د عبد الرحيم عبد الحليم محمد

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.ب 

 

 

مدخلي هنا سيدي الوزير هو القول بأن لكم في مستر اسكوت مدير  كلية غردون التذكارية عبرة بكسر العين وعبرة بفتحها ، ولكم في ذلك الماضي الجميل أسوة حسنة حينما كان خير الله تعالي وما استخلف فيه عباده من الآباء من مال يفيض على أبنائنا طلاب الكلية فيتدخل مدرسوهم الى الآباء يناشدونهم تحفيض مناسيب كرمهم حتى لا يبطر الكرم الأبوي دارس أو يقعد به عن فهم مغزى الأ يبسط يده كل البسط فيقعد ملوما محسورا فلا يفهم فقه التدبير كقيمة عالية رفيعة سعى أؤلئك المخلصون الى تزويد أبناء الوطن بها .

 

إنني أتحدث عن زمن جميل كان فيه المسئولون يبحثون عن معادلة متوازنة للصرف على الطالب الجامعي الذي كان هناك حد أدنى يكفيه لكى نقارن سيدي الوزير بما كان هناك وما يجري هنا في زمن صار الإجلاس فيه انجازا وجباية المال الكثير من آب معدم سلوكا ، وتوقف الطالب عن التعليم إعسارا ، واقعا والتواصل بين المؤسسة التعليمية والآباء ترفا أو حديثا نظريا . بين يدى الآن وثيقة تاريخية مصدرها كلية غردون بتاريخ 31 ديسمبر 1939 م أرسلها لي شقيقي السفير عبد المحمود عبد الحليم وقد وردته من سعادة نائب وكيل وزارة الطاقة –الأستاذ حمد النيل عبد القادر . اليكم نص الوثيقة :

 

" الخرطوم –كلية غردون في 31 ديسمبر سنة 1939م

 

حضرة المحترم

بعد التحية –اعتاد بعض آباء وأولياء أمور التلاميذ الداخلية أن يرسلوا نقودا لأبنائهم أكثر من اللازم وبذلك يتعود التلميذ على التبذير . وبالبحث وجدنا أن أكثر مبلغ يحتاج اليه التلميذ الداخلي شهريا هو خمسون قرشا وهذا لا يمنع من أن يرسل الوالد لولده مبلغا أقل من ذلك حسب حالته المالية والبيان التالي يوضح لكم ما يريد أن يصرفه التلميذ:                                

 

تلميذ من أم درمان

تلميذ من البلاد الخارجية

 

يغسل بمنزله

-

80 مليم

غسيل الملابس

 

100

100

شاى

اذا ذهب اسبوعيا لمنزله

160

-

نقليات

 

50

50

بقلاوة وعزائم

 

20

20

حلاقة

يسمح للتلميذ في بعض الأحيان الذهاب للسينما اذا كان في الأفلام مفيدا له

50

50

سينما

 

70

100

مصاريف مختلفة

 

500

500

وفورات

         

 

واذا رأى الوالد أن بعض المصاريف المذكورة بالكشف ليست ضرورية لولده فهو مخير في ارسالها أو عدم ارسالها واني أنصح لآباء التلاميذ ألا يرسلوا لأبنائهم أكثر مما هو موضح  وبذلك يساعدوننا على بث روح الاقتصاد والتدبير في نفوس التلاميذ وتربيتهم على عدم صرف شيء في غير محله  وفائدة ذلك عائدة عليكم حيث لا تتكبدون ارسال مصاريف ربما تصرف في أشياء غير ضرورية.

 

وختاما أهديكم تحياتي

 

جي أسكوت

مدير كلية غردون "

 

هنا وقفات وعبر سيدي الوزير فان أهم موارد الوطن هم بنيه ولم يكن اهتمام المستعمر بمصاريف يدفعها الطلاب مقابل تعليمهم وإنما المصاريف التي تدفع إليهم من ذويهم !! واني لأرى أن  رسالة المستر اسكوت تنبع من فهم عصري سبق عصره في جعل عملية الصرف على الطالب متزنة تشكل أحد عوامل التنافسية بين الأمم في أغلي أصولها  وهي البشر . وهذا الاهتمام العصري الذي عكسته رسالة مستر اسكوت هو من جملة عوامل اقتصادية  واجتماعية وسياسية يعطل عدم توفرها القدرة التنافسية الوطنية للأمم ليس معنى ذلك أن الصرف الأكثر أو الأكبر هو الأفيد للطالب وإنما الصرف نفسه ناهيك عن الصرف  المرتبط بقياس عناصر النجاح متمثلة في المعدلات التي يحرزها الطلاب.

 بين يدى الآن احصائية توضح مختلف معدلات الصرف السنوي بعدد من الدول الصناعية بواقع التلميذ الواحد حيث تأتي الولايات المتحدة(3901 دولار ) في مقدمة الدول تليها كندا( 3516) ثم ايطاليا ( 2687 دولار) ثم ألمانيا الغربية (2510) ففرنسا (2502) ، بريطانيا ( 2498) ثم اليابان (1992) الا أن  التلميذ في الولايات المتحدة يأتي في ذيل هذه الدول من حيث المعدلات في مادة كالرياضيات فبالرغم مما يصرف عليه الا أن بقاءه في الصف خلال العام الدراسي هو الأقل مقارنة بالدول الصناعية المذكورة ونستطيع تتبع تأثير مخرجات التعليم   المرتبطة بأهداف إستراتيجية على رأسها العامل التنافسي  في الحالة اليابانية فعندما انهار أو كاد سوق السيارات الأمريكي أن ينهار واصلت اليابان من خلال مصانعها في أمريكا واليابان من تحقيق معدلات تنافسية عالية في الوقت الذي عجزت فيه شركات عملاقة مثل كرايسلر من قراء ة السوق  وسارت نحو الهاوية .لقد  تقدمت شركة كرايسلر الأمريكية لصناعة السيارات بطلب لإشهار وأعلنت اتفاقا مع شركة فيات الايطالية بعد أن تضررت من انخفاض مبيعات السيارت وعدم قدرتها على التوصل لاتفاق لإعادة هيكلة ديونها. هذه هي ايطاليا القطر الصغير يبرز تفوقه في العلوم والرياضيات كمدخل للتفوق على عملاق العالم في عقر داره الصناعية . الرئيس باراك أوباما يشيد بخطوة كرايسلر باعتبارها حاسمة لإنقاذ 30 ألف وظيفة في كرايسلر .

أحد عمالقة صناعة السيارات الأأمريكي يغني للايطاليين مغازلا "يا سايق الفيات"  ، وبعد هذا الشغب التربوي الاقتصادي سيدي الوزير أقول لكم أبدأوا بالإنسان فهو المدخل نحو عالم ممكن.