عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هل كان  السودانيون ، وخاصة حزب المؤتمر الوطني "الحاكم بالانتخابات أو من دونها" كما قالت قيادته محتاجين الى مثل هذه التباين الصارخ في مواقف القوى السودانية بشأن تقويم مناخ ونتائج الانتخابات ؟ وهل يستفيد أهل الحكم شيئا من رفض قوى ذات وزن وثقل شاء من شاء وأبى من أبى لنتائج الانتخابات؟

 ألم يكن من الأفضل لحكام الأمس واليوم  أن يفتحوا صفحة جديدة في تاريخ العمل السياسي السوداني، بعيدا عن الشكوك والمخاوف والاتهامات التي لا يمكن التقليل من شأنها وتأثيرها على  خريطة الاستقرار السياسي في المرحلة المقبلة.

الأسئلة متعددة، وعلى رغم أن الاسراع في تقديم "الطبخة" الانتخابية في موعدها من دون استكمال مقومات التوافق بشأنها  لم يقنع حتى الذين شاركوا في الانتخابات من أحزاب المعارضة، فان النتيجة النهائية الأهم والأخطر  لا تكمن في فوز هذا الشخص أو ذاك الحزب ، وانما في تبعات وانعكاسات  الفشل  الذريع الذي صاحب الاعداد والترتيبات التي قامت بها مفوضية الانتخابات .

المفوضية بقيت "صامتة" لفترات طويلة  خلال  فترة الجدل حول  الدعوة لتأجيل الانتخابات فيما كان السيد الرئيس  ومرشح حزب المؤتمر الوطني السيد  عمر البشير  والسادة أركان حزبه هم الذين يُقسمون بعدم تأجيل الانتخابات لساعة واحدة ولا يترددون في الاساءة لمرشحي الرئاسة ممن طالبوا بتأجيل الانتخابات حتى يكتمل الاعداد لها وتعالج بعض أوجه القصور.

التجربة أكدت أن قيادة حزب المؤتمر الوطني "حجَمت"  وهمَشت دور المفوضية وأظهرتها بمظهر التابع لمرشح  حزب المؤتمر الوطني  لموقع الرئاسة  ، خاصة أن المفوضية صمتت لفترة طويلة ، ثم أعلنت أن الانتخابات ستجرى  في موعدها. ليت المفوضية  نجحت في أدوارها ، وطبعا هذا لم يحدث  بالطبع.

 الدليل يكمن في تلك " الفوضى" التي بدت مظاهرها  في  سقوط أسماء مرشحين وناخبين وتوزيع سجلات انتخابية في غير ولاياتها ومواقعها  وتداخل بين هذا الرمز الانتخابي أو ذلك، هذا اضافة الى ما وجهتته القوى السياسية سواء التي شاركت في الانتخابات أو التي قاطعتها من اتهامات  حول "التزوير" و"تبعية " المفوضية للحزب الحاكم.

المناخ الذي جرت الانتخابات في ظله كان مناخا مشحونا بالمخاوف والشكوك وعدم الثقة، وزاد "الطين بله" الفوضى التي فرضت وجودها  السيء في  اليومين الأولين  للعملية الانتخابية.

 أخبار تلك "االفوضى" و"التجاوزات" تصدرت  عناوين الصحف الدولية ونشرات الفضائيات والاذاعات الدولية ، ولم يجد مسؤولو مفوضية الانتخابات وبعض مسؤولي الحكومة وحزب السلطة سوى الكلام عن "أخطاء فنية، لوجستية" مع تكرار الحديث عن  سير العملية الانتخابية بـ" سلاسة" وما ألطف وأحلى تلك التعابير .

 تفاعلات  المشهد السياسي السوداني خلال أيام الاقتراع أكدت  أن  المفوضية أضطرت مرغمة لتمديد أيام الانتخابات  بسبب فشل ترتيباتها  وأخطاء  بعض كوادرها وموظفيها ، ولم يكن في مقدورها الا فعل ذلك .

المفوضية  اضاعت فرصة   قبل اجراء الانتخابات لتأكيد استقلاليتها، وكان يمكن أن يتم ذلك   باقناع حزب المؤتمر الوطني ليوافق  على تأجيل الانتخابات الى فترة محددة حتى تكتمل الترتيبات وتحل مشكلة دارفور مثلا ، ويتحقق التوافق الوطني بشأن سلامة اجراءات الانتخابات، لكنها لم تفعل وأدخلت نفسها في دائرة الشكوك والاتهامات على رغم الجهد الذي بذلته في الاعداد للانتخابات داخليا وخارجيا.

واذا كانت حالة الانقسام في  المشهد السياسي السوداني تبدو واضحة هذه الأيام في ضوء عدم اعتراف أحزاب ذات ثقل وزن بنتائج الانتخابات، فان الهدف الأول والأهم للانتخابات لم يتحقق ، وهو يكمن  في تحقيق  الاستقرار  السياسي والتراضي بين أطراف العملية السياسية بشأن نتائج الانتخابات كمقدمة ضرورية  لتحقيق تحول ديمقراطي حقيقي  متفق عليه .

هنا تكمن احدى سلبيات الاصرار على تنظيم انتخابات في ظل احتقان سياسي ناجم عن عدم التوافق على شروط ومعايير تحقيق التحول الديمقراطي، وهنا تبدو أيضا طبيعة التحديات التي سيواجهها حكام ما بعد مرحلة  الانتخابات المثيرة للجدل  ، خاصة  أن تجارب الأمس واليوم أكدت أن الانتخابات رغم السلبيات الكبيرة التي  رافقتها بسبب "المكابرة والحماقة السياسية" فتحت مناخات  "تنفس"  جديدة  للسودانيين.

فترة الانتخابات وخاصة مرحلة الدعاية الانتخابية وسعت  هامش الحرية  في السودان بعد سنوات طويلة سادها قمع وأساليب  ديكتاتورية  متعددة الأشكال والألوان، ولا سبيل بعد اعلان نتائج "الانتخابات" التي هي محل شد وجذب الا الاستمرار في  اتاحة  أوسع  فرص التعبير الحر والمشاركة  للسودانيين للتعبير سلميا عن رؤاهم وأفكارهم ، لتأكيد  "الروح "الديمقراطية " للحكام "الديمقراطيين الجديد " وهذا يتستوجب تغيير النهج  الديكتاتوري .

لوحظ ان الفضائيات والصحف الدولية والاذاعات العالمية لعبت دورا مهما في تغطية الانتخابات السودانية، ولم تعد هناك قناة أو صحيفة أو اذاعة تنفرد دون غيرها  بتغطية الشأن السوداني، لكن أساليب ومستوى التغطية ومدى الاحتكام للمهنية يختلف من منبر لآخر.

المتابع للشأن السوداني تتجاذبه قنوات فضائية عدة، بينها الجزيرة والعربية وبي بي سي والحرة ، اضافة الى اذاعتي  مونت كارلو و بي بي سي  وصحف عريقة مثل الحياة والشرق الأوسط.

تميزت قناة الجزيرة في تغطيتها الأحداث الكبرى التي شهدتها مواقع  عدة  في العالم ومنذ انطلاق القناة القطرية الناجحة باقترابها من نبض المستضعفين والخطوط  والأخبار الساخنة التي لا تقترب  منها قنوات أخرى، و تتميز ت بالمهنية وهي تغطي أحداثا عدة.

قناعتي وقناعة كثيرين أن قناة الجزيرة  منبر اعلامي دولي عريق ساهم في رفع مستوى الاعلام العربي والدولي وأول دائما إن الفضل في ذلك يعود الى القيادة القطرية العصرية الواعية التي وفرت مناخا صحيا حيويا وامكانات وحماية للصحافيين  في سبيل تقديم تجربة اعلامية عصرية في زمن عربي  يسوده ظلام دامس.

 تابعت تغطية الزملاء والزميلات في قناة الجزيرة للانتخابات السودانية  واجتهاداتهم في هذا الشأن، لكنني وجدت نفسي للمرة الأولى  مشدودا أكثر من أي وقت مضى الى تغطية قنوات أخرى الى جانب متابعتي لقناة الجزيرة  مثل قنوات العربية والحرة و تلفزيون بي بي سي.

هذا ليس انتقاصا من دور الجزيرة أو الزملاء والزميلات الذين غطوا الحدث السوداني ،لكن  لمست  أن هناك شيئا من "الانحياز"  بدا واضحا في بعض الرسائل  وطريقة ادارة الحوار مع الفرقاء السودانيين، وفي " ايحاءات"  يعرف الصحافيون المحترفون  دلالتها وأغراضها في زمن  يلعب فيه الاعلام دورا مهما في تشكيل الرأي العام.

أحيانا يحس  المشاهد  أن المذيع "يتنمر" على ضيفه اذا كان من مرشحي المعارضة لمنصب الرئيس أو اذا كان من أصحاب الرأي الآخر  ويكاد يدخل الى حلقه أثناء كلامه ولا يتيح له فرصة التعبير عن رأيه  ، كما  يسأله أسئلة سطحية لا تتيح للمشاهد الاطلاع على رؤيته وأفكاره.

 لكن  أثناء  محاورة أهل السلطة والحكم  فيبدو المذيع أو المذيعة مثلا في غاية الهدوء ولا تمارس في هذه الحالة   هواية مقاطعة الضيف في الوقت الخطأ كما يفعل عدد من المذيعين والمذيعات في قنوات عدة.

لاحظت أن فضائيات عدة أثارت قضايا سودانية مهمة وساخنة وكان يمكن أن تسعى قناة الجزيرة الى اثارتها كما فعلت قنوات أخرى مثل  قناة "العربية" التي أدارت نقاشا جماعيا  يوميا  بمشاركة محللين واختصاصيين  سودانيين  ومن دول عربية.

 هذه السطور مجرد  رسالة محبة أبعث بها  أولا الى من يهمه أمر القناة وريادتها الرائعة وأهمية التوازن في تغطية الأحداث، فالمؤسسات الناجحة تدرس تجاربها لانها  ليست فوق مستوى النقد  وهي  تستمع للملاحظات لتعرف  هل  كانت  مثلا "متوازنة " في تغطيتها قبل وأثناء الانتخابات ، وخاصة في اليومين الأولين للانتخابات، ولماذا رأى مشاهدون  أن التغطية "منحازة" لطرف حكومي ، وهل هذه حقيقة أم أنها مجرد افتراء لا أساس له من الصحة؟.

أما الاعلام الحكومي السوداني الذي ما زال  يردد كلاما كثيرا عن " مرحلة التحول الديمقراطي" بعد الانتخابات  فانه قد أدخل نفسه وأدخل الحكومة المقبلة في دائرة تحديات كثيرة وورطة كبيرة اسمها الاستمرار في مناخ الحرية ، خاصة أن الاعلام الحكومي السوداني فشل في اتاحة فرص متوازنة لمرشحي الرئاسة بالمقارنة بمرشح حزب المؤتمر الوطني الرئيس عمر البشير.

الرئيس البشير كان يقوم بدعاية انتخابية تحت مظلة دوره الرئاسي، وهذه مشكلة يجب علاجها مستقبلا حتى لا يؤثر الحكام "المرشحون" مستقبلا  على دور متوازن يجب أن تلعبه وسائل الاعلام، وهذه مشكلة تؤشر الى أهمية أن  ترعى الانتخابات حكومة قومية أو انتقالية ، لأن السودان ومعظم  الدول العربية  ليست  مثل أميركا أو أوروبا من ناحية الشفافية والنزاهة الانتخابية وعدم التأثر بدور الحكومة وسطوتها وتأثيرها على الانتخابات.

التحديات كثيرة التي أفرزتها الانتخابات السودانية رغم الجدل حول نزاهتها ومدى انسجامها مع المعايير الدولية، وأعتقد أن هناك ضرورة لدعم منظمات المجتمع المدني السودانية المستقلة ، فتجربة الرقابة المحلية للانتخابات مهمة وذات دلالات ، وتدعم  مسيرة الحرية في السودان، ولهذا أحيي المنظمات المستقلة الحريصة على صدقيتها بعيدا عن دور منحاز  تلعبه  منظمات حكومية في اطار عملية تجميلية لممارسات انتخابية  قبيحة .

مشاركة  المنظمات الدولية في مراقبة الانتخابات السودانية تجربة مهمة يمكن الاستفادة من ايجابياتها وسلبياتها، وهي أكدت مجددا  أن مصالح العالم وهمومه متداخله، لكن التحدي الذي يواجه تلك المنظمات الأجنبية وخاصة  "مركز كارتر " يكمن في مدى الصدقية في اصدار حكم متوازن  على الانتخابات السودانية في ضوء ما شهدته من  ترتيبات أو "تجاوزات وفوضى" تحدثت عنها أطراف محلية ومرشحون وناخبون سودانيون.

بدا واضحا أن مشكلة بعض منظمات الرقابة الدولية تنظر الى انتخابات السودان من نافذة الحرص على اجراء الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان في موعده في يناير 2011، وبدت بعض المنظمات الدولية  كأنها غير معنية بخصائص وسمات الانتخابات، فهي  معنية بقضية الجنوب على رغم أن قضية الاستفتاء  كحق للجنوبيين هي محل التزام ومصدر اجماع بين السودانيين  سواء في أحزاب السلطة والمعارضة.

وبشأن  بعض المراقبين العرب بدا  واضحا أنهم  اصيبوا بحالة دهشة من الحالة الانتخابية السودانية، والمشكلة هنا أنهم يقارنون الانتخابات السودانية بأوضاع عربية غارقة في الاستبداد ولا تعرف الانتخابات الحقيقية التي تصنع المشهد السياسي ، وهنا تكمن مشكلة المراقب العربي  الرسمي مع  التجارب السودانية  القديمة المتجددة بارداة شعب  يعشق الحرية وينتزعها بالتضحيات .

برقية:  استمرار مناخ الحرية ابرز  تحديات ما بعد مرحلة الانتخابات 

عن صحيفة (الأحداث) 18-4-2009