في أمسية مركز دندرة الثقافي –جامعة دنقلا بكريمة

 

1
أكون في حضرتكم اليوم يا أحبة عبر صدى وجداني آسر هو الطنبور . أخي العزيز د أحمد عبد الله أبو بكر ، يدخلني دائما في أحاديث الوجد والوجدان والحنين كونه من العارفين بمناطق شجني رغم اقراراي بصعوبة المهمة اذ لا زالت رائحة البعد تفوح من ثيابي..ولئن كان نهر الذكر والطار والمديح، يمر ببابنا كل يوم خمس مرات فلا يبقي ذلك من درننا شيء ، فقد ظل أريج الطنبور في وطننا ومنطقتنا هذه رفيقا وجدانيا للطار ، بل أن الطنبور نفسه كان في يوم من ألأيام جزءا من التكوين الوجداني لحاج الماحي الذي يشكل نوره المحمدي الوضاح برقا من بروق هذا اليوم.
إننا نرى اليوم هذا الرفيق النغمي..الطنبور يلبس اليوم سوارا فضيا زاهيا متعطرا بماء النيل هنا في كريمة في أمسية كريمة يلفها تكوين وجداني أكرم هو امتداد أمتنا المبدعة وفنها الراسخ منذ القدم.إنني أرى نفسي اليوم خاطبا لود هذه الحسناء المحتنية بطين الضفاف ...كريمة بكل شجوها وشجنها ودلالها وذكرياتها مخاطبا لها بوجدان من أحد شعراء المنطقة:
قصيبة قيفك
في الرقيص على كيفك
2
تناول الطنبور كأحد مكونات ثقافة الشمال بطعم البركاوي والمانجو وأريج اللارنجة هو صعب كونه متعدد المسالك . ومع أنه حديث عذب شهي ، فهو يدخلك الى بوابات التاريخ والحضارة ومنها الى الوطن الغالي عبر حواضره وأقاليمه غابا وصحراء. إن هذه الآلة السحرية المدهشة . لها عمقها الوجداني القادم من بوابة التاريخ فهي آلة قديمة ، تنوعت أصنافها في جميع أنحاء السودان القديم ، شماله وجنوبه وشرقه وغربه . ومن حيث الصنع، فقد تعددت طرق صناعته من المواد المحليّة ، ويتم دوزنته لحنا وترديدا وايقاعا وفق أذواق صانعيه ، وتذوق المجتمع الثقافي ، ولكن ما يميز هذه الآلة في الشمال هو رقة ضبط نغماته الحادة بينما نراه مثلا في الاقليم الاستوائي ، تتميز دوزنته بالنغمات الغليظة إن الطنبور في كل أشكاله ، هو نتاج إبداع شعبي ، يعبر عن الوجدان الشعبي الثقافة الغنائية لشعوب السودان . .
هنالك صوت يقول أن آلة الطمبور هي في الأصل وردت من مناطق العراق القديم ، و من مناطق حضارة ما بين النهرين ، ثم انتقلت إلى اليونان ، وعبرت إلى مصر القديمة ثم السودان. وإني لأعجب كيف أن وجداننا الشعبي هنا في منطقتنا هذه كان عند تغنيه لرموش الحبيبة منطلقا من بوبابة وجدانية أكبر هي التاريخ:
بناتنا يذكرنك ملكة بابل
وما بيصطادن الحابل والنابل
وكل واحدي سديرا محروس بى قنابل
إني لأعجب كبف كان الشاعر موفقا في توظيف التاريخ بهذا الشكل...التاريخ الذي ربما قدم منه الطنبور من بلاد الرافدين إلى حضارة مروي وكوش ، عاشقا لمناقب الملكة الأ سطورية التي ذكرتها المصادر الإغريقية و كتب اليونان ، الملكية ألشورية الشهيرة سمير أميس ومتمثلا لصولجانها وهيبتها وجمالها ألأ سطوري في وصف حبيبته.. هذا وهناك مصادر ترجح أن أول من استخدم الطنبور هم النوبيون ونحن لا نستغرب ذلك خاصة إذا أخذنا تم تعريف مملكة كوش بواسطة اليونسكو علي انها : كانت قوة عظمى بين القرنين الثامن والرابع قبل الميلاد وكانت والميلاد امتدت إمبراطوريتها الشاسعة من سواحل البحر الأبيض المتوسط الي اعماق أفريقيا، جاعلة من مناطق نفوذها مساحة تبادل للفنون والهندسة واللغات والأديان.
.إن وجداننا الشعبي هنا في منحنى النيل حيث لفن الطنبور منه وفيه نصيب وفير، وهو يكتف وجداننا الشعبي وهو أيضا بمد شاراته الخضراء الوريفة في عمق التاريخ وانما ملامسة رموز الحركة الوطنية أتين على ذكرهم بشكل مشوق عندما كان المقام مقام الهيام ، وتجليات العشق وشجون الأقتصاد المعيشي . النعام أدم الذي يطرز احتفائية اليوم مكرما يغني في من نيرانا محروق لحسن الدابي:
من نيرانا محروق
ﻳﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﻧﻴﺮﺍﻧﻮ ﻣﺤﺮﻭﻕ
ﺟﻤﺒﻰ ﺯﺍﺭﻋﻨﻮ ﻋﺠﻮ ﺍﻟﺸﺮﻭﻕ
ﻣﺮﻭﻯ ﺑﺎﺑﻮﺭﻭ ﻓﺠﺮ ﻳﺴﻮﻕ
ﻓﻮﻕ ﺟﺮﻳﺪﻭ ﻳﺤﻤﻞ ﻳﺘﻮﻕ
ﻗﻠﺖ ﺃﺧﺪ ﻣﻨﻮ ﻭﺃﺿﻮﻕ
ﺳﻴﺪﻭ ﻗﺎﻟﻰ ﺩﺍ ﻣﺎﻫﻮ ﻟﻠﺴﻮﻕ
ﻗﻠﺘﻮ ﻣﺮﺿﺎﻥ ﺧﻠﻴﻚ ﺷﻔﻮﻕ
ﻗﺎﻟﻰ ﺣﺘﻰ ﺍﻧﻢ ﻣﺖ ﺑﺎﻟﺸﻮﻕ
ﻗﺎﻟﻰ ﺧﻒ ﻋﺠﻞ ﺑﺎﻟﻤﺮﻭﻕ
ﻻﺗﺤﻮﻡ ﺑﻰ ﻓﻮﻗﻰ ﺧﺎﺯﻭﻕ
ﻧﻈﺮﻩ ﻣﻦ ﻋﻴﻨﻬﺎ ﺍﻟﺰﺭﻕ
ﺗﺮﻫﺐ ﺍﻟﻤﺤﺠﻮﺏ ﻭﺯﺭﻭﻕ
وليس بمستغر ب على وجدان عرف كيف يغازل التاريخ والحضارة والسياسة أن يمتد ليغازل بقية حواضر العالم كاشفا عن ذكاء شديد للوجدان الشعبي في عالم الهيام والوجد والحنين واغنيات الحب واللوعة والصبابة:
قلبي بالدقات والأ نين
تعترف وتشهدوا بيج بين
الساعة ذات الشهرة على قبة البرلمان الاتجليزي .،
إنه ذلك الوجدان الذي اختزل حرير منطقة التبت كلها على النحو الذي درسناه في حصص الجغرافيا القديمة فذاك حرير لا جودة له إذا ما قيس بحرير الحبيبة هنا في المنحنى:
يا حرير الصح مو تبيت
سيدوا قال بالأمتار أبيت
وأنظر هنا لهذا الوجدان الذي يجري على أسلاك خمس ملهمة وحنونة ، يقف حاضنا لرصانة اللغة العربية عبر التصغير الحنون الذي هو سمة من سمات منطقتنا هذا ..يا وليدي ويا جِني ويا وليد رحيِّم وكريِّم وخدير وهنا يتجلى بصورة حنونة ومكثفة : الخ:
أبقي سيد مكنة وأخيِّت
في دكيكين ود بخيِّت
أبقى زرزورن غتيِّت
وأنقد أم راس في السبيط
علماء الثقافة والانثربولوجيا والادارة والسلوك التنظيمي وما إلى ذلك يعرفون الثقافة بأنها هي الفطانة وصقل النفس والمنطق، أمّا الثقافة اصطلاحاً فمن مظاهرها المعرفة، والعقيدة، والفن، والأخلاق، والعادات وأيّة قدرات اكتسبها الإنسان كعضو فى المجتمع . إنها كل ما صنعه الإنسان فى بيئته خلال تاريخه الطويل فى مجتمع معيّن وتشمل اللغة، والعادات، والقيم، وآداب السلوك العام، والأدوات، والمعرفة، والمستويات الاجتماعيّة، والأنظمة الاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والسياسيّة، والتعليميّة، والقضائيّة. وهذه العناصر في تقديري هي مقومات وجود الإنسان أى وجدانه. وجدان مصدرها وجد ، ووجدان المرء هو نفسه وقواه الباطنية وما يتأثر به. وإزاء هذا الشموا في الثقافة ، فقد كان صوت أحد شعراء السودان الذين أثروا في وجدانه، جهيرا في قايد الأسطول التي يرقد داخلها بارتياح معنى الوجدان اذ قال في يا قايد الأسطول والناس عقول ولسان، وربما نجد صدى تعريفيا للوجدان عند شاعر من منطقتنا هذا أنشد يقول:
يا طنبوري جيب نغمات
لساني عجز يجيب كلمات
قوقن يا قميريات
ستات الجمال جايات.
3
أيها ألأحبة
أمسيتنا هذه تطرزها أغنيات النعام آدم كمحتفى به في اقليم تحت كل نخلة فيه نغم، وتحت كل عرجون فيه زغرودة وعبر كل بربخ فيه زلالا من الوجد والحب واللوعة والشوق. ليس المجال هنا للتعريف بمحمد آدم محمد ، الشهير بالنعام فالكل يعرفه. عندما نتحدث عن دور النعام آدم في صياغة وجداننا المحلي والقومي وثقافتنا الفنية على مستوى الإقليم والوطن ، تقف كل نخلة في الشمال ...مرتدية أحلى ما عندها من أساور ومعلنة أن النعام القادم أصلا من صحراء الهواوير ، جاء الى منطقة الكربة في منصوركتي ليس بعيدا عن مكاننا هذا. حمل طنبوره وكان فنه حوارا تفوق على شيخه كما نقول. أى تمازج وجداني أصدق مثالا من هذا؟وفي وسط تغني قبله الناس بأغنيات بندة وبلاص وادريس ابراهيم وعبد المنعم بشير، إنتقل النعام آدم إلى الإذاعة السودانية عام 1959 م حاملا طنبوره ليشعل في الوطن كله قناديل الوجد والحنين وليؤسس مدماكا قويا في وجداننا الفني المحلي والقومي . عبر برنامج في ربوع السودان الذي كان يقدمه وقتها الراحل علي الحسن مالك من أبناء قرية الغريبة في هذه المنطقة ، ابتدر النعام دبلوماسية الحب في فاوضني بلا زعل ومشتاقين..
فاوضني بلا زعل"
فاوضني بلا زعل ياخى
طمنى أنا عندي ظن
يبقى بكرة المحبوب يصل
وينقطع شيال الخير
يا اخي فاوضني بلا زعل.
تلك أغنية بسيطة في كلماتها التي تتمركز حول فكرة بناء مناخ ايجابي يتمكن عبره العاشق من الوصول الى مرافيء الحبيبة وسط أجراءات أشبه باجراءات بناء الثقة confidence budding measures وفقا لمفردات قاموس المفاوضات في عصرنا الحالي وما تنطوي عليه من قيم وممارسات ربما كان لمعطيات علم النفس دور في انتاجها وتطبيقها والانتفاع ببركاتها لا سيما تلك التي تتعلق بعواطف المفاوض وحسن استغلال تلك المعطيات بما يمكنه من تحويل العسر الى يسر في خباء الحبيبة ومضارب أهلها .وعودة الى عجو الشروق"سيدي قالي دا ما هو للسوق ، ربما أقترب من خصوصية جمال الحبيبة عند شاكسبير.
ر
Beauty too rich for use, for earth too dear.
في أغنية ألنعام آدم تلك "شوف ناس آسيا ممنوع" تقارب وثيق مع شكسبير فأنظر حالة التماع خد الحبيبة واشراقها هنا في وجدان الشمال وهناك في وجدان عالمي آخر بعيد:ا
Oh, she doth teach the torches to burn bright!
It seems she hangs upon the cheek of night
Like a rich jewel in an Ethiope’s ear,
من جبينه بيشلع النور
الخدود باقات من زهور
يا الغفير اسمح لى مشكور
بالدخول ...واطلب ما تدور
النعام آدم ردد الوطن كله أغنياته فيما نراه اليوم من أداءات أدخلت أغنية المنحنى في حناجر من يؤدون أغنيات تصنف بأنها حديثة اليوم. وقد {اينا ابراهيم دينق يرسل من بين أوراق المانجو والباباى أغنيات مثل لا شوفتن تيل الشوق ، عبر طنبوره إلى فضاءات الوطن بعد أن ترقص على ايقاعها بنات البحيرات في ذلك الجزء العزيز من الوجدان السوداني..
في سبعينات القرن الماضي ربما يتذكر الكثيرون ذلك المسلسل الاذاعي الدرامي الذي تقول مقمته:
" كترت العداوة تزيد وتبقى كماين
الزول الظلم قايل انستر ما باين
إن غقفلوا الخلوق عين الأإله بتعاين
في ذلك المسلسل المكون من 13 حلقة كانت المسيقى التصويرية للنعام آدم مع موسيقى الفواصل حيث تمكن من نقل صور تعبيرية صورت كما أشار الأ ستاذ عبد الله شقليني مزالق تطور الفعل الدرامي مرحلة مرحلة بلوغا بالدراما إلى قمتها. والحقيقة أن الراحل النعام آدم يدرك جيدا طريقة ومعنى ومغزى توظيف الدراما حتى في ألحانه ففي أغنية فريع البانة:
طريقة الأداء الدرامي عبر الربابة للنعام آدم في أغنية "فريع البانة ...مرحبتين حبابك". ترينا كيف أن النعام آدم يجري اللحن بحسب مضمون مقطع القصيدة فمن رنة حنونة مسالمة دافئة للترحيب بمقدم المحبوبة في "مرحبتين حبابك...واليوم السعيد الليلي جاب:" يتغير العزف بما يعكس ايماض البروق وهدير الرعود في :
رعدك جار يكركر غيمو شابك
برقك شال يضاحك في سحابك
ويأتي النعام بفيض لحني متغير حينما يأتي على :
من رش المطر خايف حرابك
وخايف من دموعو على ثيابك
فتحس أنه يمطر صبابة ويتدفق لوعة.
إن هذه الأغنية للشاعر خضر محمود ، هي من أميز أغنيات الراحل النعام آدم وفيها نرى هندسة بديعة ليس للشاعر فحسب وانما للخالق سبحانه وتعالى منشيء الجمال نفسه:
الزارع حرص فيك واعتنابك
كادن جدولك ورفَّع سرابك
هنا يلتقى الوجدان الفني مع الاقتصاد المعيشي في اقليم يعيش على الزراعة فالمزارع هناك يكادن الجدول ويرفع السراب ويوضب ويمتق ويحرث ويحش ويضري. لكن فيما أرى أن عبقرية الشاعر تخطت هذا النطاق مقرة بقدرة الخالق الخلاق ...صانع الجمال الذي أحسن تصوير هذه الحبيبة في مقاربة مدهشة مع النبتة التي يحسن زارعها رعايتها حيث يقول الخالق جل وعلا" أفرأيتم ما تحرثون أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون". خضر محمود هنا وكأنه يجاري شاعرنا العظيم التيجاني يوسف بشير المقر بقدرة الخلاق الخالق العظيم واهب الجمال:
من ترى وزع المفاتن يا حسن
ومن ذا أوحى لنا أن نحبا
إنه صانع القلوب التي تنصب
في قالب المفاتن صبا.
أو ليس هو الشاعر القائل عن ضمير أمتنا ووجدانها الفني:
هذه أمة يفيض بها القيثار
فاسمع حنينه وانكساره.
وبعد فقد أقتصرت أضاءاتنا هذه على جزء من فنون منحنى النيا مقرين بأن وجدان الطنبور الذي يتمدد في أرجاء الوطن كافة لا سيما أقاصي الشمال، يحتاج منا للكثير من الإضاءات. وهناك شعراء كثيرون أثروا وجداننا عبر الفن الراقي للراحل النعام آدم نذكر منهم حسن سيد احمد ، خضر محمود، حسن الدابي ئ، محمد سعيد دفع الله ، ابراهيم ابنعوف ونور الهدى كنة ووراق المجذوب واسماعيل حسن والسر عثمان الطيب وابراهيم سعيد ومحمد الحسن مساعد وعبد الوهاب ضرار وغيرهم. ونتذكر بأسى شديد مترحمين وداعين بالمغفرة والرحمة لأخ عزيز رحل عنا في منتصف العام السابق، كان سفيرا للنغم في منطقتنا تلحينا وأداء هو الأخ عبد الرحمن محمد صالح مامان الوارد اسمه كثيرا في أغنيات النعام وغيره:
شبه النّدّا مزروع في قريرو
محروس ديمة ماب يبرح غفيرو
يلمع خدو يضوي الليل ينيرو
مامان غنّى نشوان بي عبيرو
حيث يرد ود الدابي في {مشارع الهم} وتتمزق رئاته بآهاته الحرّى وتتدافع حوله المصائب (المجلّدة) يستغيث بمامان ليغني ويصدح :
مشارع الهم كتير أنا واردا
حتى بالآهات رئاتي مقددة
زهرة يا مامان مندّي مفرهدة
في السماحة تقولو يوسف جابدا
ودونكم الاشارة هنا ليوسف وجماله وهيبته وصلا بالوجدان العام لأهل هذا الوطن الساحر الجميل الذي يشكل القرآن الكريم سداه ولحمته.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.