جيلنا الذي جاء إلي الحياة في أواسط الخمسينات اختار جميعاً أن يكون تاريخ ميلاده الأول من يناير 1956م، يوم ميلاد السودان الحر المستقل. يوم الإستقلال المجيد. ومنذ ذاك التاريخ الأهم في تاريخ السودان لم يمر علينا يوم أهم منه حتي جاء يوم التاسع من يناير 2005م، اليوم الذي تم فيه التوقيع علي الإتفاق التاريخي للسلام بين حكومة السودان والحركة الشعبية لوضع أوزار حرب ظلت مستعرة لنصف قرن من الزمان، لا تهدأ إلا لتعود أكثر إشتعالاً. ولئن كان يوم توقيع إتفاق السلام هو الأهم بين أيام السودان الحديث كلها، فإن عامنا الذي أتي اليوم العام 2010 يظل العام الأهم في تاريخ إتفاقية السلام، وهو بالطبع العام الأكثر أهمية في تاريخ السودان كله.

       أهم أحداث هذا العام أنه يشهد أهم إنتخابات في تاريخ بلادنا. وتأتي أهميتها من تميزها وتفردها في المثال شكلاً، ومضموناً. فلقد ظل السودان منذ إستقلاله أسيراً لدورة الحكم الملعونة التي تدور في فلك واحد. حكومة منتخبة، يقضي عليها إنقلاب عسكري، تطيح به ثورة شعبية، تعقبها حكومة إنتقالية، تجري إنتخابات ديمقراطية، تأتي بحكومة حزبية، يسقطها إنقلاب عسكري. وهكذا تدور الدائرة. أما هذه المرة فإن الحكومة التي جاءت عبر إنقلاب عسكري قادت بنفسها التحول السياسي وشاركتها في ذلك كل القوي الوطنية السياسية والمسلحة. فبدأت الإنقاذ بعد إستقرار الأوضاع العامة في البلاد بإعادة التعددية للحياة السياسية عبر قانون التوالي السياسي الذي كان مفتاح ذلك التغيير، ثم أعقبت الخطوة بأجرأ منها حينما دخلت في حوار جاد مع الحركة الشعبية أوصل الطرفين لتوقيع إتفاق السلام الذي أشرنا له، ووضعت بموجبه الحركة الشعبية السلاح وعادت إلي البلاد حزباً سياسياً وشريكاً أصيلاً في الحكم. وضمن ذلك في الدستور. وتوسعت دائرة الحوار السياسي فشملت كل أطراف المسألة السياسية والعسكرية، وأثمرت هذه المفاوضات إتفاق القاهرة بين الحكومة وتجمع الأحزاب الوطنية المعارض، وإتفاق أبوجا بينها وبين بعض حركات دارفور المسلحة، ثم سلام شرق السودان مع جبهة الشرق التي كانت تقاتل في الجبهة الشرقية.

       وإثماراً لهذا الحراك الساسي الكبير الذي شارك فيه الجميع، وضعت القوانين واللوائح، وأقيمت المفوضيات اللازمة لإجراء إنتخابات شاملة حرة نزيهة يشارك فيها الجميع إلا من أبي، ويراقبها ويرعاها المجتمع الدولي والإقليمي ليؤكد نزاهتها وبراءتها من كل شوائب. هذه الإنتخابات مهما كانت نتجيتها، ومهما تفرز من حكم جديد، فسوف يكون حكماً فريداً شارك في صناعته كل أهل السودان، سواء بإقرار وضعه، أو باختيار أهله. وسوف يقع علي عاتق الحكومة المنتخبة أكبر عبء. عبء إجراء الإستفتاء لتقرير مصير جنوب السودان.

       ولئن كان العام القادم 2011م هو عام إستفتاء الوحدة، فإن عامنا هذا 2010 هو عام صناعة الوحدة. فالقانون الذي أجيز للإستفتاء بعد مخاض عسير فتح الباب واسعاً لتأكيد الوحدة الطوعية للسودان. وأهم مافي هذا القانون أنه جاء بتوافق كامل بين الشريكين الرئيسين في الحكم، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية. والأهم من ذلك أنه أعادهما إلي العهد القديم، عهد التواثق والتعاهد علي العمل يداً واحدة من أجل جعل خيار الوحدة راجحاً وغالباً. وهو عهد وميثاق نرجو أن تشاركهم فيه كل القوي الوطنية السودانية، المشاركة في الحكم، والمعارضة له، وكذلك المعنزلة، ويشاركهم فيه أهل السودان جميعاً بلا استثناء. ونعاهد الله والشعب والوطن، أن نكون مع كل الذين يعملون لتأكيد الوحدة، ونعادي من عاداها قريباً كان أو بعيداً. وهذا هو عهدنا للولاء والبراء.

 

Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]