محمد المكي أحمد

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

   هذه الأيام تقود واشنطن  أكثر من تحرك  في أكثر من ساحة اقليمية ودولية باتجاه بلورة وتعميق مفاهيم  قيم  الحوار  و"الشراكة" التي تشكل أهم وأبرز العناوين المرفوعة  حول  كيفيات تعزيز التعاون  بين الدول في هذا العصر. الحوار و"الشراكة"  يشكلان  أيضا عنوانين مهمين ومطلوبين بالحاح في سياق  السعي خاصة في  السودان لتحقيق ارضية ثابتة ودائمة   للتفاعل  بين الحكومة - أية حكومة-    وشعبها  في اطار تمسك حازم وحاسم  بقيم الحرية والعدل والمساواة .أعتقد في هذا السياق أن جولة الرئيس الأميركي باراك أوباما الأوروبية الاولى ،  وزيارته التاريخية  لتركيا قبل ايام  عكست  تطورا مهما في سياق رؤى أوباما التي تتحدث عن  مفاهيم الحوار والتفاهم، بدلا عن لغة الهيمنة والغطرسة والتعالي والاستبداد التي سيطرت على سياسات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، وأضرت بسمعة أميركا في العالم.رسائل أوباما خاصة التي أطلقها في تركيا، والتي تضمنت تشديده على عدم معاداة المسلمين، وحرصه على  الحوار أي بناء شراكات تقوم على التعاون والتفاهم ، اضافة الى موقفه بشأن فلسفة الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية، كل ذلك  يؤكد أن الرئيس الأميركي يسعى لرسم خارطة "شراكات " جديدة في العالم.أوباما بعث برسالة مهمة وتاريخية للعرب والمسلمين عندما أكد تقدير  الولايات المتحدة الأميركية للاسلام ، وأن واشنطن لن تدخل في حرب ضد الاسلام .لم يكتف الرئيس أوباما في تركيا  باعلان موقف ايجابي مسؤول ويتسم بالنضج الفكري والسياسي ومنسجم مع تعهداته للناخبين قبل الفوز بالمقعد الرئاسي  فحسب، بل  ربط ذلك بتشديد على أن العلاقة بين الغرب والاسلام يجب أن تقوم على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.هذه التطورات تحتاج الى قراءة حكومية سودانية جديدة لكيفيات بناء علاقة "شراكة" مع واشنطن تقوم على الحوار والتفاهم والتعاون والاحترام المتبادل  ، لخدمة المصالح المشتركة .أي تطور ايجابي في العلاقات السودانية الاميركية سيخدم  هدف  التوصل الى معالجات لأزمات السودان، سواء تلك  التي تتعلق بأزمة دارفور، او ما يرتبط بقضايا التحول الديمقراطي، في عالم أصبحت فيه حقوق الانسان والحريات شروطا تحدد خارطة العلاقات الدولية، على رغم ازدواجية المعايير في السياسات الدولية.في سياق تطورات سياسة اوباما  جاءت زيارة المبعوث الأميركي الجديد الى السودان، وهي عكست أيضا رسالة مهمة تؤشر الى سعي  واشنطن على مد جسور الحوار مع الحكومة السودانية. لكن هذا لا يعني أن واشنطن ستشطب ملفات خلافاتها مع الحكومة السودانية بجرة قلم، أو ستغض الطرف عن  قضايا خلافية مع الخرطوم،  خاصة  في ظل تباين مواقف الطرفين حول القرار الحكومي السوداني بطرد بعض  منظمات الاغاثة الغربية من دارفور  بتهمة "التجسس والتخابر" وفقا للرواية الرسمية المكررة.في مقالي الأسبوعي في "الأحداث" بتاريخ 20 مارس الماضي كتبت  تحت عنوان "دعوة لشفافية سودانية في ضوء تجربة شراكة قطرية أميركية"، مشيرا الى توقيع اللجنة الوطنية القطرية لحقوق  الانسان في قطر اتفاقا مع مركز التضامن العمالي الأميركي وهو منظمة غير حكومية تعنى بحقوق العمال.ركزت في المقال على قضية "الشراكة"كقيمة انسانية عصرية، وفي برقية لم تنشر في نهاية ذلك المقال ولا أعرف السبب  ونشرها موقع "سودانايل" على الشبكة العنكبوتية  تساءلت في البرقية " لماذا لا  تعطي الأولوية  لبناء "قضاء سوداني مستقل"،  ليلعب دور   الحكم العادل، في حسم  الخلاف أو التهم المتبادلة  بين الحكومة السودانية  وبعض  منظمات الاغاثة الغربية  في دارفور؟"هنا  لا أنفي ولا أتبنى منطق الاتهامات الموجهة  لبعض المنظمات الغربية،  وأعتقد أن الشفافية مطلوبة في هذا المجال حتتى تتضح الصورة ، وفي  هذا السياق أعجبني تصريح  بثته قناة الجزيرة صباح أمس الخميس أدلى به الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان السيد باقان أموم دعا فيه الى تقديم المنظمات  التي طردتها الحكومة والمتهمة بالتجسس الى المحاكم مادامت متهمة بالتجسس،  أي أنه يريد حسم المسألة قضائيا لا كلاميا أو إعلاميا إذا كانت بعض المنظمات متهمة بالتجسس، وكلام باقان موضوعي وجدير بالاهتمام ويستحق التقدير والتأمل.كلام باقان  يعبر عن المعنى نفسه الذي كتبته   في  20مارس الماضي، وأعتقد أنه ينبغي أن نحتكم الى قضاء مستقل  في حال وجود تهم خطيرة مثل تهم العمالة والتجسس، والا فان من المنطق السليم يقول إن من يلقي بالتهم جزافا بعيدا عن ساحات القضاء  في مثل هذه القضايا الخطيرة سيثير الشكوك حول قضيته،  وربما يعرض نفسه للمثول أمام   العدالة أيضا.أجدد قناعتي التي كتبتها في مقال سابق،  واقول  إن "عالم اليوم عنوانه الابرز الشراكة، وليس في مقدور أي بلد خاصة في العالمين العربي والاسلامي أن يكون في منأى من التدخلات الخارجية وحتى من المؤامرت الأجنبية إذا لم يسع الى اشاعة التشفافية في التعامل مع الآخر واحترام حقوق الانسان والعدل والمساواة بين الناس في مناخ تظلله قيم الحرية والديمقراطية".خلاصة القول أن الحكومة السودانية  مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى باخضاع  سياساتها داخليا وخارجيا الى مراجعة شاملة لتبني "شراكة" من الداخل أول مع الانسان السوداني، ويشمل ذلك من دون شك القوى السياسية التي أكدت وطنيتها ونضجها، وهي تتعامل مع تبعات مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بوعي وحكمة. المراجعة للسياسات مطلوبة بشأن  بحقوق المواطنة عموما، وهذا يشمل السودانيين من دون استثناء  ، وفي صدارتهم "أهل الوجعة" في دارفور وكردفان.إذا سعت الحكومة  الى  صناعة  مرتكزات جديدة لبناء "شراكة" وطنية حقيقية لا ديكورية أو وقتية تنفعل فقط بالأحداث، فانها ستكون  من خلال اعادة ترتيب البيت من الداخل قادرة على مخاطبة القوى الدولية من أرضية "الشراكة الوطنية" لا من منطق أحادي لن ينجح في بناء  تفاهمات وعلاقات  قوية وقابلة للاستمرارية  مع الدول الكبرى  الا اذا سعت الحكومة الى تقديم تنازلات "مشروعة" وطبيعية  لمواطنيها من أجل الاحتكام الى معادلة الحقوق والواجبات التي تساوي بين جميع السودانيين .تصريحات الرئيس  أوباما تعني أن أكبر دولة في العالم بدأت بالفعل مراجعة سياسات فاشلة وظالمة  طبقتها الادارة الأميركية السابقة، وهذا معناه أن عالما جديدا  في طور  الولادة  من دون صيحات و على نار هادئة.أعتقد أن أمام الحكومة السودانية  و خاصة صناع القرار  فرصة لاستثمار مناخ دولي ايجابي نابع من الفوز التاريخي للرئيس أوباما الذي يخاطب الآخرين حتى الآن بمنطق معقول ومقبول في أوساط اقليمية ودولية عدة، وآمل أن يواصل هذا النهج لتحقيق العدالة والانتصار للحريات وحقوق الانسان في العالم بعيدا عن منطق "الصفقات" الذي مارسته إدارة بوش.هذا لا يعني  توقع حدوث  تطابق في وجهات النظر السودانية الأميركية، وعموما لا أؤمن بما يدعيه المسؤولون العرب ومسؤولو العالم الثالث بوجه عام  بشأن كلامهم عقب المؤتمرات والاجتماعات   حول وجود تطابق في وجهات النظر بشأن "القضايا ذات الاهتمام المشترك". هذا تعبير عجيب ومضلل،  ففي الغالب  يصدر هذا الكلام والناس لا تعرف ماهي القضايا ذات الاهتمام المشترك، أو القضايا محل الاختلاف أو الاتفاق .أدعو الى تحديد نقاط الخلاف مع الآخرين بشفافية بعيدا عن الانفعالات، فالسودان الآن يواجه تحديات لا حصر لها، لكنني كما قلت في مقال سابق تزامن مع اعلان فوز اوباما  ما زلت أرى أن فوز الرئيس  أوباما فرصة لعلاقات دولية مستقرة يسودها الحوار والتعاون لخدمة المصالح المشتركة بعيدا عن غوغائية السياسات الأميركية السابقة في العراق وافغانستان، وبعيدا أيضا عن العنتريات والانفعالات الحكومية السودانية في تعاملها مع أميركا والغرب والمنظمات الانسانية .برقية: مواقف اوباما الداعية للحوار فرصة لاعادة بناء العلاقات السودانية الأميركية استنادا الى  قيم الشفافية والمصالح المشتركة .                                        عن    (الأحداث)