عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

د عبدالرحيم عبدالحليم محمد

1

كانت تلك القسمات الجميلة الهادئة  التي خفّت مسرعة إلى قاعة  عرض محتويات معرض يوم السودان بمعهد مونتري للدراسات الدولية  تختزن في وجدانها الوطن الغالي . كان البرد قارسا والوقت محسوبا ومحتويات العرض كثيرة ومتنوعة وثرية تعكس ثراء الوطن نيله وترابه وتاريخه وحضارته وسحنات أهله وأنغامه . كانت هناك اللوحات الفنية ومفردات الفولكلور والمطبخ ومفردات الصحراء وأقاليم السافنا والاستواء... كان هناك العود والطنبور ومفردات السلم الخماسي الذي غزا به السودان العالم مبتدئا من حزام السلم الخماسي  عبر إثيوبيا واريتريا وإقليم شرق أفريقيا قاطبة . كانت جدران المعهد الأنيقة تعانق عمنا "المعلاق " او "المشلعيب "  وتسأله عن القرض والعرديب والحلبة  والمفراكة والحُق والقرمصيص  والجردقة والكركدي والكمون . ومن عجب أن "المحفضة " بسيورها الحمراء الطويلة الحنونة وبشرتها الجلدية الصقيلة المستمدة من جلد "عتود سوداني " في زمن غابر جلست تحكي عن الماضي الجميل غير عابئة برطانات القوم من حولها  ولا بالتماع أضواء النيون من بعيد أو بنسائم الليل القادمة من الساحل. أنني هنا أقدم عمتنا "المحفضة " لأصدقائنا الأمريكان خاصة السيدات فانهم سيعلقونها في الرقبة ويستخدمون طوابقها العديدة في حفظ النقود والبطاقات الصحية والكردت كاردز  اذ يعتبر قطعها أو العبث بها نوعا من  االهراسمنت " كذاك الذي وقع على المغنية الشايقية قديما فأنشدت  تقول :

شكيتو على الله ود أحمد جبارة

قطع محفضتي بى مصروفا شالا

وأنني لأقترح على الأخ الكبير محمد عثمان رئيس الجمعية السودانية  العمل على تطوير هذه الأداء كأحد مصادر الدخل لنا في الأسواق الأمريكية !!! ,أستطيع أن أتقدم باقتراح آخر هو بحث فكرة تقديم "المشلعيب " للأمريكان الذين يرغبون في تسلية كدايسهم أو "طوطيحها " بطريقة رياضية من باب تدليعها فقد يصرف عني ذلك على الأقل الكديس وينسلو كديس جارتنا الذي استباح مدخل بيتي لأغراض ليست "خوش " حسب التعبير العراقي  وبهذا يشغل المشلعيب أعدائي  بأنفسهم ويساعد الكديس وينسلو في تزجية وقته  وحفظ حق الجار!! أيها الكديس ونسلو ..حل عني !

مفردات غناء القمري والدباس والقيردون  وأصوات خرير الجداول المتدفقة على الثرى الخصيب كانت ترقد في زهو على الحوائط الأنيقة  في لوحات على الورق أو الجلد. بجانب الطنبور كان العود مستلقيا على صدره في ساحة العرض يحكي عن أم در وعن دار الاذاعة  وعني مالن صدوا واتوارو وعلايل أبروف وأزمنة الغناء الجميل لعبد الحميد يوسف مترنما برائعة حميدة أبوعشر  :غضبك جميل زى بسمتك " إلى عصر المبدع مصطفى سيد احمد وعصام محمد نور وعابدة الشيخ متحاورة مع شيخ الحقيبة مبارك حسن بركات في "ذبت وجدا في هواك :" .. الله ...الله من هذا الوطن النور والنوْر والنار والنوار.

 

 ان الأنغام السودانية الجميلة كانت أيضا تنبع من  ملصقات ضخمة جميلة حصلنا عليها بعد إذن كريم من السفير تموثي كارني الذي عشق بلادنا وعمل فيها ومصوره القدير فريمان ، وكانت هناك ملصقات أخرى جميلة عبرت بالحضور  في سياحة تاريخية من دير الغزالة في مروي إلى برج الفاتح على ضفاف النيل الأزرق . في تلك الليلة كانت أيدي أبناء وبنات الوطن أيد مبدعة بحق ومدركة لجسامة مهمتها  وواثقة من قدراتها الهائلة الثرية وكان همهم هو إبراز الوطن كقوة حضارية وهنا تحضرني خطبة للرئيس عبود تذكرتها في ذلك اليوم " اننا نأمل أن نكون قوة معنوية تقود العالم الى طريق الخير والرفاهية ... وتلعب فيه دورا ايجابيا يتناسب مع تاريخنا وحضارتنا وتراثنا الثقافي والأخلاقي"

ان انشغال السودانيات والسودانيين بتقديم عرض راقي في مظهره ومحتواه يعني أنهم يعرفون أبعاد تحدي ايقاء ثقافتنا حية ومتجددة في طوفان الثقافات القادمة من بعيد  في عصر طرق المعلومات السريعة وفي عالم يؤمن بأن البقاء للأصلح.ان ذلك الجهد الذي قام به أبناء وبنات السودان تم خلال ساعتين ونصف فقط انتصبت بعدها قائمة أجمل معرض ثراء ومحتوى شهدته تلك القاعة حسب إفادة مسئوليها . من اللمسات الفنية التي لم تخطئها أعين الزوار لوحات الابن إبراهيم مصطفى بألوانها وخطوطها ودلالاتها الإيمانية العميقة المستمدة من القرآن الكريم في سياق عرضه المبارك لقصص الأنبياء والأمم الغابرة. عند مرور رئيس معهد الدفاع شرحت له هذه الإيحاءات المبدعة حسب تعبيره مبديا تقديره وحرصه على إسهام إبراهيم كطاقة جبارة تبرز من خلالها جهود معهد الدفاع  وتضيء دوره في دعم قيم الثراء والتنوع داخل المجتمع الأمريكي. لقد كنت أقرأ دهشة واضحة في عيون الزوار وشغفهم بالتعرف على إبداعات أمتنا فكان الإعجاب ظاهرا والإشادة مستحقة بالسودانيين الذين أتوا الى المكان قائلين "أنا سوداني"

 

كانت رؤى أبناء الوطن القادمين من الجنوب مفعمة بحب وطن واحد قادم من دون أن يخفوا مخاوف أن ينشطر هذا الجسد العاشق فتضيع بذلك مواعيد لقاءات صادقة بين مغني في الشمال " يا جوبا مالك عليا " في خبائها الانشطاري البعيد. ولئن كانت الندوات فرصة طيبة للتعريف بالوطن وبجمعيته فقد كانت فرصة أيضا للكثيرين لإخراج الهواء الساخن من صدورهم بل وإخراج الكثير من الومضات المشرقة الجميلة التي تحلم بوطن قادم تحكمه العصفورة لا الطلقة .مرة أخري يبرز تنوع الوطن القارة عبر أزياء الدراويش متسللين كضوء من أم ضوا بان  ومن الغرب جاءتنا أزياء تبلدية مدهشة برائحة السدر والحراز ومن الشرق كان طنبور آدم شاش :

 

عليك الله يا اللوري

أليك الله بس بورييييييييييي!!

من الجنوب والشمال والشرق والغرب في وطننا ... شابات يافعات وصبية أماجد وضعوا جانبا لكنتهم ألأمريكية القوية وجاءوا يغنون للوطن "عيني باردة "!!!. كنت ساهما أنظر الى ابنة الكل أعناب بثوبها السوداني ولكنتها الأمريكية ...سرحت بعيدا في زمن مر سريعا وأنا وأم سامر نحملها في لفافات ملونة اتقاء الحر في جدة طالعين من مستشفى جامعة الملك عبد العزيز الذي ولدت فيه الى بيتنا في مدينة الخطوط السعودية السكنية وقد سرني حديثها ...حديث الناشطة المتمكنة من قضايا أمتها وشعبها .عفارم عنبة .

أخوات مهيرة جئن بالمواعين الوسيعة  المليئة بالطعام السوداني الكريم حيث وقف الجميع باطمئنان يرقبون تقدم الضيوف أولا . ما لا يقل عن 400 ضيف فاض بهم المكان مثلما فاض بهم الطعام ، ومع الخواطر المترعة بحب عازة كان في الخاطر ذلك البيت لمحمد المكي ابراهيم :

وفي بلادنا نعطر الهواء بالمديح

روائح الطعام من يسوتنا تفوح

لكأني بالقدر جاء بهذه الوجوه الجميلة كغيرها مسافرة عبر موانيء العالم ومتخللة لخطوط الطول والعرض فيه لتعيد بعض الطعم الى هذا العالم الماسخ على حد تعبير صديقنا المهاجر الاسترالي عباس الشيخ !!!فالله دركن أخوات مهيرة .مع أحمد باص والموسيقارين أحمد عركي  وميكائيل ومحمد عركي كانت الكمنجة تتلوى كساحرة استوائية  مغنية "سوداني بليدنا وكلنا أخوان " عرضنا جميعا .....العجائز مثلي  والأطفال مثل  مريود ومحمود عباس وغيرهم يغنون لمليون ميل مربع هي قطعة من أكبادنا ان لم  يجرحها الساسة أو يستأصلونها بمباضع الغفلة والنسيان.

 

عفارم الجمعية السودانية الأمريكية ولجنة الحفل وأصدقائها  ومعاونيها والى وطن قادم نرى فيه الحبيبة عازة تعدل شكل جدائلها وتكتحل بأجمل ما عندها من مكياج وتضع أحلى ما عندها من عطور.

 

محبكم د. عبدالرحيم عبدالحليم محمد

5 ابريل 2010