ستة عشرة دقيقة فقط كان هو الوقت الذي افسحته قناة (فرانس 24) لاستضافة المفكر الاسلامي والرجل السياسي الاول في السودان كما وصفته مذيعة البرنامج التي كانت نظرات الشيخ الوقور تتفادى تهادي خصلات شعرها بدرع الابتسامة (الترابية) الساخرة..
والحق يقال ان دكتور الترابي هو ابرع من يدير ابتساماته المسموعة في منابر الكلام ..والحق ايضا ان الترابي هو الشخص الوحيد في العالم الذي يمكن ان يقوم بتسجيل (طريقة كلامه) في مؤسسات الملكية الفكرية حتى يحمي نفسه من المقلدين خاصة داخل فضاء الاسلاميين الواسع في السودان ..
ولكن ورغم ذلك ورغم ان الدكتور حسن الترابي ظهر في الشاشة التلفزيونية هذه المرة بجاكيت انيق يستدعي ربما فيه ذكريات جامعة السوربون التي اهلته لنيل درجة الدكتوراة عام 1964 ..وياله من عام ذهبي بالنسبة للترابي الذي وثق فيه ضربة البداية لنجومية سياسية حافلة بالاحداث الممتدة على مدى ستة واربعين عاما ..
ولذلك كان سقف التوقع لظهور الترابي متحدثا من باريس هذه المرة وفي ظروف سياسية دقيقة سقفا عاليا جعل حديثه القصير في المقابلة التلفزيونية التي شاهدتها على الانترنت وحسب وجهة نظري الخاصة اكثر من عادي ..
وحين يظهر الترابي بلادهشة فإن ذلك يمثل مؤشرا خطيرا لمدى الاحباط السياسي وفقدان البوصلة عند الجميع هذه الايام ..
فالترابي حاول استباق اسئلة المحاكمة الاعلامية القصيرة بافادات وقائية لاتخلو من الذكاء حين وصف ازمة الراهن السياسي في السودان مع نذر الانفصال بانها ( نتيجة تراكمات وتعاقبات ليس مسئولا عنها هذا العهد وحده )..
وانها الحلقة الاخيرة مسلسل التفاقم المتراكم ..قبل ان ينفي صراحة ان تكون تلك الازمة من انجازات ماسمته المذيعة (الاسلام المسيس) في السودان ..
لكن الترابي الذي لم يتحمس للاسترسال في جميع اجاباته أشار الى ان الانفصال في السودان سيكون على حدود حية كما سماها اي حدود مليئة بالبشر والزرع والحيوانات وليست حدودا جبلية او خالية من الحياة وهذه حسب وجهة نظره هي اخطر مافي عملية الانفصال المتوقع ثم عاد مستدركا بالقول ان الانفصال يمكن ان يؤدي الى عودة ثانية للوحدة تقوم على المساواة ..وكانه يعترف ضمنيا بالظلم الاجتماعي وعدم المساواة بين المواطن الجنوبي والمواطن الشمالي في السودان القديم ..ونقول يعترف لانه اذا صح ذلك الزعم فان الانقاذ لاتتحمل وحدها مثل هذه المسئولية ..
الترابي ظهر متراجعا بذكاء عن خط الهجوم الشرس على الحكومة بل اشاد بالاستفتاء كحق وممارسة انسانية متقدمة وبالتالي تكون تلك بمثابة شهادة براءة لنيفاشا الانقاذ ونيفاشا على عثمان محمد طه ..
وقد لاحظت ولاول مرة تقريبا ان لايحتاج مقدم البرنامج لمقاطعة الترابي اثناء حديثه فهو يجيب على قدر السؤال بل أقل من ذلك..
اما مالم اكن متيقنا منه تماما من خلال ملاحظاتي على المقابلة هو ان الترابي بدا مرهقا بعض الشئ ولم يكن حاله العام يخلو من التعب ..متعه الله بالصحة والعافية ..  

جمال علي حسن [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]