عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 لا حديث  يعلو في مجالس السودانيين  والمهتمين بالشأن السوداني  من الخليجيين و العرب هذه الأيام على النقاش والاستفسار  عن أزمة سوق "المواسير" في الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور ، فالحدث استقطب الأضواء،  وأكد مجددا  أبعاد الأزمات المتعددة في  دارفور.

 الأزمة الجديدة شدت  الأنظار  بعيدا عن تفاعلات  "وطبخات" تجري بشأن تشكيل حكومة سودانية جديدة بعد الانتخابات المثيرة للجدل والخلافات .

بدا واضحا  أن الذين ارتكبوا مخالفات كبيرة في حق المواطنين من خلال خداعهم ونهب  ممتلكاتهم تحت اغراءات الكسب المالي الكبير والسريع   مارسوا   لعبة مالية مكشوفة ومفضوحة، تنعكس على الوضع السياسي، بل تضعه أما م اختبار صعب.

و المشهد الأسوأ  في هذا السياق  أن تلك الممارسات والألاعيب  جرت  من دون خوف أو حذر أو توجس من السلطات، وتمت وفق خطة و بجرأة  ووضوح تام  في ظل اطلاع  أهل الحكم في ولاية شمال دارفور  والخرطوم على مجريات الأمور منذ فترة ليست قصيرة  شهدت تطورات" درامية " في سوق "الرحمة" حسب الوصف الرسمي، ويبدو أنها  هدية "رحمة" من نوع خاص، وهي  لا تعرف أبسط قواعد الرحمة.

أزمة "المواسير"   فرضت وجودها الساخن أيضا في بعض وسائل الاعلام العربية  ، سواء من خلال  الخبر او التحليل أو الرأي، لكن المدهش لدى كثيرين أن  تغض حكومة  ولاية شمال دارف ور الطرف عن  الممارسات الخاطئة  في سوق "المواسير"منذ انشائه .

 تساءل أيضا كثيرون عن أسباب عدم تحرك  المسؤوليين في الخرطوم  في وقت سابق في سبيل وضع حد للتجاوزات والممارسات التي تتناقض مع قوانين أي بلد يحتكم فيه الناس الى الشفافية والنزاهة والمسؤولية في تسيير الأعمال التجارية والمالية.

أيا تكن الأسباب والمبررات فان أعادة أموال  من تعاملوا مع سوق المواسير في الفاشر   تتحمل السلطات في الفاشر والخرطوم مسؤوليتها،  لأنمواطنين  كثيرين فقدوا كل شيء ، ولابد من وقفة حازمة تعيد الحقوق الى أصحابها، خاصة أن هذه الأزمة أضافت أبعادا جديدا للوضع المأساوي في دارفور.

ذكرتني أزمة سوق المواسيرو مشاهداتي في معسكري "السلام" و"أبو شوك" في الفاشر التي زرتها مع عدد من الزملاء والزميلات الذين شاركو في المؤتمر الثاني للاعلاميين السودانيين العاملين في الخارج في مايو 2009 .

أهل دارفور لا يحتاجون الى مآسي جديدة، كالمعاناة التي تمسك بخناق الأطفال    والنساء والشيوخ في معسكرات اللاجئين، وكنت كتبت في "الأحداث"  عقب زيارتي الى ا لفاشر في  العام الماضي مع عدد من الصحافيين أن من يزر المعسكرين  ولم يبك أو تنهمر دموعه فليبحث ويفتش عن انسانيته المفقودة.

أزمة "المواسير" أضافت  احزانا جديدة لأحزان الانسان الدارفوري والسوداني بشكل عام ، وهي تعكس مدى الحاجة الى الشفافية في ادارة أمور البلد والنزاهة في ادارة أمور المال الخاص والعام من خلال الاحتكام الى قوانين جديدة تضع في صدارة أولوياتها ضرورة تشكيل مفوضيات لمكافحة الفساد ولاشاعة قيم النزاهة والشفافية في كل ولايات السودان.

ومثلما شكلت حكومة جنوب السودان مفوضية لمكافحة الفساد في عام 2006 وأقرت قانونا في هذا الشأن لمواجهة  قصص كثيرة متداولة عن الفساد المالي،  فان المطلوب أن تنتشر مفوضيات لا مفوضية واحدة  لمكافحة الفساد،   لتشمل كل ربوع السودان، خاصة أن ما تنشره الصحف السودانية وتقارير ديوان المراجع العام عن بعض أوجه الفساد المتعددة الأشكال تستوجب أن ترتقي التشريعات السودانية الى مستوى تطورات دولية مهمة في هذا السياق.

الأمم المتحدة  بدأت منذ فترة خططا لمكافحة الفساد بعدما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة "اتقاقية  الأمم المتحدة لمكافحة الفساد" ووفقا لذلك احتضنت قطر   في ظل مناخ شفاف آخر مؤتمر في هذا الاطارفي نوفمبر 2009  تحت عنوان "مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد" .

ويشار في هذا الاطار الى أن احتضان الدوحة لذلك المؤتمر الدولي جاءت في اعقاب خطط وسعي جاد لاشاعة الشفافية ومكافحة الفساد، ويكفي الاشارة الى أن " اللجنة الوطنية للنزاهة والشفافية" التي شكلت حديثاً في قطر عقدت  مؤتمرا تحت شعار" آسيا خالية من الفساد: نظرة بعيدة المدى".

المؤتمر القطري   أكد مجددا سعي قطر الى نشر ثقافة الشفافية ومكافحة الفساد والتوعية بأهمية ذلك، والحرص على تعزيز التعاون مع الجهات الدولية المعنية بذلك.

 السودان شارك  في مؤتمر الدول الأطراف  في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد  الذي بعث برسائل عدة الى دول يعاني أهلها وحكوماتها  من وحش الفساد ، سواء كان ماليا أو اداريا أو سياسيا يستغل السلطة والنفوذ لتحقيق أهداف تتناقض مع المصلحة العامة للأوطان.

 مثلما أصبحت قضايا حقوق الانسان والحريات قضايا تحظى باهتمام دول العالم والأمم المتحدة رغم ازدواجية المعايير، فان الحكومة السودانية الجديدة ستجد نفسها أمامن تحديات كبيرة في ما يتعلق بالجهد الدولي الملزم  للدول في مجال مكافحة الفساد.

في المؤتمر الدولي في قطر  الذي  شهد مناقشات ساخنة وخلافات دولية تمكنت دول العالم بعد  ولادة قيصرية صعبة  من اقرار  آليات لمكافحة الفساد وهي تلزم دول العالم بكتابة تقارير دورية  بشأن  مكافحة  الفساد وكشف المفسدين .

 مؤتمر الدوحة الدولي الذي انعقد في بلد يسعى لتعميق ثقافة  الشفافية والنزاهة في المجتمع  من خلال   القوانين واستقلالية القضاء ودور جهاز المحاسبة واستقلالية النيابة العامة أرسل رسالة ساخنة الى دول العالم وخاصة دول العالم الثالث الغارقة  في وحل الفساد السياسي والمالي .

ليس في مقدور دول العالم الثالث وبينها السودان التهرب من التحرك الدولي لمكافحة الفساد ، أي لابد من  التعامل مع مقررات مؤتمر مكافحة الفساد والآليات التي أقرها، وهذا يعني أن الأمم المتحدة أو الدول الكبرى ستفتح ملف الفساد في دول عدة من خلال تقارير دولية في الفترة المقبلة.

  ويبدو أن "حكومة الانقاذ" في مرحلتها الجديدة ستواجه أيضا مضاعفات ملف الفساد ، و  جاءت الممارسا ت ونتائج الانفلات في سوق "المواسير"  على  مرأى ومسمع مسؤوليين في الفاشر والخرطوم   لتؤكد  أن الفساد الاداري والمالي ينخر في الجسد السوداني بشدة.

لكن واقع الحال يؤكد أيضا  أن مباديء محاربة الفساد والفقر  وتحقيق العدل  باتت تشكل عناوين تحرك دولي تتبلور ملامحها حاليا أكثر من أي وقت مضى، وإن تلك المباديء لم تعد متروكة لرغبة ومزاج الحكام، وخاصة  في عدد من الدول العربية والافريقية .

أي أن من يريد أن يضع نفسه وبلده على خارطة الشفافية والنزاهة عليه  أن يتعامل باحترام مع تلك المباديء التي ستوظف من دون شك أيضا في لعبة المعايير الدولية المزدوجة، لكن ذلك لا يلغي الحقيقة  القائلة أن ما جرى في سوق المواسير في الفاشر يمكن أن تكون له أصداء مذهلة في اروقة منظمات دولية معنية بحقوق الانسان والشفافية والعدل.

برقية: أزمة سوق المواسير أول اختبار "دارفوري"  للشفافية في الفاشر والخرطوم

عن صحيفة (الأحداث) 9-5-2010