محمد المكي أحمد

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

   شكلت زيارة وفد  حركة العدل والمساواة الى قطر يوم الاثنين الماضي ،برئاسة  الدكتور جبريل ابراهيم  المستشار الاقتصادي لرئيس  الحركة وعضوية الناطق  الرسمي باسم الحركة أحمد حسين آدم ،أول حدث من نوعه  بعدما أعلنت حركة العدل تعليق مفاوضاتها مع الحكومة السودانية  في العشرين من مارس 2009.الزيارة  تمت بدعوة من الخارجية القطرية التي تتولى بجدارة وجدية  ملف المفاوضات بين الحكومة السودانية وحركة العدل، بناء على تكليف عربي  للدوحة لترأس  اللجنة العربية الافريقية المعنية بسلام دارفور.مسؤولو الخارجية القطرية وحركة العدل والمساواة أجروا   مشاورات مكثفة وتبادلوا وجهات النظر  بصراحة وبروح المكاشفة ، بعيدا عن الأضواء، وهذا أمر مفهوم  في سبيل ابعاد  حمى الضغط الاعلامي عن هذا الملف المعقد، وأعتقد أن هذه المشاورات مهمة ومطلوب استمراريتها . المؤكد  أن المشاورات التي جرت بين الدوحة وحركة العدل  يوم الثلاثاء الماضي  تأتي في سياق   سعي قطر  للحوار مع الاطراف المعنية بأزمة دارفور ، ويشمل ذلك  الحكومة السودانية والقوى السياسية وقوى المجتمع المدني والأهلى الدارفوري والدول الافريقية وخاصة تشاد وليبيا وواشنطن وفرنسا وبريطانيا في سبيل عقد جولة مفاوضات جديدة لطي ملف الحرب في دارفور .لكن واقع الحال يشير الى أن  عقبات طرأ ت خلال نحو شهرين  وحالت دون عقد جولة مفاوضات موسعة بين الحكومة وحركة العدل  وكانت متوقعة بعد القمة العربية  الأخيرة في قطر، وهي عقبات حولت  الهدف من  زيارة حركة العدل  للدوحة  خلال الأيام القليلة الماضية  ليكون محصورا  في التشاور مع القطريين لا التفاوض مع وفد حكومي هذا معناه  أن زيارة  وفد حركة العدل والمساواة الأخيرة  للدوحة رغم أنها جددت التأكيد على  جدية واستمرارية  مسعى القيادة  القطرية وحرصها على أن تكون الدوحة ساحة لقاء حميم  بين الفرقاء السودانيين، كما أكدت الزيارة  حرص حركة العدل على استمرار التواصل مع القطريين، الا أن الوجه الآخر للمسألة يؤشر الى أن تجميد المفاوضات بين الجانبين السودانيين( الحكومة والعدل) يعني أن عقبات  لا يستهان بها تحول  حاليا  دون استئناف   المفاوضات.في مقالي الأسبوعي الذي نشرته  "الأحداث" بتاريخ   13 مارس  2009 كتبت تحت عنوان "اطلاق الأسرى والمعتقلين اختبار لصدقية الحكومة وحركة العدل"، وخلصت  الى أن هناك قضيتين ينبغي أن توليهما الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة أهمية اضافية حتى يحين موعد الاجتماع المقبل  بين الجانبين.هذا الاجتماع الذي لم يتم  كان متوقعا  لكنه لم يحدث لأن مياها  كثيرة جرت تحت جسر الأزمة السودانية خلال الشهرين الماضيين، وبالتحديد منذ  توقيع الطرفين السودانيين المتقاتلين  في دارفور على   اتفاق حسن النوايا وبناء الثقة في العاصمة القطرية.أشرت في المقال الاسبوعي قبل أكثر من شهر الى ضرورة ان يلتزم طرفا "اتفاق حسن النوايا وبناء الثقة" بتنفيذ بنود الاتفاق، وخاصة البند (ج)  الذي  نص على ان يطلق الجانبان الأسرى والمسجونين والمحكومين والمحتجزين والمعتقلين بسبب النزاع في دارفور في سبيل "بناء الثقة". و أكدت مجريات الأحداث حتى الآن أن الثقة ليست مفقودة فحسب بل تحتاج الى اجراءات سريعة حتى لا تنهار المقدمات الايجابية التي حدثت في الدوحة في سبيل التأكيد على حسن النوايا من أجل بناء الثقة في فترة لاحقةأجدد القول إن الكرة في ملعب الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة ، فملف الأسرى شهد مبادرة من الطرفين باطلاق عدد  منهم   بعد اتفاقهما المبدئي في الدوحة، لكن لم تستمر هذه العملية، ومطلوب أن يتم تحريك هذا الملف، خاصة أن قضية طرد عدد من منظمات الاغاثة قلبت طاولة المفاوضات، وأعادت أجواء التفاوض بين الحكومة وحركة العدل الى مناخ   شديد السخونة وتسوده عوامل الشد والجذب. لا يكفي أن تسلم الحكومة وحركة العدل قائمة الأسرى للقطريين، فالمطلوب خطوة عملية شاملة تنزع حال الاحتقان والتوتر الشديد في علاقة الطرفين، خاصة بعدما فاقمت عملية طرد منظمات الإغاثة من حمى الصراع بين الجانبين.أرى  أن  الفرصة لم تضع حتى الآن ، وفي مقدور الحكومة أن تطلق سراح المعتقلين في سياق عملية تبادل شاملة  في هذا الشأن مع حركة العدل والمساواة.صحيح أن ملف الأسرى والمعتقلين والمحكومين  يستخدم حاليا كورقة ضغط، لكن هذه الورقة لا ينبغي الاستمرار في ادارتها بشكل خاطيء ومستمر ، حتى لا تنفجر الاوضاع بشكل يفاجيء الجميع وحتى لا يؤدي ذلك الى نسف الجهود القطرية التي تسعى لخير السودانيين من دون استثناء.في هذا السياق يحتاج الفرقاء السودانيون كافة الى اعادة قراءة الموقف القطري الذي تجلى بصورة أكثر وضوحا في لقاءات أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مع رئيس الوفد الحكومي الى جولة المفاوضات الأولى في الدوحة دكتور نافع على نافع مساعد الرئيس السوداني، ومع رئيس حركة العدل والمساواة دكتور خليل ابراهيم ، فالطرفان استمعا الى تعهد قطري واضح بمساعدة السودانيين على حل خلافاتهما بل استمعا الى تعهد بدعم عملية الإعمار في دارفور، وهذا هو الأهم والأنفع لأهل دارفور والسودانيين.في 14 يناير  2009 حددت قطر موقفا شفافا عندما شدد رئيس الوزراء ووزير الخارجية  ورئيس اللجنة العربية الافريقية المعنية بملف دارفور الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني في الأجتماع الأول لتلك اللجنة  في الدوحة على  أن قطر تسعى   مع الشركاء الدوليين الى البحث عن حل ناجع ونهائي لأزمة دارفور.الشيخ حمد بن جاسم  أكد استمرار التشاور مع الحركات المسلحة ، والأهم في هذا  السياق  أن قطر  أعلنت على لسان رئيس وزرائها  وهي متمسكة بموقفها أنه "لا بد من تنازلات من الأطراف المختلفة  بهدف الوصول لحلول مرضية  للأزمة تضمن حلا عادلا ودائما واستصحاب الاتفاقات السابقة والبناء على ما أنجز عليها ومراعاة التمثيل المتوازن في المفاوضات المقبلة والاعداد الجيد للمفاوضات بما يساعد على نجاحها". هذه رؤية واضحة  تركز  أيضا على  أن "الحل النهائي لمشكلة دارفور يجب أن يستند الى الاجماع الوطني الواسع والهادف الى حل عادل وشامل ودائم يوقف الحرب، ويكون مدخلا الى سلام مستدام يقوم على اعتماد الحوار وسيلة وحيدة لحل القضايا والتأكيد على وحدة السودان وصون ترابه".هذه الرؤية القطرية أشير مجددا الى   أبعادها  ، لأن التأمل و التذكير  ربما ينفع  الجميع  في غمرة أجواء متوترة بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة، وفي ظل مناخ قد يفاجيء الجميع بتطورات سلبية في حال انقطع حبل المفاوضات.أكرر ما قلته  في مقال سابق وأقول إن  "التنازلات " ضرورية، إذا اردنا أن يجتاز الوطن مرحلة خطيرة بكل المقاييس ، وهي مرحلة تهدد باسوأ العواقب إذا لم يعد المتقاتلون الى مائدة المفاوضات والحوار في وقت قريب.أجدد القول  مناخ الدوحة هو الأفضل لاحتضان الهم السوداني والوجع السوداني، من أجل غد  يساعد القطريون على تهئية الأجواء لبلوغه، لكنه غد يضع مرتكزاته و يبنيه أبناء وبنات  السودان من كل ألوان الطيف. برقية: تنفيذ بنود اتفاق "حسن النوايا وبناء الثقة" الذي وقعته الحكومة وحركة العدل والمساواة مفتاح للخروج من أزمة تعليق المفاوضات والحوار.      عن صحيفة (الأحداث)