عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
    سمعت من بعض الأخوة، وقرأت في بعض الصحف أن أبناءنا الطلاب من جنوب السودان الذين جاءوا إلي السودان بسبب الأوضاع الأمنية هناك، ولغيرها من الأسباب، يواجهون أزمة حادة تتمثل في رسوم الإمتحانات للشهادة السودانية التي فرضتها عليهم وزارة التربية والتعليم باعتبارهم طلابا أجانب، يدفونها بالدولار، ولا أود أن أتحدث عن بطلان هذا القرار، وهو بالفعل قرار باطل، ويأتي بطلانه من معارضته لقرار رئاسي، يعلو ولا يعلي عليه، ومعلوم أن السيد رئيس الجمهورية سعادة المشير عمر حسن أحمد البشير، كان قد أصدر قراراً يقضي باعتبار الجنوبيين مواطنين أصلاء في السودان، لهم ما لأهل البلد، وعليهم ما عليهم، وبالتالي لا يجوز لأية جهة أن تصدر أمراً يخالف القرار الجمهوري، ولا أود كذلك أن أتحدث عن خطورة تجاوز القرارات الرئاسية من جهات أدني، رغم أن مثل هذا السلوك قد أوردنا مهالك عدة في أزمان غابرة، لا نزال ندفع ثمنها، ولكن يستوقفني في هذا المقام والمقال استمرار التمادي في تضييع الفرص التي من شأنها أن تعزز تماسك النسيج السوداني، وكان من مخازي هذا التضييع، ضياع الجنوب، ويمكن بمثل هذا السلوك تضييع فرصة أن يلتئم شمل أهل هذا البلد مرة ثانية بأي شكل من الأشكال، بعد أن تأكد لكثيرين هنا وهناك، أن انقسام السودان خسر منه اهل الشمال والجنوب معا. وذلك حديث يطول.
    عندما بلغت مفاوضات السودان من أجل الاستقلال مبلغاً متقدماً، أحس الجنوبيون بأن مساحتهم في السودان الحر المستقل لا ترضي طموحاتهم، فدعا بعض ساستهم إلي حكم ذاتي، ولما لم يلفت ذلك أنظار الساسة الشماليين، اندلع التمرد الأول في أغسطس 1955م، ولم يبق علي خروج المستعمر إلا شهورا قليلة، ولم يلفت ذلك أيضاً نظر ساسة الشمال، ولم يروا فيه غير تمرد خارجين عن سلطان الدولة والقانون، وحتي لما أفلحت محاولة السلام الأولي عام 1972م علي يد الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، لم يمعن الناس النظر في جذور الأزمة، ولم تسع جهات معتبرة لمداواة جراحاتها، فانفجرت الأوضاع مرة ثانية عام 1983م، وتوالي الحريق إلي أن تحقق السلام الإمتحان في العام 2005م، وهنا كان السقوط المريع.
    لقد وضعت إتفاقية نيفاشا السودانيين جميعاً أمام إمتحان عسير، بما أقرته من حق لتقرير المصير بالنسبة للجنوبيين، ومنحتهم ستة أعوام لتغليب خيار الوحدة، أو الوقوع في جب الإنفصال الذي لا قرار له، وهنا أختلف مع الذين يقولون أن اتفاقية نيفاشا هي التي قادت لانفصال الجنوب، وإنما الذي قاد للانفصال هو سوء إدارة الفترة الإنتقالية، فالمؤتمر الوطني حول شراكته مع الحركة الشعبية إلي مشاكسة، وفشل في كسبهم إلي صف الوحدة، وخسر معهم حتى الشماليين الذين كانوا في صف الحركة الشعبية. والأحزاب المعارضة استخدمت الحركة الشعبية للضغط علي المؤتمر الوطني، فأضعفت الحكومة وأعدمت كل فرص الوحدة وخياراتها.
    وبرغم أننا لم نسعد للحروب الداخلية التي حدثت في جنوب السودان بعد الإنفصال، لكنها أوصلت كثيرين من قادة الجنوب، وكل شعبه تقريباً، إلي قناعة منقو زمبيري القديمة ألا شمال بلا جنوب، ولا جنوب بلا شمال، فعاد كثيرون منهم إلي الشمال، ومنهم الطلاب الذين أفسدنا استقبالهم بهذه الرسوم غير القانونية، التي ندعو إلي إلغائها اليوم قبل الغد، ليس لعدم قانونيتها فحسب، ولكن لمنح هؤلاء الطلاب فرصة لتحقيق ما عجزنا عنه، وأسلافنا، واقول للذين بيدهم الأمر، فإن لم تلغ هذه الرسوم اليوم، فسوف أرفع غدا بإذن اللهً تعالي دعوي دستورية ببطلانها.