محمد المكي أحمد

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أكتب من الخرطوم مساء الخميس الرابع عشر من آيار (مايو) الحالي  بعدما شاركت في الملتقى الثاني للاعلاميين السودانيين العاملين في الخارج الذي شهدته قاعة الصداقة على مدى ثلاثة ايام طويلة بكثافة برامجها ،  وقصيرة لأنها لا تروي  ظمأ  العاشقين للسودان ارضا وانسانا وقيما  أصيلة.

 

 كما أشرت في مقالي الاسبوعي الذي نشرته صحيفة  "الأحداث" الغراء يوم الجمعة الماضي فقد  قبلت الدعوة الحكومية  للمشاركة في منتدى الاعلاميين   لاسباب تعود في البداية والنهاية الى دعمي اللامحدود  للحوار بين السودانيين لأنه الطريق الوحيد القادر على مداواة الجراح وفتح آفاق الغد المشرق المنشود.

 

سعدت باجواء الحوار والشفافية الرائعة  التي سادت جلسات المؤتمر، وقد تحدث عدد من الزملاء عن رؤاهم بوضوح  حول قضايا الحريات واهمية  الغاء الرقابة المفروضة على الصحف السودانية، اضافة الى وقضايا عدة مهمة تتعلق بمستقبل الوطن انسانا وارضا.

 

 أجدد  التنويه والاشادة بالسعي الحكومي الى فتح آفاق التواصل مع الصحافيين السودانيين، وخاصة من اهل الخبرة والتجربة والمواقف الوطنية الرافضة للديكتاتورية والمنحازة الى خيار الشعب السوداني في الحرية والعدالة والمساواة.

 

تحدثت في جلسة صباحية أمس خصصت للحديث عن قضايا المغتربين، وعبرت عن آرائي بوضوح تام.

 

تناولت  دلالات انعقاد  الملتقى الثاني للاعلاميين وقلت إنها تعكس مؤشرا بل سعيا حكوميا لمصالحة حكومية مع الصحافيين، وأشدت بهذه الخطوة،  خاصة اننا كنا نوصف في سنوات مضت باننا خونة ومرتزقة وعملاء، وآمل أن تواصل الحكومة هذا النهج حتى  يكتمل مشهد المصالحة باحترام كافة حقوق الصحافيين الذي تضرروا خلال السنوات الماضية من التشرد أو حرموا من حقوق مشروعة  أخرى.

 

ومع  التنويه  بالخطوة الحكومية  الهادفة الى التصالح مع الصحافيين من خلال ملتقى الاعلاميين العاملين في الخارج و بعد فترة جفوة وصدام تمنيت الا تكون المصالحة مع الصحافيين مثل المصالحة  المتعثرة مع الجنوبييين وغيرهم.

 

أشرت في مداخلتي الى العلاقة بين حقوق الصحافيين وقضية وحقوق  المواطنة في السودان، وشددت على أن حقوق الصحافيين السودانيين في الخارج لا يمكن النظر اليها بمعزل عن حقوق المواطنة، وأرى دوما في هذا السياق أنه كلما تعزز حقوق المواطن السوداني تتعزز تلقائيا حقوق الصحافيين، أي أنه يستحيل أن يحظى الصحافي بحرية في وقت تتعثر فيه حقوق المواطن الدستورية.

 

أشرت أيضا خلال مداخلتي في الملتقى  الى مشكلة تعاني منها الحكومة السودانية وقلت إنها تكمن في مشكلة عدم الصدقية، وقلت أن لا أحد يثق فيها ، وأقصد  بعض الشركاء في الحكم، وخاصة الحركة الشعبية لتحرير السودان، كما قلت أن الحركات المسلحة وحركة العدل والمساواة لا تثق في الحكومة، وأنه لا بد من  السعي لبناء الثقة بين كافة القوى السودانية..

 

جددت دعوة  تتضمنها  مقالتي دوما، وهي دعوة الى تعميق الحوار بين السودانيين، لأنني أرى أن السودانيين اذا توافقوا حول قضاياهم الكبرى لن يستطيع أحد ان ينال منا  أما اذا تفرقت بنا السبل فستغرق سفينتنا وسنغرق معا ولن ينجو أحد .

 

تابعت بكثير من الارتياح دلالات مشاركة عدد من الزملاء والزميلات  المهنيين  المعروفين بالخبرة والموقف الوطني عندما تسود مناخات الديكتاتورية وسلب الحريات.

 

  اعتبر مشاركتي ومشاركة عدد من الذين وقفوا ضد الديكتاتورية خلال السنوات الماضية  يمثل اعترافا متبادلا بأهمية التواصل واعترافا متبادلا بيننا والحكومة  باستحالة أن ينفرد نظام أو أشخاص بتقرير مصير السودان والسودانيين.

 

 اعتقد أن المسؤولين  السودانيين قد توصلوا الى قناعة جديدة  باستحالة اسكات الصوت الوطني الآخر بالقمع او المطاردة أو استعداء بعض الدول على الصحافيين السودانيين كما جرى في سنوات مضت.

 

أتمنى في هذا السياق أن يشارك في الملتقى  الثالث العام المقبل عدد من الصحافيين الذين لم يشاركوا في الملتقى الثاني، وهناك زملاء أعزاء لعبوا أدوارا وطنية مهمة في سنوات الشد والجذب، وأعتقد أن الصحافي السوداني المنحاز لهموم أهله والمنحاز للتعددية والديمقراطية قد ساهم في فتح الجسور الموجودة الآن بين الحكومة  السودانية والصحافيين خارج السودان، لأن الصحافي صاحب الموقف لفت الانظار الى استحالة القفز فوق هموم الناس وقضاياهم، كما  ساهم بمواقفه ورؤاه في التأكيد على قيم الحرية والتعددية والمساواة والوصول بأهل الحكم الى مرحلة التلاقي والحوار بدلا عن مرحلة المواجهة والصدام .

 

في هذا السياق  لا بد من كلمة  اشادة بالروح والنبض السوداني الأصيل الذي لمسته ولمسه  المشاركون في الملتقى أثناء اللقاء مع  الرئيس البشير،  وفي كلمة نائب الرئيس على عثمان محمد طه، وفي كلمة مساعد الرئيس الدكتور نافع على نافع  وفي خطاب  السيد الزهاوي ابراهيم مالك وزير الاعلام والاتصالات وفي مداخلات عدد من المشاركين في الملتقى .

 

لكن تبقى الحقيقة الكبرى تكمن في أن وزير الدولة في  رئاسة مجلس الوزراء  السيد كمال عبد اللطيف قد رسم خارطة جميلة لكيفيات التعامل بين الحكومة والصحافيين.

 

كمال  فاجأنا بحيويته وتواصله وتفاعله ولغته الشفافة التي خاطبنا بها ولهذا استحق  التقدير والاحترام ..

 

هذا الرجل ضرب على وتر  حساس عندما كرر  كلاما   قال  فيه " إننا نرحب في الملتقى  بالاعلاميين المعارضين  قبل الموالين  ، وأضاف "مرحبا بالمنتقدين قبل المشيدين".

 ورأى  أن  " الانتقاد  الذي نراه وسمعنا به ما كان في يوم من الايام الا من أجل الوطن الطيب الذي لا تلد نساؤه الا الطيبين ".

وفي اشارة ذات دلالات  تحمل رسالة تقدير للاعلاميين السودانيين في الخارج    خلص الى أنه  // ليس من ابناءالسودان من يكون عميلا أو خائنا لوطنه" .

 

 هذه لغة جديدة في التعامل مع الصحافيين السودانيين من أصحاب المواقف المنحازة للحربة والديمقراطية، وهذا توجه منطقي وعقلاني ومطلوب ، وأدعو الى  تعميق هذا النهج في التعامل مع كل ابناء الوطن حتى تتم معالجة الكثير من المشكلات والقضايا التي تهدد استقرار الوطن.

 

 في هذا السياق أقول إنني سعدت بمقابلة  السيد الفريق  بكري حسن صالح وزير رئاسة الجمهورية أكثر من مرة وهو أحاطتني بروح تقدير وحميمية أقدرها وأحترمها ، وكنت كتبت في مقال قبل أشهر عن قصتي مع السيد بكري في سنوات مضت عندما التقيته في الدوحة في زمن كان فيه أهل الانقاذ  يهددون كل صاحب رأي بالويل والثبور وعظائم الأمور.

 

 في سنوات ساخنة قال لي السيد بكري وكان وقتها وزيرا للداخلية " إنني   أقرأ مقالاتك  (خارج السودان) التي تنتقد فيها الحكومة بشدة لكن يبقى الوطن هو القاسم المشترك بيينا.

 

هكذا تحدث بذوق وحكمة  في سنوات  سادتها عنتريات كثيرة ، ولهذا أحيى هذا الرجل  وأحيي كل من يتحدث بحكمة ومسؤولية  عن قيم المشاركة والتعددية والانتخابات الحرة المقبلة ، وهنا أحيى   الرئيس البشير وعدد من  المسؤولين الذين شددوا على السعي لاجراء    انتخابات حرة ونزيهة.

 هذا تعهد مهم وتاريخي يتطلب الدعم من كل القوى السودانيية سواء  المدنية أو المسلحة في سبيل غد يبنيه الجميع بعقولهم وسواعدهم ، فالسودان يواجه الآن تحديات خطيرة، ولا سبيل لمواجهتها الا بتكاتف أبنائه  عبر مسيرة  حوار شامل ومسؤول   .برقية : روعة السودانيين تكمن في قيم التواصل الاجتماعي رغم تباين الرؤى وطرائق التفكير، عشتم وعاش الوطن.