بسم الله الرحمن الرحيم

 

زورق الحقيقة

 

أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم

 تاريخياً بدأ العرب نشر الثقافة والحضارة بعد أن ترجموا وهضموا تراث اليونان الفكري القديم وترجم بعد ذلك أهل أروبا هذا التراث الثقافي العربي المبين، وكان العرب يسمون علم الكلام لمن يشتغل بالفسلفة والنقد وظهر "المتكلمون" كإنتليجينسيا تقوم بالنقد المضاد وتقدم الرؤى البديلة وظهرت محن ومشاكل وفرق وطوائف جراء ذلك.لو استعرنا تعبير علم الكلام حيث يصبح الذين يشتغلون به "متكلمون" ونقلنا هذا التعبير لساحتنا السودانية، وذلك لكشف فعل المتكلمين الذين يشتغلون بالسياسة والثقافة ودورهم المنوط بهم القيام به في تنوير الدرب السياسي والثقافي للمجتمع من أجل رفعته. قديماً في الساحة السودانية كان هناك متكلمون أو مثقفون يسمون بالفقهاء والمشايخ فهم الذين يوجهون المجتمع بعلمهم اللاهوتي الديني ويدرسون القرآن والفقه والحديث وهم مستنيرو عصرهم، وبعد أن جاء المستعمر وفتح كلية غردون التذكارية تخرجت نخبة جديدة لكي يعملوا كأفندية لتسيير دولاب الدولة بعد رحيل المستعمر وإبان وجوده.جاء الإستقلال يحمل البشرى بالحكم الوطني والسودنة وبعدها جاءت "السدنة" حيث يدخل كل نظام مشايعيه لإدارة دولاب الدولة، وكالعادة يظهر متكلمون يساعدون السلطان الجديد بإظهار باطله حق وحقه واجب مقدس يجب طاعته. بالمقابل يظهر متكلمون مضادون يحاولون تقديم تنوير حقيقي والتعبير عن الطبقات المظلومة وعن الكادحين. ولو أخذنا نفس الأمر نجده في الأحزاب حيث تكون هناك فئات تتقرب لأهل السلطان وأهل الحظوة مقابل مناصب وجاه أو سلطان موعود مقابل بيع "كلامهم" أي فلسفتهم للأمور وتزيين الباطل ولا يقولون "لا" أبداً، بالمقابل أيضاً يكون هناك المتكلمون الذين يعبرون عن ما يرونه الحق، وهذا طبيعي في كل مجتمع وكل منظومة إجتماعية سياسية أو نقابية حيث تجد الفئتين. دور هؤلاء المتكلمون مهم جداً وقد ظهرت الإنترنت وأصبح لهم دور أكبر وذلك لإتاحة إنتشار المعلومة بسهولة وأصبح بعضهم مجرد متكلمين على الطريقة السودانية أي "نسناسين" يسيئون إستخدام "المقابسات" إذا استعرنا كلمة أستاذنا أبوحيان التوحيدي رحمه الله، أي الذين ينسخون ويأتون بمعلومات ويضيفون ويغيرون فيها، وفي الحقيقة لا يوجد شخص يدعي أنه بدأ أية فكرة لوحده فنجد أنه اطلع على جزء من الفكرة وطورها أو سمع بها. هدفي من هذا المقال كيف نستفيد من هؤلاء وكيف نحولهم لقوى للبناء وليس للهدم، كيف نثقفهم ونجعلهم متكلمون بجد يقدمون تنوير حقيقي ويقودون أحزابهم ومجتمعهم لأن بصلاحهم يصلح المجتمع وبفسادهم يفسد، ومهما حاول الناس فسوف يكون هناك متكلمون جاهزون للبيع، يعرضون خدماتهم لأهل الأحزاب أو الحكومات تحت الطلب مقابل دراهم معدودات أو مواقع يحلمون بها.السؤال الكبير كيف نحول هؤلاء المتكلمون إلى "مثقف عضوي" حسب تعبير غرامشي أي إلى فاعلين تتسع همتهم لهموهم آخرين ولهموم أهلهم، يساعدون في البناء وسط الأحياء والمواقع التي يعيشون فيها بدأً من المساهمة في حملات النظافة الطوعية والعمل داخل الأحياء والمساهمة في برامج محو الأمية ونشر الوعي إلى تدريس الناشئة الصغار لمساعدتهم في حل واجباتهم المدرسية، وإلى فاعلين داخل الأحزاب والجمعيات يقومون بدور التنظيم ونشر الوعي والمساهمة في كل ما هو إيجابي. كيف نستطيع تحويل السلبية الكبيرة داخلهم إلى طاقة جبارة، كيف نجعلهم يستفيدون من الإنترنت والمنابر والمجموعات البريدية للبناء وليس كمكان للونسة والتسلية مع أهمية الونسة والتسلية، وقد ظهر خريجون جدد لا يستطيعون كتابة كلمة ذكرى حيث تصبح "زكرى" وغيرها ولا يعرفون العربية ولا الإنجليزية وهذا موضوع خطير يحتاج لعلاج فالجامعات هي مكان تفريخ المتكلمون والمهنيون فإذا خابت خاب المتكلمون.العلاج في تغيير نهج ومنهج الجامعات السودانية فلو أخذنا على سبيل المثال الطالب الذي يتخرج من أغلب الكليات الأمريكية فهناك كورسين للكتابة وكورسين للأدب الأنجليزي الرفيع، حيث تبدأ القصة بالتلخيص وكيف تكتب المقدمة ومضمون المقال وكيف توضح في المقدمة ماذا تنوى أن تقول وكيف تكتب الخاتمة، ويتم التدريب على ذلك بشكل مكثف، بالإضافة للكورسات الإضافية الإختيارية مثل الفنون والفلسفة أو أحد فروعها كالمنطق هذا بالإضافة لمواد التخصص، فالنهج التعليمي يقوم على الإبداع وتعليمك أسس كيف تتقن المهنة التي تتخرج لتعمل بها. بينما عندنا تعتمد المسألة على التلقين والحفظ، نبدأ بحفظ الأناشيد والقصائد إلى المعلقات ويصبح الذهن يتعود على أن يحفظ ما هو جاهز ولم نعلم طلابنا كيف كتبت هذا المعلقات ونعدهم لكتابة معلقات مشابهة وبنفس القدر المشروعات والمخترعات، لم ار طالب في أمريكا مثلاً من ضمن واجبه أن يحفظ قصيدة لشاعر أمريكي مرموق أو أي شيء من هذا القبيل. فالمعالجة من وجهة نظري لتخريج متكلمين وفاعليين إجتماعيين ومهنيين قادرون على الإبداع بتغيير النهج والمنهج التعليمي السوداني من الإبتدائي وإلى الجامعة. فالجامعات والمراكز والحكومات تتطور بالنقد الذي هو محرم عندنا ويعتبر البعض أن النقد يساوي سوء الأدب.ظهرت مجموعات جديدة من هؤلاء المتكلمون الجدد همها الإنتصار للذات وحتى لو على حساب الحقيقة ويستخدمون كل جهدهم للإتيان ب "مقابسات" من أجل إثبات ذلك ويبذلون مجهود كبير ويفرح الواحد أو الواحدة منهم بأنه دمر فلان، وقد نسوا أن الكتابة والعمل في المجال المعرفي من أجل التنوير وإنارة الطريق وليس للإنتصار للذات ويستخدمون كل اللامنطق وعيوب المنطق المعروفة مثل، التهديد باللجوء لقوى علوية، التهديد والوعيد بالفضائح، النبش في تاريخ الشخص الذي اختلف معهم، يبنون تحليلهم على مقدمات غير منطقية ويصلون لنتائج يظنون أنها سلمية، يستخدمون الآيات القرآنية والأحاديث بشكل غريب من أجل أن يقمعوا الخصم وذلك لإبانة أن الآيات القرآنية والأحاديث تقف في صفهم، ويقتطعون الآيات عن سياقها القرآني وأسباب نزولها وكل ذلك من أجل الإنتصار للذات وحتى لو أدى ذلك لتدميرهم لأسس المعرفة وذبحهم للأبستمولوجيا. أيضا لا يعرفون كيف يكتبون المقدمة ولا الخاتمة وتحتار عندما تحاول الإمساك بتلابيب الموضوع، لا يعرفون إستخدام مناهج التحليل ويقوم الواحد أو الواحدة من هؤلاء برص حروف كثيرة في شكل جمل متفرقة لا يوجد بينها رابط ويعتقد إنه أصبح كاتب لا يشق له غبار لأنه يعرف رص الحروف بينما موضوعه كله غبار. أيضاً لا يستطيعون النفاذ لما وراء الظواهر وتقديم تحليل يفيد الناس بل يأخذون الموضوع بظاهره على علاته، وأيضا يمكن أن يكون همهم الإنتصار للأسرة أو القبيلة أو الشلة وليس الإنتصار للحقيقة، وهناك شلل كثيرة منهم داخل مواقع الإنترنت أو المجموعات البريدية يزينون باطل بعضهم البعض، وكل واحد يضخم الآخر بتخصيص موضوع لذاك الشخص من أجل كسبه في معركة باطل قادمة وهكذا.الإطلاع على كمية كبيرة من المواضيع الركيكة لغوياً وفكرياً وسياسياً أدى ويؤدي بإنحطاط عام ويصبح لا مجال للإطلاع الرصين على أمهات كتب المعرفة وتنوعها، لأنهم يمكثون لساعات طويلة يقومون بواجب "المقابسات" والنقل وبنشر الركاكة والفضائح والبحث في فايلات الخصم من أجل تجريمه، وقد هرب أناس كثر من الذين يعتمدون الرصانة ويقدمون تنوير من كثير من هذه الجهات إلا بعضها حيث ما زال محافظاً على تقديم مواضيع جيدة لصفوة المجتمع. هذه محنة جديدة على "المتكلمين" الحقيقيين التفكير في إيجاد معالجة لها على مستوى الأحزاب والدولة والجامعات، فمقالنا هذا عله يساهم في فتح الطريق لمزيد من الدراسات الجادة لمعالجة قضية "المتكلمين" الجدد.