ذكر ما لم يحدث
أنور قريش
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
نشرت بعض الصحف أن المجلس القومي للصحافة والمطبوعات أصدر تقريره السنوي للعام 2008 والذي  إحتوى على عدة بيانات ومعلومات، من بينها إن المتوسط اليومي لتوزيع الصحف في السودان يبلغ 477 ألف وواحد نسخة. وأوضح التقرير أن هذا العدد يعني صحيفة لكل إثنى عشر (12) شخصاً بحساب أن عدد السكان 38 مليون نسمة واعتبر التقرير أن هذا مؤشراً جيداً ونجاحاً لسياسة المجلس.
لفتت نظري الدقة الإحصائية اللامتناهية التي يتعامل بها المجلس إذ قال إن المتوسط اليومي هو 477,001 صحيفة بلغة الأرقام ولم يقل لنا 477 ألف صحيفة فقط ويأكلنا صحيفة واحدة كل يوم لتصبح الجملة 365 صحيفة في السنوات البسيطة و366 صحيفة في السنوات الكبيسة، ويبدو أن المجلس متأثر بألف ليلة وليلة التي يصر مؤرخوها على إن ليالي شهرزاد كانت (1001) ليلة بلغة الأرقام. على كل فإن الإحصائيين العظام في السودان أدركوا أهمية الرقم واحد ف(حريق الكوتشينة) يحل حين يصبح حاصل جمع ورق المهزوم (31) و(الأربعتاشر) تحرق في الأرياف ببلوغ ورق الزميلين (451) بينما في المدن (351) وفي العاصمة القومية (251) نسبة للإزدحام والتكدس السكاني وضرورات الإنتماء إلى عصر السرعة.
يفترض التقرير أن مواطني السودان جميعهم يجيدون القراءة ويقرأون الصحف تحديداً بل يقتسم كل دستة منهم صحيفة واحدة سواء كانت (الأحداث) أو (قون) أو صحيفة (حسن الخاتمة) وهذه الأخيرة لم أقرأها شخصياً وإن كنت قد سمعت بها من خلال الإنترنت.
هذا التقرير ببساطة غير صحيح ولا يقول الحقيقة فنحن في بيتنا الكبير مثلاً أربعة عشر(14) شخصاً منهم (4) لا يجيدون أي من اللغات الحية التي تتعامل بها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ( وهؤلاء جدي ووالدتي وعمتي ووالدة زوجتي)، و بما أن الصحف الوارد ذكرها  في التقرير تصدر إما بالعربية أو الإنجليزية، فهؤلاء وأمثالهم خارج القائمة تماماً. لدينا (3) أطفال أكبرهم بلغ هذا العام فقط سن الدراسة وهو من محترفي مشاهدة التلفزيون ويعرف الكثير من الشخصيات التي تحتكر الظهور في الجهاز القومي وليس الخاص ويطلق عليها أسماء عجيبة تستحقها مما يجعل لهذا الطفل مستقبل باهر في دنيا الحكمة وأتنبأ لطفلنا هذا إذا ظل على حكمته هذه أن يصبح رئيساً لمجلس إدارة العديد من الشركات إضافة إلى رئاسة أحد الأندية الرياضية الكبرى وحيازة العديد من الصفات القيادية في الأحزاب السياسية ويمكن أن يكون عضواً في حزبين أوثلاثة إن شاء كما يمكنه الجلوس لإمتحان القيد الصحفي والنجاح فيه من المرة الأولى دون مشقة! وقد أطلق طفلنا الحبيب إسم (الرجل الغياظ) على مذيع ضخم فاتح اللون قليل الطلة فأشادت به ومدحت ذكاءه إحدى العائلات التي كانت تزورنا مما دعا والدته ،التي هي بنت خالتي، لأن تبخره بالكثير من الأعشاب والحشائش حتى كاد البيت أن يحترق ونستدعي المطافيء، ولكن الله سلّم. دعونا الآن من هذا فتلك  قصة أخرى. على العموم وحرصاً على صحة طفلنا المعجزة النفسية فإننا نحرمه من مشاهدة القناة السودانية خصوصاً أثناء فترة بث برنامج (بيتنا) وبرنامج (عزيزي المشاهد) وبعض التغطيات الميدانية إضافة إلى يوم السبت بكامله . إذن أطفالنا الثلاثة لا يقرأون الصحف. لدي قريبتان تدرسان بالجامعة ولا تقرأ أي منهما الصحف حيث توجهان جل مصروفاتهما نحو شراء الكريمات المهربة التي تبيض البشرة خصوصاً كريم (ديانا) الشهير والذي تقولان إن الحكومة منعت إستيراده بضغوط من الإتحاد الأفريقي الذي عز عليه أن تتحول نساء السودان إلى عرب أو خواجيات في حالة بعض المذيعات ويبقى الرجال فقط هم أفارقة في حين يصر الإتحاد على عضوية الدول بجميع مواطنيها رجالاً ونساء إلتزاماً بمبدأ المساواة السامي بين الجنسين. وتقول قريبتاى إنه إذا فتحت الحكومة باب إستيراد كريم (ديانا) و(ماكاري) و(لاكولين) أو قدمتها مجاناً في المستشفيات والمراكز الصحية فيمكن للسودان أن ينضم بعد سنوات قليلة إلى الإتحاد الأوروبي، وغالباً قبل تركيا، شريطة أن يستعمل الرجال هذه الكريمات ليس كعمل للتجميل ،لا سمح الله، فرجال بلادنا زي الورد وأظافرهم مقلمة وليست فيها حاجات (سوداء سوداء)  كما إنهم يلبسون الأحذية دائماً بشرابات و لا يبصقون في الشارع العام ، ولكن كعمل وطني من أجل مصلحة الأمة التي أهدرت زمناً طويلاً في إنتظار حسم قضية الهوية من خلال ندوات المثقفين الذين غابت عن فطنتهم إمكانية التخلي عن الهوية الموروثة (سبب البلاء والمشاكل) وصنع هوية أخرى أو إكتسابها عبر إستخدام كريمات تبييض البشرة والتقنيات الحديثة مثل (السولاريوم) وغيره والتي يمكن التغاضي عن أضرارها الصحية من أجل مصلحة الأمة وهويتها. إحدى قريبتاى الجامعيتين لديها ذكاء سياسي لا يبارى وقد أوضحت لي بصورة حازمة أنها ستقود تمرداً من أجل الحصول على دولة مستقلة للنساء البيض الوجوه السود بقية الجسم  في المستقبل بإعتبارهن أقلية عرقية مقهورة ومحرومة من المشاركة في السلطة والثروة. وقالت قريبتي إن الإحتفاظ ببقية الجسم أسوداً مع بياض الوجه يعبر عن مزاوجة أصيلة بين التراث والمعاصرة وبين العروبة والأفريقية.. لم تنته القصة بعد فانتظرونا
* هذه القصة وغيرها من القصص التي سترد في هذا الباب خيالية تستلهم الواقع و لا تنقله، فإذا تشابهت إحدى شخصيات هذا الباب مع شخص أو إسم شخص من الواقع فإن الصدفة المحضة هي المسئولة عن هذا.