بسم الله الرحمن الرحيم

 

زورق الحقيقة

  

أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم

   الكون صحو، الشمس مالت غرباً خجلاً والقت بأشعتها على بحر أبيض، الأفق أصبح أحمر في شكل خط وكأنه حناء في رجل عروس، الماء يشق الضفتين وكأنه سيف وضع في أخضر العشب، الطيور تحلق جيئة وذهابا، النسيم يداعب الماء بشكل لطيف وكأنه يحرك حبيبات الماء ويحضهنا كعصفور بين يدي صاحبه، وقفت شجرة تمايلت أفنانها حيث يميل النسيم، وسقط بعضها على نجيلة طبيعية، وبالقرب منها رمال تركتها مياه النهر بعد إنخفاضه قليلا. الزوارق تملأ الضفة وهي مملوكة لأناس ذهب زورق خيالهم لجلب الرزق بإصطياد سمك قرش مما يشتهون. العطر الطبيعي يملأ المكان، أشجار الليمون والجوافة في مرحلة الإزهار ترسل للمارة عبق يمشى خلف الناس في الطرقات المؤدية للنهر ويحاول الشخص إلتقاطه وكأنه شيء يمكن رؤيته. عشب الطريق يسائل المارة وكأن خطاهم أوحشته، وتتسارع الخطى للنهر حيث وصلنا لحافة النهر وما أدراك ما النهر.إنه النيل الأبيض حيث يطوف على القرى والجروف كعابد، يسلم عليها بحبيبات ماء تتطاير على الشاطي وتنزل في شكل زخات من أثر الريح الخفيفة التي تهب بين فينة وأخرى. إنه جمال طبيعي خلاب والطبيعة هناك ساحرة تعود الناس عليها. ففي بعض الأمكنة يصحى الناس على عطر النيل عندما يتنفس وتعودوا على "نفس" النيل الأبيض وتعود النيل عليهم. هذا النيل يجري هناك منذ الاف السنين بل أكثر بشكل دائم لا ينقطع أبداً. هذه المناطق ومناطق أخرى في السودان يمكن أن تتحول لجنان في الأرض، فكل المقومات موجودة، الطبيعة الجميلة والأرض الصالحة للزراعة والماء والبشر. ولكن السياسات الخرقاء قد جعلت الناس يفرون من تلك المناطق ويذهبون إلى حيث الخدمات، فأغلب هذه المناطق بها مدارس وشفخانات منذ أيام الإنجليز وبعضها تم بالعون الذاتي وبالتبرعات والخصم من حصة تموين السكر في عهد مضى عندما كان يوزع السكر بالإوقيات حسب عدد أفراد الأسرة. لو استطعنا أن نجذب استثمارات وطنية وأجنبية لساهمنا في رفع مستوى معيشة الناس هناك وتوفير عملة صعبة للبلد، ففي عهد مضى كانت زراعة القطن في الجزيرة والنيل الأبيض ومناطق أخرى هي عماد الإقتصاد السوداني.يمكنك أن تمر على مناطق كثيرة ومساحات شاسعة ترى النيل الأبيض يلمع بالقرب منها ولكن لا أحد يزرع تلك المناطق ولم تعد الزراعة التقليدية تدر عائد كبير على الناس وخاصة بعد إنتهاء الإصلاح الزراعي ورفع الحكومة يدها عن الحواشات، فهناك محاولات إستثمار خاصة ولكنها لم تنجح وفقد الناس مصدر دخلهم ومصدر قوتهم الرئيس. أيضا الجروف لم تعد هي الجروف التي كانت تدر على البعض أموال كثيرة وذلك من زراعة البطيخ والشمام والخيار والأرز وبعض الخضروات، ويقول الناس إنها لم تعد تنجح وعلى الحكومة التدخل وجلب الخبراء لدراسة الموضوع ، وفي الغالب أن الزحف الصحراوي والتغير والتغيير البيئ والإيكولوجي قد دخل على تلك المناطق وأصبحت شبه صحراء بعد أن كانت سافنا غنية في الأول وسافنا فقيرة قبل عقدين. هذا الموضوع يحتاج لبحوث ودراسات وسياسات جديدة وهذه من الأسباب التي جعلت الجميع يريد الذهاب للعيش في العاصمة والبحث عن مصدر رزق جديد وخاصة بعد أن تعلم الأبناء ولا يوجد عمل لهم في تلك المناطق إلا مشاريع مثل كنانة وعسلاية ولا توفر فرص عمل جديدة كثيرة. فما يحتاجه الناس مشروعات جديدة تراعي ثقافة الناس وطبيعتهم ونوع العمل الذي يمارسونه.هناك إنتشار نسبي للتعليم وهناك مدارس جديدة كثيرة ولكنها تفتقد للمقومات الأساسية وفي الغالب تجد بعض الفصول مبنية من "القش" ولا توجد الأدوات الأساسية للعملية التعليمية وبعض الطلاب يتخذون من الأرض مقعداً لهم، ويجتهد المعلمون والأباء في رفع مستوى التعليم من أجل مستقبل أفضل للأجيال ولكن الأمر يحتاج لدعم الحكومة وتخصيص نسبة أموال أكبر للتعليم والبحوث. فإذا اتخذنا سياسات تعليمية محددة تراعي واقع العصر وشيدنا المزيد من المعاهد الفنية والتقنية المتخصصة لتخريج دفعات من الفنيين الذين يمكنهم أن يحصلوا على عمل بمجرد تخرجهم فيمكن لهؤلاء الخريجين البقاء في مناطقهم بدلاً عن الهجرة للعاصمة والهجرة خارج الوطن ويمكن للمغتربين أن يعودوا أيضاً.بإختصار الأمر يحتاج لتخطيط وتمويل وتنفيذ لمشروعات وسياسات تعليمية، سياحية، زراعية، سمكية وصناعية سوف تسهم في رفع مستوى الناس هناك وتوفر للدولة أموال طائلة من الضرائب ويمكن تخصيص نسبة من أرباح المشروعات والإستثمارات الأجنبية والمحلية للخدمات، مثل التعليم والطبابة. ففي دول مثل أمريكا لا تجد فرق بين العاصمة وولايات أخرى بل هناك ولايات كثيرة اغني بكثير ومتطورة أكثر من العاصمة نفسها وأغلب الشركات الكبيرة تجد مقرها في ولايات صغيرة. هنالك حواجز نفسية فكأنما من يسكن العاصمة هو الذي يستطيع أن يجد كل الخدمات بينما أهل الأقاليم لا خدمات لهم، وهذا ما جعل الكل يريد أن يسكن في العاصمة وهناك خطورة كبيرة في ذلك على البلد، لأن أساس التنمية وعماده هو الإنسان وعندما يهجر الإنسان هذه المناطق فلا يمكن أن تقيم فيها تنمية ومشروعات، ريما يكون النيل الأبيض أفضل من الشمالية من حيث الهجرة ويقال أن سكان الشمالية حوالي نصف مليون وهذا أمر خطير يجب أن نفكر فيه بطريقة يمكن علاجه وإرجاع الناس مرة أخرى للأقاليم والولايات والتي كانت مفخرة في السابق.أيضاً يمكن لأهل الأقاليم المساعدة في ذلك خاصة الذين لهم خبرات ولهم رؤوس أموال فبدلأ من السكني في العاصمة وتشييد مشروعات هناك يمكن أن يبدأوا في إنشاء مشروعات جديدة في تلك المناطق، ويمكن أن يبنوا بيوت هناك بدلاً عن العاصمة. ما نحتاجه شعار جديد تحت عنوان العودة للجذور والعودة للأقاليم والولايات والقرى والمحافظات ويجب أن يبدأ أبناء تلك المناطق بذلك وخاصة إذا حلت مشكلة الكهرباء والإتصالات والنقل. ويجب على الدولة تشجيع ذلك بالإعفاء الضريبي والجمركي، فمثلاً بدلاً عن تخصيص أراضي للمغتربين في الخرطوم يمكن أن تخصص أراضي ومشروعات جديدة في الأقاليم وإتخاذ سياسات جاذبة وذلك بالتنسيق ما بين الحكومات الولائية والحكومة المركزية وأقترح أن يبني كل الوزراء الذين اصولهم من الأقاليم منازل هناك ويقضون إجازتهم السنوية مع أهلهم وأيضاً المغتربين من ميسوري الحال. سوف أضرب مثل بنوع المشاكل فقد كان الناس هناك يرزعون القمح والذرة والقطن والخضروات والفواكه ويملكون قوتهم ويأكلون مما يرزعون، ويشربون الحليب الطاذج من أبقارهم  أما الآن فقد تغير الأمر، ففي مدينة ربك شخص موظف عام قادم من منطقة أخرى وله منزلين متجاورين فقد اشترى أبقار هولندية واصبح يبيع الألبان لأهل البلد الذين كانوا يملكون الأبقار والمزارع فهي مفارقة عجيبة أن يباع الحليب في حارة السقايين أو كما يقول المثل.لذلك يمكن التفكير في إنشاء المزارع الجماعية أو المزارع الفردية ويمكن أن توزع أراضي بحيث يستقر فيها الشباب المتخرجين ويبنوا منازل لهم وينشأوا مشروعاتهم الصغيرة وسوف تكون عملية جاذبة للسياحة أيضاً. فلو فكرنا في إنشاء نوادي للزوارق على النيل الأبيض وأنشأنا هوتيلات صغيرة وروجنا لذلك سياحياً فسوف يأتينا العرب والخواجات، فمثلاً صعيد مصر أصبح مكان جاذب للسياحة وذلك بتشجيع الدولة وتجد شخص يعيش أسرته على قارب سياحي صغير مصنوع من الخشب او على كارو الحنطور السياحية التي يجرها حصان. فمع وجود البترول تحتاج البلاد لتنوع الأنشطة الإقتصادية وحتى لا نعتمد على نشاط إقتصادي واحد، ولذلك فيمكن أن نبيع الطبيعة في بحر أبيض للخواجات وللمستثمرين فما أجملها طبيعة في بحر أبيض وفي مناطق أخرى كثيرة في السودان.