عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الملف الدارفوري سجل حضورا كثيفا  في العاصمة القطرية  يومي الاربعاء والخميس الماضيين (26 و27 مايو 2010 ) ، إذ شهدت  الدوحة سلسلة لقاءات بين كبار المسؤولين القطرين يتصدرهم أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني  ومستشار الرئيس السوداني  ومسؤول ملف دارفور الدكتور غازي صلاح الدين في حضور رئيس الوفد الحكومي السوداني  الى مفاوضات الدوحة وزير الدولة الدكتور أمين حسن عمر.

الاجتماعات تواصلت   بمشاركة   رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وهو رئيس اللجنة العربية الافريقية الدولية المعنية بملف دارفور مع أطراف سودانية ، كما عقد اجتماع بين  وزير الدولة للشؤون الخارجية  السيد أحمد بن عبد الله آل محمود  في وزارة الخارجية في حضور الوسيط الافريقي الدولي السيد جبريل باسولي و الوفد الحكومي السوداني الى مفاوضات الدوحة بشان دارفور.

جهود القطريين الجادة والايجابية  بشأن  المساهمة في حل أزمة دارفور  لم تتوقف منذ  فترة طويلة،  استغرقت الكثير من وقتهم وأعصابهم ومالهم،   في سبيل مساعدة السودانيين على طي ملف المواجع  ، وبهدف  اغلاق ملف الأزمة السودانية في دارفور.

 قناعتي  الراسخة  أن الدوحة تمثل البلد  الأفضل والموقع الأكثر دفئا  لاحتضان الهم السوداني، وهي صبرت كثيرا ،  وما زالت صابرة بوعي واردة  على  تناقضات الأطراف السودانية المعنية بأزمة دارفور.

 قطر  تدرك أنها  تقدمت  الصفوف العربية والافريقية والدولية من أجل اطفاء نار الحرب في دارفور  بسبب توافر سمات تميزها دون غيرها، وهي خصائص تضع على كاهل القطريين  تحديات و مسؤولية متزايدة . الدوحة تحملت ومازالت حتى الآن  تتحمل تلك الأعباء   بجدارة، لأنها من دون أجندة خفية، أي أنها ليست  مع هذه الجهة  أو ضد هذا الطرف أو ذاك، فهي  مع السودانيين كافة .

هذا الكلام نتاج خبرة ومعايشة  لأهل قطر، ومحصلة متابعة يومية لفلسفة القيادة القطرية في الحكم والتحليل للقضايا والمشكلات، وليس كلام مجاملات أو تنظير أو نفاق في زمن النفاق .

يكفي الاشارة في هذا السياق  الى أن الدوحة سيتظل بظلالها السودانيون كافة،  من كل اقليم، ومن مختلف ألوان الطيف، ورغم تقلبات الأوضاع في السودان، وتغير الأنظمة والحكومات والوجوه على مدى سنوات عدة.

هذه الحقيقة  لا تلغي  حق أي سوداني أو حقوق  الأطراف السودانية كافة،  وبينهم حركة العدل والمساواة وبقية الحركات والمعنيين بالأزمة في ابداء الرأي والملاحظات بشأن سير المفاوضات وما يوصف بآلياتها .

 لكنني أنبه الى ضرورة ضبط الخطاب السياسي وتحديد مقاصده عندما يتم انتقاد منبر الدوحة حتى لا تختلط الاوراق وتتبعثر الرؤى ونظلم من يريد للسودانيين الخير والاستقرار.

أسعدني أن وزير الدولة القطري السيد احمد بن عبد الله آل محمود الذي تغنى في الاشادة به أطراف الازمة السودانية كافة قد جدد الدعوة لحركة العدل والمساواة للمشاركة في جولة مقبلة في مفاوضات الدوحة.

 أعتقد أن هذه الدعوة كما قلت في حديث لقناة "الشروق" يوم الأربعاء (26 مايو 2010)  مهمة،  وهي تعكس حسن نيات القطريين ، أي أنها تعبر عن أصرار قطري  على الحل الشامل للأزمة في دارفور والسودان ب، على رغم تعقيدات المفاوضات حاليا وتأثيرات الموقف التشادي ضد رئيس حركة العدل والمساواة الدكتور خليل ابراهيم ، وكنت قلت لقناة الشروق ان الموقف التشادي ساهم في تعقيد الموقف التفاوضي  لحل أزمة دارفور.

الرؤية القطرية التي  تنادي بالحل الشامل والعادل  يقودها ويشدد عليها  أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ، ومعلوم أنه  كان أتخذ خطوة تاريخية عملية عندما أعلن عن انشاء بنك للتنمية في دارفور برأس مال يبلغ بليوني دولار.

الرؤية نفسها الهادفة الى حل  جذري شامل عادل لأزمة دارفور أكد عليها غير مرة رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر ، وهو رجل يعبر عن سياسة وديبلوماسية بلاده بشفافية لا يعرفها كثير من  العرب والأفارقة وغيرهم في  دول العالم، والسبب أن  قطر في هذه المرحلة تمتلك رؤية واضحة ومدروسة  ازاء كل شيء.

الرؤية القطرية في السياسة والاقتصاد والرياضة والتعليم ومجالات أخرى تعتمد نهج الصراحة واقتران الاقوال بالأفعال، وهذا ليس كلاما للاستهلاك والترويج، ولكنها حقائق ملموسة على أرض الواقع، و اعترف بحضورها الفاعل على أرض الواقع  العدو قبل الشقيق والصديق.

 هذا معناه أن على السودانيين كافة أن لا يدفعوا القطريين الى الملل والاستياء والندم على اضاعة وقت ثمين وجهد كبير ومال وفير صرفوه  في فنادق الخمس نجوم لتقديم سبل الراحة للمفاوضين السودانيين من دون استثناء .

كان  يمكن أن تخصص قطر  خياما في اصحراء  الخليج لاستضافة المشاركين في المفاوضات أو أن يلزموا الجميع بدفع فواتير الاقامة والاعاشة، لكنهم لم  يفعلوا ، لأنهم لم يفعلوا ذلك  من قبل مع آخرين ومع ضيوفهم القادمين من كل بقاع الأرض.

 يسعدني دوما  في هذا السياق أن الرؤية القطرية في التعامل مع الأطراف السودانية تحرص على التواصل والتشاور مع القيادات السودانية التاريخية وذات الوزن الشعبي والفكري،  وفي صدارة هؤلاء الامام السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي ، وهو رجل  تثبت الاحداث رغم مراراتها أنه  زعيم كبير يضع الوطن والأمة كلها في حدقات العيون، ولا ينفعل بالخصومات والأحقاد  والمؤامرات والاستفزات ، لأنه رجل كبير العقل والقلب ، ولأنه يرى أن  الوطن أكبر من الجميع .

أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني استقبل  السيد الصادق في مكتبه في الديوان الأميري يوم الأربعاء 26 مايو 2010، وتبادل معه وجهات النظر حول قضايا السودان وخاصة دارفور وأهمية الاجماع الوطني السوداني وضرورة تعزيز الجهود لدعم وحدة السودان.

لم يكن هذا  اللقاءهو  الأول بين الشيخ حمد بن خليفة والسيد الصادق، فالرجلان التقيا غير مرة، وكان أول لقاء بينها عندما كان المهدي  رئيسا للوزراء أثناء فترة  حكومته الديمقراطية المنتخبة  التي اطاح بها انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، أي قادة الحكم الحاليين.

أعجبني قول المهدي  في مؤتمر صحافي عقده في الدوحة في 27 مايو 2010 وبثته قناة الجزيرة ونشرته الصحف القطرية  ووسائل اعلام دولية أن أمير قطر يمثل "عرقا نابضا في جسد الأمة " مشيرا الى "اهتمامات الأمير بالقضايا العربية الاقليمية والدولية بصورة جادة وبتركيز ومتابعة في وقت تعاني فيه الأمة – والكلام للصادق المهدي- من خمول وقعود عن المشاركة في الهم العام".

باختصار رسالتي هي أن  يتمسك جميع  السودانيين بالدور القطري حول دارفور  أيا تكن الخلافات بين السودانيين ، فالقيادة القطرية  تتسم بالصدق والوضوح وتلتزم نهجا تقترن فيه الأقوال بالأفعال.

هذه رسالة لجميع الحركات الدارفورية، وللحكومة السودانية أيضا  وهي مطالبة أيضا بالتركيز على ضرورات  الحل الشامل العادل، لأن الحلول الجزئية تؤدي الى "ابوجا 2"، وهذا ما حذر منه  بشدة  الصادق المهدي وما جاء ايضا على لسان نائب رئيس حركة التحرير والعدالة الأخ محجوب حسين في تصريح  نشرته صحيفة "الصحافة" السودانية ان لم تخنى الزاكرة.

برقية: صدق من قال :

جزى الله الشدائد كل خير

                               عرفت به عدوي من صديقي

عن صحيفة (الأحداث) 30 –5- 2010