايقات نظام الحكم تجد أنهم قد حققوا مقاعد أكثر من مقاعد المعارضة المصرية مجتمعة وهم محظورن سياسياً ..!! ، وقبل عدة أشهر فاز حزب (العدالة والتنمية) في المغرب .. إجمالاً يمكن القول أن الإسلام يحتوي على عقيدة وأحكام وأخلاق ويقسم الفقهاء الأحكام الشرعية إلى قسمين .. الأول .. يتعلق بالفرد وعلاقته بربه وما يختص بالصلاة والصوم والحج ، أما النوع الثاني .. يتعلق بعلاقة الفرد بالجماعة الذين يتعامل معهم ، فنجد في هذا الجانب المعاملات المالية مثل القرض والربا والشراكة والعلاقات الاجتماعية .. كما في مسائل الزواج والطلاق والزنا وغيرها ..!! ، فعندما يتم تجاهل النوع الثاني من الأحكام ويختصر علاقة الإنسان بالدين فقط فذلك يعنى أن يتم تعطيل عدد من الأحكام التي وردت في القرآن الكريم والتي أمرنا الله بإقامتها ..!! 

نصرالدين غطاس

 

 

 

 

 

Under Thetree [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]