عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

    يوجد مثل شعبي سوداني يقول (غلبتو مرتو أدب حماتو) ويعني أن رجلاً عجز عن تأديب زوجته، فعمل علي تأديب حماته، والحماة في السودان هي شقيقة الزوجة، وليست والدتها، كما هي عند المصريين، وبعض عرب آخرين، وأجد هذا المثل يقترب من الحالة الماثلة بين السودان ومصر. فالحملة الإعلامية السودانية في مواجهة مصر الجارية، ليست بالطبع بسبب ما يتعرض له سودانيون في مصر من مضايقات، أو اعتداءات، ولقد أوضح وزير الخارجية يوم أمس الأول، أمام البرلمان أن عدد السودانيين الذين تعرضوا لمعاملات مرفوضة في مصر 39 منهم ستة عشر قتلوا في درب الهجرة غير المشروعة إلي إسرائيل. إن السبب الرئيس للغضب السوداني الشعبي والرسمي هو محاولة مصر فرض الأمر الواقع في حلايب، بمحاولات تمصيرها، وإقامة إنتخابات فيها صاحبها تكثيف إعلامي ليس له ما يبرره، ولا يتناسب مع حجم الناخبين في حلايب.
    كان الأوجب للسودان والأفضل له، أن يصوب معركته مباشرة ضد الإجراءات المصرية في حلايب، وأمامه تجربة كان من الممكن أن بهتدي بها، وهي الشرارة الأولي لأزمة حلايب في العام 1958م عندما أرسلت الحكومة لجان إنتخابات إلي المنطقة علي عهد حكم  الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، فتحرك السودانيون في عدة إتجاهات، فقام رئيس الوزراء السيد عبدالله خليل، بحشد الجيوش وتحريكها صوب حلايب، وفي ذات الوقت خاطب الزعماء السيد عبدالرحمن المهدي، والزعيم إسماعيل الأزهري، والسيد علي الميرغني، خاطبوا الرئيس جمال عبدالناصر، يناشدونه سحب لجان الإنتخابات، لأن الوقت غير كاف للوصول إلي تسوية في شأنها، فاستجاب الرئيس المصري، ولما حاولت بعض بطانته تأليبه ضد السودان، ودعته لإخراج القوات السودانية من حلايب بالقوة، قال لهم قوله المشهور (مش حاقاتل السودان حتى لو احتلوا قصر عابدين)
    فلو أن السودان، صوب معركته نحو الهدف كان أفضل، فللسودان رؤية واضحة لمسألة حلايب، فالخيار الأول الذي طرحه الرئيس البشير، أن تكون حلايب مدخلاً للتكامل بين البلدين والشعبين الشقيقين، فإن لم تستجب مصر، فإن مؤسسات التحكيم الدولية كفيلة بحل النزاع.
    أما بالنسبة لمصر، فإن حلايب ليست قضيتها الرئيسة، وإنما للمصريين تحفظات عدة علي مواقف سودانية، ويبدو أنها تود أن تستخدم حلايب كرت ضغط، أو ورقة للمساومة، ويأتي في مقدمة هذه الملفات، سد النهضة، ولقد ورد في بعض الميديا المصرية، أن مصر يمكن أن تتنازل عن حلايب إذا ناصر السودان موقفها في سد النهضة، هذا فضلاً عن تشكك بعض المصريين، وظنهم أن السودان يدعم تنظيم الأخوان المصري، ولا ينسي المصريون المظاهرات التي سيرتها الحركة الإسلامية في السودان، مؤيدة للرئيس السابق الدكتور محمد مرسي، ومنددة بحكم الرئيس عبد الفتاح السيسي.
    لذلك أعتقد أن التصعيد في البلدين ليس معنيا به الهدف المعلن، وإنما مقصده أمر آخر معلوم لكل طرف، والأفضل للبلدين، أن يتركا الألعاب الجانبية، ويقتحما الملعب الرئيس، لمناقشة القضايا الأساسية بجرأة وصراحة، وأرجو أن يقود ذلك الرئيسان السوداني عمر البشير، والمصري عبدالفتاح السيسي. ليضعا حدا لهذه المهزلة التي يمكن ان تقضي علي الأخضر واليابس معا.