محمد المكي أحمد

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

تلقيت دعوة  للمشاركة في ملتقى الاعلاميين السودانيين الذي سيعقد يوم الثلاثاء المقبل، وكنت تلقيت دعوة للمشاركة في المؤتمر الأول  للاعلاميين السودانيين العاملين في الخارج الذي عقد في العام 2006.

 

في المرة الأولى تلقيت الدعوة في تاريخ  متأخر، وكنت وقتها  أقضي اجازة مع اسرتي في لندن التي غادرتها الى باريس، وفور وصولي الى العاصمة الفرنسية تلقيت مكالمة هاتفية  تشير الى ضرورة عودتي مرة أخرى الى لندن للسفر الى السودان على متن طائرة للخطوط الجوية السودانية اذا كنت راغبا في حضور المؤتمر.

 

لم اتردد في قطع  اجازتي لأعود الى العاصمة البريطانية ، حيث  قضيت ليلة واحدة في باريس، وكنت مضطرا  لشراء  تذكرة سفرالى احدى المدن الفرنسية  حتى الحق  من هناك   بطائرة أخرى  متجهة  لندن.

 

 تلك الدعوة المربكة أطاحت بخططي بشأن زيارة مواقع عدة في باريس، وكان يمكن أن أعتذر عن تلبية الدعوة لحضور المؤتمر الاول للاعلاميين السودانيين في الخارج لأسباب موضوعية ، منها تلقي الدعوة  قبل أيام  معدودة، اضافة الى أنني وصلت باريس قادما من لندن لقضاء اجازة في عالم فرنسي زاخر بالمعالم الجميلة ومواقع التنزه والوقوف على مختلف اوجه الابداع الفرنسي.

 

وافقت على المشاركة في المؤتمر الاول للاعلاميين السودانيين العاملين في الخارج رغم الدعوة المتأخرة ووجودي في باريس وليس الدوحة حيث أعمل منذ خمس وعشرين سنة، انطلاقا من قناعتي بأهمية المشاركة وضرورة  التعبير عن آرائي التي كتبتها  بقناعة تامة  منذ  الأيام الاولى التي اعقبت انقلاب الثلاثين  من يونيو 1989 ومازلت متمسكا بها ، وهي ترفض الانقلابات العسكرية ، وتنحاز الى التعددية والديمقراطية والحرية والعدل والتداول السلمي للسلطة في السودان، وقد دفعت ثمن غاليا بسبب  آرائي،  وشمل ذلك  تشردا  قاسيا خارج الوطن على مدى 14 عاما متواصلة، وقد حرمني ذلك من زيارة الأهل في  اجازاتي السنوية.

 

أعود للمؤتمر الأول ، وقد  رأيت أنذاك أن  دعوتي من الحكومة  للمشاركة في المؤتمر الاول للاعلاميين يشكل  تطورا في نظرة النظام الحاكم  تجاه بعض الصحافيين  أصحاب الرأي الآخر، وكانت نظرة قادته في تلك السنوات  تركز  على نهج المطاردة والقمع  اللامحدود  والقسوة في التعامل مع السودانيين في الداخل والخارج.

 

 في الجلسة الاولى للمؤتمر الاول للاعلاميين أشرت الى أن النظام كان ينظر الى بعضنا باعتبارهم  خونة وعملاء ومرتزقة، والآن يدعونا للمشاركة في المؤتمر.

 

  رحبت أمام زملائي  الصحافيين  ومنظمي  المؤتمر   بالتطور الي طرأ على  موقف أهل الحكم تجاه بعض الصحافيين من  أصحاب المواقف  الداعمة لحقوق  الشعب السوداني في الحرية والتعددية والديمقراطية.

  أكدت في المؤتمر السابق  أن مواقفي بشأن حقوق السودانيين في الحرية والديمقراطية والتعددية والعدل ثابتة لا تتغير، وقلت   إنه  إذا كان الهدف من الدعوة للمشاركة في المؤتمر تسعى الى   التطبيل  للنظام فانا شخصيا   لن أطبل لا للنظام الديكتاتوري ولا للنظام الديمقراطي.

قلت التطبيل  ليس  مهمة الصحافي ، فمهتمه هي الانحياز لحقوق أهله  وقضاياهم العادلة، وكررت هذا الموقف  في لقاءات مع الاذاعة السودانية التي احترم مبادراتها و التي اتاحت لي أكثر من مرة فرص التعبير عن آرائي  بشفافية، وآخرها حوار قبل أشهر .

 

 في هذا السياق أشير الى أنني قبل أكثر من خمس سنوات عدت الى السودان بعد نحو 14 عاما متواصلة  قضيتها خارج السودان بسبب كتاباتي التي تدافع عن حقوق الشعب السوداني التي سلبها انقلاب الثلاثين من يونيو 1989.

 

 العودة للوطن  هي حق لكل مواطن،  لكنها جاءت بعد انفراج ملوس شهدته الساحة السياسية السودانية، خاصة  قبيل وبعد اتفاق نيفاشا الذي أوقف الحرب في الجنوب  وأشاع أجواء  حراك سياسي وحيوية  في الشارع السياسي.

 

وكنت أشرت في  جلسة  صباحية في المؤتمر الأول للاعلاميين السودانيين في الخارج الى الانفراج النسبي للاوضاع في السودان  الذي أتاح هامشا محسوسا للتعبير عن الآراء  والمواقف والرؤى المختلفة .

  أعتقد  في هذا الاطار بأن فكرة عقد مؤتمر للاعلاميين السودانيين في الخارج في الخرطوم هي فكرة جيدة، لكن ينبغي درس التجربة، ولماذا لم يعقد المؤتمر سنويا كما أعلن في الجلسة الختامية للمؤتمر الأول؟ولماذا لم  تنفذ  توصيات وقرارات المؤتمر الأول؟.التساؤلات كثيرة، ومنها ما هي معايير اختيار الصحافيين الذين تتم دعوتهم للمؤتمر، وقد اشرت في مداخلتي  في المؤتمر الأول  الى أنه كان ينبغي دعوة عدد من الصحافيين المهنيين الذين يشرفون الوطن بوجودهم داخل أعرق المؤسسسات الصحافية العربية والدولية، وكنت ومازلت  أتمنى أن يشارك بعض زملائي ممن اعلنوا مقاطعة المؤتمر وبينهم الأخ الصديق الأستاذ طلحة جبريل .

 تمنى

 في هذا الاطار اشير الى أن جلسة من جلسات  المؤتمر الأول شهدت إخراجا غير موفق بالنسبة لتحديد المتحدثين الذين اتيحت لهم فرصة الكلام على الهواء مباشرة بحضور الرئيس عمر البشير ، وكان  أبلغني أحد منظمي  المؤتمر بانني المتحدث الثالث في تلك الجلسة، لكن المفاجأة أنه لم تتح لي فرصة الكلام أمام السيد الرئيس، وربما فكر  ثم قدر  أحدهم أو بعض ممن لا يريدون أن يسمع الرئيس كلاما مغايرا للنغمة الواحدة المكررة التي رددها عدد من المتحدثين مع بعض الهتافات  ، وهذا من حقهم، لكن حرماني من الكلام يدل على طبخة مع اخراج سيء لم يفكر من نفذه في دلالات  اتاحة فرصة لصاحب راي آخر على سبيل التلويح بمناخ الانفراج  حتى لو كان مخنوقا.

 

كنت أنوي أن أحيي  الرئيس البشير   على خطوات الانفراج السياسي وأدعوه لمزيد من الخطي على طريق الحق والعدل والحرية والمساواة، وكنت أنوي الكلام  عن أزمة دارفور وأهمية معالجتها بالحوار و بالعدل والمساواة .

  لم يكن في ذهني اطلاقا  رغبة في مهاجمة النظام بشكل سافر، بل كنت وما زلت أحرص على التعبير عن أفكاري وآرائي  بعيدا عن الشتائم ولغة الاستفزاز، وهذه هي اللغة التي استخدمتها في السنوات الساخنة عندما  كتبت  عمود "سوادانيات" في صحيفة العرب القطرية في مرحلتها الأولى، وهو عمود أفخر به، لأنه جسد  قناعاتي وحبي للوطن وانسانه النبيل كما أكد   انحيازي للحرية والتعددية في السودان.

 رغم كل ماجرى في المؤتمر الاول للاعلاميين السودانيين في الخارج ،أخلص من كل هذا السرد  الى أنني سأشارك ان شاء الله  في الملتقى  الثاني للاعلاميين،  دعما لقيم  الحوار بين السودانيين، وتعزيزا لأية خطوة صغيرة او كبيرة  تهدف  لاشاعة أجواء الحرية والعدل والمساواة ، كما ساشارك لدعم  دور الصحافي السوداني في الداخل والخارج ليؤدي دوره في دعم الوطن  لا الأنظمة السياسية   ولا  الأشخاص باختلاف انتماءاتهم وأحزابهم  ومناطقهم.

 

ومن دون شك فان معايير الدعم للوطن تتباين من شخص لآخر، لكنني أتمنى أن يكون المؤتمر ساحة   خضراء  تنتصر للحرية والديمقراطية والصحافة الحرة ،و ساحة حيوية  لمعالجة هموم الصحافيين السودانيين في الداخل والخارج من دون كبت للآراء ، أوتشنج في طرح المواقف والأفكار، حتى لا يكون المؤتمر مجرد تظاهرة سياسية تنتهي في حفلة الاختتام .

 

هموم الصحافي السوداني كثيرة، ويكفي الاشارة مثلا  الى  استمرار نهج اغلاق هذه الصحيفة او تلك  بجرة قلم من دون احتكام لقانون عادل،  ويكفي التذكير   بوجود  رقابة أمنية داخا  الصحف السودانية، كما  يكفي لفت الانظار  الى الجدل الي أثاره قانون الصحافة الجديد حتى في اوساط مؤيدة للحكومة.

 

الصحافة كما تعلمون هي المرآة التي تكشف طبيعة ملامح وخفايا  الوجه السوداني ، وآمل أن تكون اطلالة وجه الوطن خالية من الحروب والمجاعات والكبت والقهر والمؤامرات والانقلابات التي تضر ولا تنفع وتشتت السودانيين ولا تجمعهم.

 

 قلت في ندوة عقدت في الدوحة قبل فترة أنني مثلما رفضت انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 وكتبت أقوى المواقف ضد سياساته ومازلت أكتب عن ضرورات الحرية والعدل  ،  قلت إنني أرفض اليوم وغدا أي انقلاب عسكري على الرئيس عمر البشير، لأن أي انقلاب  عسكري  سيعيدنا الى نقطة الصفر، والسوداني "الأغبش" والحزين والموجوع يريد وطنا مستقرا لا يتبادل أبناؤه أدوار القتل والتشريد المتبادل والتصفية المتبادلة، سواء كانت تصفية تسمى الاحالة للصالح العام للموظف الذي يرمى به  في الشارع من دون عمل، أو تصفية دموية أو اقتتالا أو  حربا ضد حقوق الانسان.

 

 و  ستظل كل هذه المسميات المدمرة  العنوان الابرز في صحافة العبروالعالم وفي  القنوات الفضائية، لاشيء يغير من صورة السودان الحالية المضطربة  في اذهان الناس  في الداخل والخارج الا مشهد تكاتف وتوحد  ابنائه من خلال تحول ديمقراطي يتبادل فيه المتنافسون الأدوار الوطنية بمسؤولية وشفافية  ويتنافسون أيضا في سبيل  بناء وطن ديمقراطي حر مستقر.

 

اذا  أشعت شمس التحولات  الديمقراطية الحقيقية  الكبرى سلميا وبالحوار سيتعزز دور  صحافة السودانية  و ستتعمق أدوار اقلام أبناء الوطن في الداخل والخارج لتغرس المزيد من الغراس والأشجار الخضراء في حقل الوطن .

 

  وفي مثل تلك الاجواء المنشودة  سيتم ستصحح  أجواء التعافي والتسامح والعدالة  والمساواة  مفاهيم  خاطئة كثيرة موجودة في أذهان  بعض السياسيين  ، خاصة من أهل الحكم ،  ومن  قوى سياسية أخرى  ، فاولئك  يعتقدون بأن  الكتابة الصحافية  عن سلبياتهم وسياساتهم الظالمة هي تشويه للسودان، وكأن السودان هو شخص او جماعة أو حزب، وليس قيما وطنية وتاريخا مشرقا و"نفيرا" ومحبة للناس والأرض،  فالبعض يريد الصحافي أن يكون منساقا  انسياقا أعمى خلف الشعارات والأفراد والحكومة  -أيا كان- من يجلس على الكراسي الساخنة بالأمس واليوم وربما في الغد اذا لم نحتكم بصدق  الى قيم الحوار والشفافية والعدالة والحرية، وفي المقدمة حرية الصحافة  التي تحتكم الى قانون عادل وعصري وممارسات مسؤولة لا مكان فيها أيضا للشتائم والتجريح والافتراءات والمزاعم والاحقاد الشخصية.

 

برقية: من يزرع الشوك  يحصد المواجع تلو المواجع ،  ومن يزرع شجرة الحرية والعدالة  يحصد الحب و يبني  الوطن

.                                                    عن صحيفة(الأحداث)