عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أسوأ ما ارتكبته قيادة حزب المؤتمر الوطني الحاكم  الى جانب الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها  في حق الوطن والمواطنين منذ انقلا ب الثلاثين من يونيو 1989  يكمن في ذبح مقومات التوافق والتراضي بين السودانيين  في مرحلة الاعداد للانتخابات التي تأتي بعد مرحلة طويلة  شهدت ممارسات سلبية عد، في صدارتها مصادرة حقوق الشعب في الحرية والعدل والمساواة.

على رغم كل الضرر الذي اصاب  معظم السودانيين  بعد   الانقلاب  الذي اطاح حكومة ديمقراطية منتخبة،  فان المعارضة كانت في مستوى الادراك لمسؤولياتها الوطنية  وحرصت على دفع أية بارقة أمل تهدف الى تحقيق  تحول ديمقراطي سلمي بعدما خاض الجميع معارك شرسة سياسية وعسكرية، حيث  لم تستطع خلالها الحكومة الانقلابية أن تقضي على خصومها ولم تفلح القوى المعارضة في اجتثاث النظام بالقوة العسكرية أو غيرها ، لكنها أستطاعت أن تفرض  ارادة الشعب وتؤكد استحالة شطب الارادة الحرة للانسان السوداني .

وأيا تكن التحليلات للدوافع والأسباب التي أجبرت  نظاما انقلابيا شرسا على القبول بالانتخابات، فان المواجهات العسكرية كانت في صدارة  العوامل الرئيسية التي اجبرت قادة الحكم الذين لا يؤمنون بالحرية والديمقراطية على التوافق مع الحركة الشعبية لتحرير السودان على  نص في اتفاق نيفاشا  عام 2005 نص على اجراء الانتخابات، كما نص  على استفتاء لتقرير مصير جنوب السودان في عامن 2011.

هذه حقيقة تاريخية كبرى ينبغي عدم تجاهلها رغم كل الانتقادات التي وجهت لاتفاقية نيفاشا التي تمثل اتفاقا ثنائيا بين طرفين اقتسما السلطة وانفردا بحكم الشمال والجنوب كما يحلو لهما.

ورغم كل الممارسات الاقصائية  التي تعرضت لها القوى السياسية السودانية والممارسات القمعية التي تعرض لها الانسان  السوداني كان من المؤمل أن تؤدي انتخابات ما بعد المرحلة الانقلابية  الى فتح صفحة جديدة في تاريخ السودان بعيدا عن الديكتاتورية والممارسات الاستبدادية والأساليب الاستعلائية الظالمة التي لا تعترف الا بـ"الأنا" وضرورات التمسك بالكرسي الساخن بعيدا عن نهج التوافق في الاعداد والترتيب للمرحلة الانتخابية، لكن يبدو أن الحلم والأمل قد بددته ممارسات ديكتاتورية أرادت مرة أخرى السيطرة على كراسي الحكم مهما كانت نتائج تلك الممارسات الخاطئة والاستفزازات لقادة الوطن ورموزه في كل التيارات.

 أعتقد أن النظام الانقلابي ارتكب مرة أخرى جريمة كبيرة في حق الشعب السوداني وفي حق الديمقراطية عندما " تمترس"  و"تخندق" في مواقف محددة جردت الانتخابات من سمات مناخ التوافق والتراضي، الذي يعد شرطا ضروريا لبناء وطن تتكاتف فيه الأيادي ،ويتوافق فيه الناس على الاحتكام للديمقراطية الحقيقية عبر صناديق الانتخاب لكن وفق مرتكزات متوافق عليها، وشروط تحقق الطمأنينة للجميع ، خاصة أن الثقة مفودة في النظام الذي مارس كل أنواع الخداع منذ الاستيلاء على السلطة في عام 1989 وحتى الآن.

لم يكن مستغربا لدى كثيرين ممن يعرفون حقائق الواقع السوداني ان تقاطع أحزاب مهمة كحزب الأمة القومي والحزب الشيوعي والحركة الشعبية لتحرير السودان الانتخابات التي كنا نريدها بداية مرحلة تطوي مرحلة الصراع وعدم الاستقرار في السودان.

لا يستغرب المطلعون على خفايا وتناقضات المشهد السياسي السوداني أن تشارك أحزاب تقف  في صف المعرضة في  الانتخابات  مثل حزب المؤتمر الشعبي،  على رغم  الكلام  المكرر عن عدم نزاهة الانتخابات، ومن دون شك ينبغي احترام  المشاركين والمقاطعين لكن الحقيقة الكبرى أن الانتخابات في أجواء الاحتقان والشكوك والمخالفات والاجراءات المثيرة للجدل قد افتقرت الى أهم عناصر نجاحها وهو   مناخ التوافق والتراضي .

هذا معناه أن الانتخابات ونتائجها  ستكون محل شد وجذب وعدم اعتراف من قوى سياسية  عدة، كما هي محل رفض من حركتي العدل والمساواة والتحرير والعدالة في دارفور، أي أن الصراع حول  شرعية الحكم ستظل محل خلاف وصراع، وهذا يؤشر الى استمرار عدم الاستقرار السياسي في السودان، وهذه هي  العلة التي أقعدت الوطن عن ارتياد آفاق التطور في مجالات عدة، كما فتحت دروب التدخل الخارجي من كل اتجاه.

المشهد الانتخابي في ظل الاحتقان وعدم التوافق تتحمل مسؤولياته الخطيرة قيادة حزب المؤتمر الوطني التي بدا واضحا أنها تتمسك بكراسي الحكم على حساب التراضي والاستقرار السياسي.

هذا الموقف لن يعود على الحاكمين بقوة الأمر الواقع وانتخابات الأمر الواقع بأية نتائج ايجابية،  لأن  المشكلة التي ستستمر تكمن في استمرار عدم الاستقرار السياسي، ومعلوم أن  الحكومة الانقلابية  كانت تدعي على مدى سنوات مضت  أنها حققت الاستقرار السياس يفي السودان وقد أكد الواقع ان ذلك مجرد زعم وأوهام.

لا سبيل لتحقيق الاستقرار السياسي في السودان الا من خلال التراضي والتوافق الوطني،  كما لا يمكن أن تؤدي السياسات الاقصائية حتى لو كانت تحت عنوان الانتخابات والديمقراطية الا الى مزيد من الاستقطاب والاستقطاب المضاد، وهذا بدوره يضع الوطن والمواطن أمام كافة  الاحتمالات والتوقعات والمفاجآت الضارة.

مشهد الانتخابات الحالي محزن ،  لأنه يتم في أجواء  التطاحن وعدم التوافق على اجراءات وترتيبات ضرورية لضمان نزاهة الانتخابات، كما أنه مشهد يثير الحزن في قلبي وقلوب  كل الذين كانوا يتوقون الى وطن التراضي والتعاون والانسجام بين أبناء الوطن جميعا في مناخ الحرية والعدل والمساواة.

برقية: حمى الله الوطن والمواطنين من كيد  بعض أبنائه الذين   قتلوا مناخ التوافق ، واشاعوا أجواء التوتر باسم الانتخابات ، أي بأسم "مصالحهم" لا مصالح المواطنين عن صحيفة (الاحداث ) 11-4- 2010