عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أحداث الساعة  في السودان التي تتمثل في اعتقالات واغلاق صحيفة واعادة الرقابة على   صحيفتي "أجراس الحرية " و"الصحافة" جددت  التأكيد على أن تفاعلات  الانتخابات التي أجريت  الشهر الماضي  في أجواء الاحتقان وعدم التوافق بين القوى السياسية وحزب المؤتمر الوطني الحاكم  أفرزت  أزمات  جديدة ولم تفرز مناخ الاستقرار   .

 هاهو اعتقال الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي الدكتور حسن الترابي  واغلاق صحيفة "رأي الشعب" واعتقال الزملاء  نائب رئيس تحريرها  أبو ذر علي الأمين والمحرر العام أشرف عبد العزيز والمدير العام ناجي دهب ومشرف الطباعة أبوبكر السماني واعادة الرقابة الجزئية على صحيفتين جاء غداة الاعلان عن نتائج الانتخابات.

 هذه "التحية" تمت أيضا عشية "احتفالات"  حزب المؤتمر الوطني الحاكم  بفوز ُتشكك في نزاهته القوى السياسية السودانية المعارضة ومراقبون دوليون، وشمل ذلك حتى أصحاب المواقف المتأرجحة في مركز كارتر الذي بدا متناقضا في تقاريره الأولية التي سكتت عن المخالفات،  ثم أصدر تقريره الأخير الذي يشكك في العملية الانتخابية ونتائجها.

الاعتقالات التي شملت لبضع ساعات  الناطق باسم تحالف تجمع المعارضة  الأستاذ فاروق أبو عيسى  في  عملية "قرص  أضان" كما سماها تحمل رسالة لقوى المعارضة حتى لا تتجرأ للنزول الى الشارع كما هددت ، كما يبدو أن الاعتقالات تشكل  عملية استباقية للحؤول دون أحداث متوقعة في ظل تزايد معدلات الاحتقان في الشارع السياسي السوداني ، وعلى مسرح العمليات العسكرية في دارفور.

أيا تكن أسباب اعتقال الدكتور الترابي وصحافيين في "رأي الشعب" واغلاق صحيفة المؤتمر الشعبي مع اعتقال فاروق أبو عيسى لساعات،  فان هذه الخطوات كلها تعكس انتهاكا حقيقيا لحقوق الانسان وللحريات السياسية والصحافية وللدستور الانتقالي ولمباديء العدالة ، هذا فضلا عن  أنها تؤكد أن الحكومة القادمة  ستتخذ  من الانتخابات مدخلا لاحكام السيطرة على السودانيين من دون احتكام حقيقي لمقتضيات وشروط تحقيق  التحول الديمقراطي.

ليست المرة الأولى التي يتم فيها اعتقال الدكتور الترابي من دون توجيه تهم محددة أو تقديمه لقضاء مستقل  ، و ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها صحافيون للاعتقال أو تتعرض فيها صحيفة للأغلاق ومصادرة الممتلكات.

 في هذا الاطار لا يمكن تجاهل  التجربة الصعبة والقاسية  التي تعرض لها الزميل حسين خوجلي وصحيفته "ألوان" ، والتي تعد  أبلغ دليل على الانتهاكات الصارخة  والممارسات القمعية والاستبدادية الظالمة التي تعرض لها صحافيون من خلال انتهاك حقوقهم ومصادرة ممتلكاتهم، ما سيتوجب في ظل أي نظام ديمقراطي  مساءلة قانونية وتعويضات حقيقية تراعي حجم الأضرار المعنوية والمادية التي تكبدتها هذه المؤسسة  الصحافية  أو تلك.

اللافت والمثير للدهشة أن اعتقال الترابي ترافقه دائما  سلسلة  تسريبات غير منطقية يطلقها بعض أركان الحكم وهي  تنفي وجود سبب أو دافع  سياسي وراء الاعتقال، وقال مسؤولون في الحكومة السودانية  في تصريحات  تبدو أشبه بالتوقعات والتخمينات  أن المسألة ترتبط بأحداث دارفور وحركة العدل والمساواة.

في مرات سابقة قيل أن الحكومة ستحاكم الترابي بعد التحقيقات لكنها لم تفعل وكان الرجل يطلب محاكمته اذا كانت هناك تهمة محددة، لكن أهل الحكم لم يقدموا  على  على خوض مغامرة من هذا النوع، حتى لا تتحول أية محاكمة للترابي الى محاكمة  لنظام حكم  يدعي أنه مُنتخب من الشعب، وفي الوقت نفسه لا يحترم الدستور  ويعتقل الترابي وغيره  لفترات طويلة من دون توجيه أية تهم محددة.

هذا النهج  الذي لا يتردد  صانعوه في اعتقال سياسيين وصحافيين يزيد الاحتقان في الشارع السياسي السوداني، ويشير أيضا الى أن مسألة التحول الديمقراطي التي تغنى بها بعض أهل الحكم قبل واثناء وبعد  فترة الانتخابات هي مجرد خدعة كبرى لم تنطل الا على بعض الذين  يستهويهم السقوط في وحل الكلام المعسول والتصريحات والخطب السياسية التي تدغدغ المشاعر و تفتقر في الوقت نفسه الى اقتران الاقوال بالأفعال.

 التحول الديمقراطي الحقيقي ينبغي أن يشهد  خطوات عملية تُعزز استقلال القضاء وتُعمق وُترسخ  حرية الصحافة وتدعم أدوار السياسيين المعارضين قبل الحاكمين ،  والصحافيين ولا تسعى لتشريدهم، أواسقاطهم في حبال  الاعتقالات العشوائية التي تركز على تصفية حسابات مع هذا الطرف أو ذاك.

اذا كان النظام السوداني الحاكم ديمقراطيا فان الخلاف السياسي مع الحكومة وحزبها الحاكم  من خلال طرح الرؤى والمواقف والآراء المناهضة لمواقف السلطة هو أمر مشروع ، وهذا يعني  أن استخدام  أسلوب  الاعتقال لردع المعارضين من السياسيين والصحافيين وغيرهم يتناقض  تناقضا صارخا مع ما تلكوه بعض الألسن الحكومية من سعي لبناء نظام ديمقراطي يحتكم فيه السودانيون الى مرتكزات الحرية والعدل في وقت يشهد اعتقالات  واجراءات  تتسم بالعشوائية.

هذا لا يعني أن الصحافيين والسياسين سواء كانوا في الحكم أو المعارضة  فوق مستوى المساءلة، وأشير هنا  الى  أن القضاء والأجهزة الصحافية المعنية برعاية العمل الصحفي  ينبغي أن تلعب  دورا رئيسيا مثلا في تحديد المخالفات وجرائم النشر، وأن يتم الاحتكام في النهاية الى مؤسسة عدلية تفصل في الشكاوى أو أية اتهامات ودعاوى من الصحافة أو الحكومة .   

  هذا يعني أيضا أن اعتقال الترابي وصحافيين مع  اعادة فرض رقابة أمنية على صحيفتي "أجراس الحرية" و"الصحافة" بعدما الغيت الرقابة الأمنية  في وقت سابق قبل مرحلة اجراء  الانتخابات وبعد اصدار صدر قانون الصحافة الجديد يشكل ضربة اضافية   لنتائج  وأبعاد  العملية الانتخابية المشكوك في نزاهتها  من قوى عدة محلية وخارجية.

الاعتقال العشوائي للمواطن السوداني ، سواء كان سياسيا أو صحافيا، يعزز قناعة كثيرين أن الانتخابات لم تكن  سوى خطوة  على طريق التحكم في رقاب الناس ومصائرهم، وهذا سيشيع المزيد من مناخات الغبن، ويفتح دروب المواجهات الساخنة، وربما الاحتكام الى أساليب "حوار" أخرى كالتي  تجري حاليا في دارفور.

كتبت في مقالي الأسبوعي الذي نشرته  "الأحداث" في الثاني من (آيار) مايو الحالي أن الحكومة المقبلة(بعد انتخابات ابريل 2010) تدعي أنها "منتخبة" رغم اتهامات التزوير التي تحيط بها من كل اتجاه، و تدعي أنها تعبر  عن "ارادة الشعب"، وهذا معناه أن عليها أن تحترم  الحرية والديمقراطية وحقوق المواطنين في التعبير الحر عن ارادتهم من خلال الندوات  أو المواكب الجماهيرية السلمية مثلا.

 جاء في  المقال  الذي نشر قبل اعتقال الترابي والزملاء الصحافيين أن حكومة "الانقاذ" في طبعتها "الانقلابية" الثانية (بعد الانتخابات ) ستواجه مآزق عدة  في مجال الحريات، وخاصة حرية الصحافة  وضرورة تعزيز استقلال القضاء.

أشرت أيضا الى أن أن مسألة  تعزيز  مناخ الحريات  تتختبر صدقية  "حكومة الانقلابيين الديمقراطيين الجدد"، وخلصت الى أن"  في عالم السياسة يمكن ادعاء أي شيء الا "الديمقراطية" الحقيقية ".

هذا معناه أن اعتقال الترابي  وصحافيين من  "رأى  الشعب "من دون توجيه تهم محددة ، ومن دون تقديمهم لقضاء ومحاكم  تتمتع بالاستقلالية  والشفافية ، اضافة الى تفاعلات مرحلة الانتخابات المثيرة للجدل  يؤشر الى أن السودان أبعد ما يكون حاليا عن الاستقرار السياسي في ظل تزايد معدلات الاحتقان السياسي وغياب التراضي بين السودانيين بشأن نتائج انتخابات ابريل 2010 .

 وهاهو الوضع في دارفور يشهد مواجهات ساخنة  حاليا بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة  التي امتدت عملياتها  الى مواقع جديدة في دارفور وكردفان، ما يؤكد حقيقة كبرى لا ترغب "حكومة الانقاذ" وبعض الأطراف الاقليمية والدولية  الاعتراف بها  ، وهي أن السلام كان ينبغي أن تُعطي له الأولوية  ليتحقق أولا ثم تُجرى الانتخابات، وهاهي الأحداث الراهنة في الخرطوم ودارفور وكردفان تؤكد أن السباق المحموم من أجل   كراسي  الحكم  أضر بمحاولات  جادة لتحقيق السلام في دارفور، وفي السودان كله.

برقية: الاعتقالات وانتهاكات  الحريات الصحافية  .. أول "تحية"حكومية  بعد الانتخابات

                        عن صحيفة (الأحداث ) 23-5- 2010