دعوني استدعي خواطر قديمة تعلقت بذهني سنوات طوال , ذات مرة ذهبت في اجازة خريفية الي مدينة مليط  بلدي التي احببتها حد الثمالة ولي فيها مارب شتى , وبالمناسبة ذاتها رتب بعض اصدقائي رحلة صيغرة تسمى (بالقّمرية) .. قصدوا من خلالها تكريمي ورد الجميل في واجب الزيارة المفاجئة التي حملتني بعد غيبة الي بلدٍ لها علي يداً سلفت ودين مستحق .. اهتم هؤلاء الشباب بضرورة جعل هذة القّمرية منتدا مفتوح لتفريق الخمول الفكري الذي اصاب مجتمع المنطقة انذاك في مقتل , فحددوا مستلزمات الرحلة وجمعوا اشتراكاتهم لشراء نعجة سمينة تعطي الرحلة نكهة خاصة بلعبة الكتشينة التي تروق مع اكل الشية بالمُرين , وهناك في الوداي الغربي من اقصى المدينة توقفت عربة اللاندروفر التي يقودها (جدو) تحت شجرة حراز وارفة الظلال اشعلوا تحتها النيران لطي (المناصيص) ووزعوا الكتشينة في منظرٍ اكثر من رائع روحنا فية وافرغنا علية شحنة القلق النفسي والرهق الذي افترضة علينا واقع الحال في بنادر الخرطوم , استشعرت من ذاتي في هذا المكان الممتع حياة كاملة الدسم بعد خلوها من التزاماتٍ وضغوطٍ حياتية ظل يفرضها علينا المركز على مدى سنوات طوال .. انعم استشعرت اننا بالعل نعايش مجتمع حقيقي وليس مجتمعا الكترونيا يلغي صلات الآديمة لواقع اليوم كما الحال على فيس بوك و تويتر , لا استطيع البتة نسيان هذة الايام التي جمعتني بشلة كريمة من زملاء الدراسة في المراحل المتوسطة كانت الاقدار قد عصفت بنا وفرقت بيننا مشارب الدنيا الي حيث تريد ولا نريد نحن .! ولن تسقط  تلك اللحظات من الذاكرة حينما ارتشفنا موية (التمد).. وافترشنا كسيبات الرمل نتبادل الآراء ونتجاذب الحديث في محاور متعددة من حياة اهلنا البسطاء في مليط الجميلة حتى مغيب الشمس , وكيف استطاعت الاحن والمحن ان تصيب هذة المدينة المُغناة في القاصرة وتحولها الي اوكار شبة مهجورة .؟ فياسبحان الله كانت هذة المنطقة من اكثر مناطق دارفورازدحاما بالمواطنيين وتعج بها حركة البضائع والتجارة كيف تصير اليوم هكذا بوابي تموت على اطلالها لعبة الحكّو والشليل و(هلبلب) .. حتى مهرجان الهجوري والكشوك المصخوب الذي ينظمنة بنات البرتي في غابة الحكومة بمناسبة العيد توقف نبضة.؟ نعم عكفنا لسويعات هناك نتبادل الافكار والحلول نحصيها ونعدها عدا حتى تولد الاذهان مبادرة تسترجع البلدة التي انفض من حولها السامر , وجلهم يؤكد ان المتغير الراهن حدث في المجتمع المنطقة اما هي ظلت راسية (كما جبل الكّلو).. مع اعترافهم الضميري بتاثيرات شكلية خلقتها الاجواء والظروف المحيطة بالمنطقة نتيجة مايدور في دارفور من صراع سياسي بين الحركات والحكومة.. وبالتالي تصبح هي العامل الاول في اصابة اهالي مليط بفوبيا (الخُلعة)..  نعم الخلعة التي جعلتهم  يشدون الرحال مزعورين الي بلاد لايستحملون فيها الاقامة طويلاً .. ويدور النقاش هكذا في فلكٍ يفيض بالجدية والجدلية وكل منهم يتحدث بشاكلتة لكنهم يصيبون في نهاية المطاف هدفا واحد.. فضلت ان اطارح التساؤلات بشكل يعينني على فهم ارائهم الصريحة حتى نجني ثمار جلسة نادرة لاتكرر قريبا .. مليط انظف مدينة سودانية على الاطلاق بحسب زيارتي لمدن سودانية عديدة , كان من اللائق لشبابها ان يقدموا واجب الحفاظ على جوهرالمنطقة التاريخي وسحرها المعروف لكل من طالع قصيدة الشاعر البدوي محمد سعيد العباس الذي تغنى لرونقها البهي وكسبانها العُفر , اولى لهم ان يعملوا لاجلها بقلب نظيف بدلا من ان ينظروا اليها من عدسات فاشرية كاذبة حتى نراها ترفل في ثوبٍ جديد منطقة استراتيجية معروفه للقاصي والداني من خلال منفذها التجاري مما يساعد على استقرار وليس هجرة اهالي مليط الذين اعتادوا على حياة اقتصادية افضل نسبيا عمى هم بالفاشر ومدن دارفورية اخرى .. ففي مليط اقام الكويتون مشروعان مهمان الاول سوقا للمواشي والثاني مصنعاً للسجاد والاكليم ظلت منتوجاتة تتميز في الاسواق بعد رفع قدرات النساء واستشغالهن في الصناعات اليدوية الصغيرة , قدر الله ان تتعطل ماكنات هذا المصنع  بعيد الاحتلال العراقي للكويت حيث لم يجد التاهيل اللازم حتى اليوم , بل اصبح مكاناً تستظل بة الدواب والحمير فهي تمثل انتكاسات محيرة في الحقيقة , حتى الشباب الذين يناقشون هذة القضايا لم يجدوا حلولا ذهنية لاسئله حائرة بحوجة الي اجابات دونما ماتكون هذة الحول محاور غير شيقة للتفاكر ظلت تؤرق مضاجع المواطنون بشدة , وذات الاسئلة الحائرة تظل تطرح بشفافية خارج محيط الازمة في دارفور اليوم . نعم هرب اهالي مليط منها هروب الظل من الجسد لكنهم عائدون اليها قطع شك يتعاملون بين بينهم بالتي هي افضل ويخالقون الناس بخلق حسن يؤصل لتقاليد دارفورية راسخة في الوجدان.
وذات القصة تجدها متلصقة باخرى اكثر تفاعلا وواقعية , وهناك في معسكر سكنلي للنازحيين جنوب مدينة نيالا يحاضرني موقف لأمراءة طاعنة في السن تبدوعليها تهاذيب نساء دارفور من اللاواتي يقدسن احترام الرجل وتقويمة اينما حل ونزل , هذة المراءة الراشدة بعيد نهاية زيارتنا لذلك المعسكر المقتظ بالنساء وقفت توبخ بعضهن وتقول لهن: (هوي ياعوين ماتخجلوا سويتوا لينا فضيحة).. فالذي عرفتة ان هناك بعض النازحات بعد نهاية اللقاء ولضيق الراكوبة التي استضيفونا عليها خرجن قبيل الرجال ليفسحن لهم مجالا للخروج ,هذة التصرفات بالنسبة لهذة المراءة مصدرعيب مابعدة عيب واحساس بفضيحة تخدش طاعتها للرجل الذي يمثل خطاً احمر لايمكن تجاوز مهما استدعت والاسباب .! هذا النموزج النسائي بدارفورالكبرى ما يزال يتعصب لهذة الاصول ويعضين عليها بالنوجز مهما بلغ بهن العلم , ولايحسب هذا التقليد الي جهلٍ في مخيلة المراءة الدارفورية المكرمة بقدرماهو شكلا ًمن التقدير للنوع الاخر من الجنس البشري الذي يفترض تقديرة في اي وقت وبالتالي تقبل المراءة ان تحترم الرجل وترفض ان يكون غير محترما , وبهذة الصورة لم تكن دارفور باي حال من الاحول هي جحيم السودان على الاطلاق لمجرد حدوث صراع سياسي حول السلطة فكنا نناقش هذة التواصيف المغلوطة اعلاميا في منابر المركز طالما ان الصراع السياسي الدائرة هناك في نسختة الاخيرة بات لا ينهش العظم ولا يهتك النسيج المجتمعي لاهلنا .. ولماذا لاتفهم الصحف السودانية الا ان تنقل قباحة ووقاحة مايدر على الارض متجاهلة في نفس الوقت ان هناك جمالا ماتزال تحتفظ بة دارفور يتمثل في موردها الناضح الذي لو احسن لقفزت على الراهن المستعصي عمليا , كان من الافضل تذكر هذة الصحف اماكنية قبول الحل وليس اغتيال القراءة للمطالعين لهذة المعلومات الممجوجة , وبقدرماتكون هناك متغيرات على الارض في دارفور تجود الي جانبها ثوابت يمكن استحسانها بلا شك .


khalid trarees [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]