محمد المكي أحمد

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أية خطوة شمالية باتجاه الحوار والتفاهم  مع "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، بقيادة  النائب الأول لرئيس الجمهورية السيد سلفاكير ميارديت،  تشكل في سياق التواصل المطلوب بين القوى السياسية السودانية  كافة  تطورا ايجابيا،  يصب في مجرى المصلحة الوطنية ، والجهود المبذولة لرسم خريطة توافق بين السودانيين  لا تعزل أحدا، أو تمارس سياسة الاقصاء البغيض.

 

 في اطار هذه القناعة أرى أن التطورات الايجابية هذه الأيام  في علاقة "الحركة الشعبية لتحرير السودان"  برئاسة  سلفاكير  و "حزب الأمة القومي" بقيادة الامام الصادق المهدي تستحق دعم  الحريصين  على تعزيز  أواصر التلاقي بين  الأهل في  جنوب الوطن وشماله.

 

خلال السنوات الماضية شهدت العلاقة بين حزب الامة القومي والحركة الشعبية مدا وجزرا، وشهدت شدا وجذبا في  فترات مختلفة، وكنت أرى منذ سنوات، وخاصة خلال فترة الخلاف حاد بين الطرفين  أهمية  السعي لبناء   علاقة مستقرة يسودها الحوار والتفاهم بين الجانبين.

 

 زيارة وفد حزب الأمة القومي الى جوبا في الفترة من 3 الى 6 سبتمبر 2009  برئاسة السيد  الصادق المهدي  شكلت حدثا مهما .

 كما شكل اتفاق المباديء  الذي وقعه  عن الجانبين  السيد رياك مشار  نائب رئيس الحركة   والسيد نصر الدين الهادي نائب رئيس حزب الأمة القومي  انجازا سياسيا مهما، ليس للجانبين فحسب بل للسودان كله، ويشمل ذلك من  أزعجتهم زيارة الصادق الى جوبا، أومن حاولوا اثارة شيء من الغبار  لكنه ارتد على أبصارهم.

 

الحكم على ايجابية  اتفاق "ألامة القومي والحركة الشعبية"   لا  تحدده  مشاعر قلة من  الناس يريدون احتكار كل شيء، ومصادرة حقوق السودانيين في الحوار والتواصل  لمناقشة نقاط  التوافق والاختلاف بشفافية أيضا.

 

 من يقرأ نص " إعلان المباديء  العامة" من دون أحكام مسبقة لا بد أن يثير في نفسه سعادة وارتياحا في البداية ، لأنه  استهل فقراته بالاشارة الى أن اجتماع جوبا بين قيادتي "الحركة الشعبية لتحرير السودان" و" الأمة القومي "  يأتي "في إطار مشروع الإجماع الوطني الذي يتطلع إليه الشعب السوداني وتسعى قواه السياسية لتحقيقه ".

 

الاتفاق مهم وحيوي ، وبنوده الـ 11 تصدرتها قضية  تقرير مصير  أهل الجنوب، وكان أمرا مهما أن يتم التاكيد على أهمية الالتزام  بالاستفتاء المقرر في هذا الشأن  في موعده في 2011.

 

من النقاط المهمة جاء التشديد  في البيان على موضوع الوحدة الطوعية ، كما شكلت دعوة الجانبين لأهل السودان كافة للعمل من أجل توفير "متطلبات  جاذبيتها  وترجيح كفتها"  بندا مهما في الاتفاق.

 

هذا يضع على عاتق القابضين على كراسي الحكم في الخرطوم مسؤوليات أكبر، لأنهم يسطرون على السلطة والمال والسياسات التي يمكن إما أن   تجعل الوحدة جاذبة للجنوبيين أو طاردة ومنفرة.

 

اتفاق المباديء  تضمن نقاطا مهمة عدة ، ومن أهمها اتفاق الحركة الشعبية والأمة القومي  على العمل معا  في سبيل "تحقيق المصالحة الوطنية لتجاوز المظالم التاريخية، وأعتقد أن قضية المظالم هي أم القضايا في السودان كله.

 

إذا لم تعالج قضية المظالم الكبرى التي تعرض لها الجنوبيون والشماليون أيضا وخاصة في فترة ما بعد انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 فلا أعتقد أن  في مقدور السودانيين أن يتفقوا على  قواسم مشتركة  لصناعة فجر جديد لا مكان فيه للاستبداد والغطرسة والظلم.

 

معالجة المظالم مهمة وضرورية، و نقطة البداية في هذا السياق كما كتب ودعا الى ذلك بعض المهمومين بقضايا الوطن  تبدأ  أولا بالاعتراف بالمظالم، ثم العمل الجاد لتعويض المظلومين  باستعادة حقوقهم الانسانية وغيرها.

 

هذا لايتم الا في مناخ  الحرية والعدل والمساواة ، أي أن قضية التحول الديمقراطي التي رأى حزبا الأمة القومي والحركة الشعبية أنها "خيار وطني استراتيجي"  يستحيل تحقيقها على أرض الواقع  إذا استمرت القوانين المقيدة للحريات، وإذا لم  تتخذ  أيضا خطوات ايجابية في الاجتماع المقبل في الدوحة بين ممثلي الحكومة والحركات المسلحة  في أكتوبر المقبل.

 

 هناك ترابط وثيق بين التحول الديمقراطي وحل أزمة دارفور، لأنه من غير الممكن عمليا اجراء انتخابات عامة  وشفافة ونزيهة في السودان في وقت تشهد دارفور حربا وتوترا ومعاناة انسانية وحياة قاسية بكل المقاييس .

 

لوحظ ان  البند الخامس في اتفاق  حزبي الأمة القومي  والحركة الشعبية  تضمن موقفا واضحا حول دارفور،فهو أعتبر أزمة دارفور "أزمة سياسية  تتطلب علاجا سياسيا عاجلا قبل إجراء الانتخابات ".

الجانبان أعلنا  في اتفاق المباديء بشكل واضح  أنهما سيعملا على "انهاء الحرب وتحقيق السلام الشامل والعادل" لأهل دارفور،  وتمت الاشارة في هذا الاطار الى مرتكزات مهمة شملت ضرورة  أن يحصل أهل دارفور على المشاركة العادلة في السلطة  ونصيبهم العادل  في الثروة، اضافة الى منح التعويضات الفردية والجماعية وتنمية إقليم دارفور.

 

اهتمام قيادتي الحركة الشعبية لتحرير السودان والأمة القومي  بقضية دارفور تمثل دعما للجهود المبذولة عربيا وافريقيا ودوليا في سبيل معالجة أزمة دارفور، خاصة أن الدوحة تستعد حاليا لاحتضان جولة جديدة للمفاوضات السودانية  بشأن دارفور.

 

أعتقد أن قضية دارفور تشكل اختبارا حقيقا للقوى السياسية السودانية كافة ، لأنها قضية كبرى ، وهي قضية تعكس خطورة الظلم والغبن وغياب المساواة  في خلق مناخ  عدم الاستقرار لا في دارفور فحسب بل في السودان كله.

 

هذا يعني  أهمية  أن تشهد هذه الفترة تواصلا بين السودانيين باختلاف توجهاتهم لانجاح جولة المفاوضات المقبلة في الدوحة حول دارفور، لأنه مثلما كان جنوب السودان هو المدخل لاحلال السلام بين الشمال والجنوب وايقاف الحرب، فان معالجة أزمة  دارفور وفقا لمباديء الحرية والعدالة  والمساواة  تشكل أيضا مفتاح النجاح السوداني على طريق التحول الديمقراطي، الذي لن يتحقق اذا استمرت الحرب في دارفور.

 

أخلص من كل  ذلك  الى الاشادة باتفاق "الحركة الشعبية لتحرير السودان" و"الأمة القومي" ، أرى أنه ليس اتفاقا ثنائيا لتحقيق مصالح الجانبين او لاقتسام "السلطة والثروة" ، بل هو اتفاق للسودانيين  ، لأنه تضمن بنودا  وهموما سودانية عامة،  شملت " ظاهرة الانتشار الممنهج للسلاح" حسب تعبير  البيان المشترك ، كما لفت الى أهمية "عدم  الاستغلال الحزبي لأجهزة وموارد الدولة" .

 

اتفاق  جوبا بين "الحركة الشعبية لتحرير السودان  " و"الأمة القومي"  أطلق صافرة النفير لبقية القوى السياسية وقوى المجتمع المدني ، لتستنفر قواها وتحشد طاقاتها، للخروج برؤى عملية مشتركة في مؤتمر جوبا ، وآمل أن  يشارك في الملتقى المقبل  كل ألوان الطيف السياسي السوداني، تأكيدا لقدرة السودانيين على تجاوز الجراح ، لبناء وطن يتسع للجميع لكن في ظل الحرية والعدالة والمساواة.

 

 برقية: رائع جدا أن تحتضن جوبا عاصمة الجنوب هموم السودانيين وتطلعاتهم في ملتقى  لا يستثني أحدا ، حتى لوكانوا  من دهاقنة  "الاقصاء" والنهج الديكتاتوري.

عن صحيفة (الأحداث) 14 سبتمبر 2009

 

(تم  حزف (برقية) في النص المنشور في الصحيفة.