عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

    بعجبني المصطلح الذي ابتدعه أستاذنا الراحل أحمد الطيب زين العابدين، (السودانوية) وأجد له نكهة خاصة عند توصيف حالات معينة، لا يصدق فيها وصف غيره، ولقد استخدمت هذا المصطلح مرتين في مقالات هذا الأسبوع، الأولي عندما تحدثت عن الناس الجميلين في مدينتنا  أم روابة عروس النيم، ومدرستنا الأبيض الثانوية، وكليتنا، كلية الزراعة كفر الشيخ، والثانية، عندما تحدثت عن حالة شيخ العرب الأخ الصديق باكاش طلحة، بمناسبة زيارة وفدهم في مبادرة أهل الشأن إلي العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، واستخدمته وصفا لعلاقات باكاش مع أهله في النيل الأزرق، لا سيما منسوبي الحركة الشعبية المعارضين، الحاملين للسلاح.
    واستوقفتني كتابات لبعض الإسلاميين، في المواقع الاسفيرية يحتفون فيها بمجموعة من المبدعين اليساريين والماركسيين، ويتحسرون علي سنين أضاعوها دون أن يستمتعوا فيها بروائع انتاجهم الأدبي، وكانوا يجعلون من الخلاف السياسي حاجزاً دون التواصل مع الآخرين، وأحمد الله أن أبرأني من هذا السقم في وقت باكر، قبل أن نتجاوز مراحل التلمذة، وقد يكون لتربيتنا الصوفية، ونشأة (الحيشان) دور في ذلك، ولا زلت أذكر أغنية كانت ترددها لي بنات الأسرة علي أيام التزامنا الإسلامي الصارم. (جمال ما كان حنين.. قلبو عطوف ولين.. غير اتجاهو.. بقي صوفي متدين) فأدركت أن الحنية لا تتعارض مع الدين، بل هي من صميمه، فعدت إلي نمط حياتنا الذي نشأنا عليه في حيشاننا، ومدارسنا، ومدننا الرائعة، أم روابة والأبيض، وأم درمان، الناس كلهم أهل وأحباب، لا تفرق بينهم أحزاب ولا قبائل، ولا حتى ديانات. فلما كنا طلابا في مصر، كنت كثير الأسفار بين المدن التي فيها وجود طلابي، لمناشط الإتجاه الإسلامي، وبرغم ان كل مدينة كانت فيها شقة أو أكثر خاصة بمناشط وسكن الإسلاميين، لكنني لا أذكر اني بت ليلة واحدة في شقة تنظيمية، فبمجرد انتهاء مهمتي التنظيمية أذهب إلي واحدة من شقق أولاد كردفان أو أم درمان، ونسعد باجترار ذكرياتنا السودانوية الطاهرة النقية.
    وأذكر علي أيام دراستنا في مصر، كان أكثر الناس شراسة في أركان النقاش تجمعهم مائدة عشاء واحدة، فكنا بعد ان نفرغ من المناقشات والمناظرات السياسية حامية الوطيس في نادي الوافدين، ودار الإتحاد العام للطلاب السودانيين في مصر، بمنشية البكري بالقاهرة، تجمعنا مائدة عشاء واحدة في فوال (ابن سندر) مع حسن البطري ومبشر شاشوق، وعادل طيب الأسماء الاتحاديين، وصلاح أبوجبرة وأمال عباس الشيوعيين، ولم يكن في المائدة مساحة للسياسة، وكانت هذه المائدة، وتوابعها، وهذه العلاقات السودانيوية، هي مدخل علاقتي الخاصة مع الأخ ياسر عرمان، فبعد التخرج والتفرغ للعمل التنظيمي في أمانة الطلاب الإتحادية صرت قريباً من الجامعات السودانية، وكنت أشارك في أركان نقاشها وتحرير مجلاتها، وكان يجمعنا ركن جامعة القاهرة الفرع مع ياسر عرمان، وعادل الشيوعيين، ومتوكل وسمية الجمهوريين، فحدث ياسر رفيقه الدارس في مصر صلاح أبوجبرة عن أخواني لئيم تخرج في مصر، وجاء يزاحمهم في الفرع، اسمه جمال عنقرة، فقال له صلاح، كما حكي لي بعد ذلك، (أبداً. . جمال ده اخو مسلم، لكن لطيف، وصاحبنا) وكانت هذه الشهادة مدخلاً لعلاقة سودانوية مع ياسر عرمان، جعلتنى أعرف فيه وجها لا يعرفه كثيرون، ولو عرفوه، لاختصروا المسافات بينهم، ولاتخذوا من السودانوية، مدخلاً لكسر حدة الخلافات السياسية.