قال لي مرة زميلنا عثمان فضل الله أنه يستغرب لمواقفي إذ يجدني أهاجم الأقوياء وأدخل معهم في معارك في الوقت الذي يكون التقرب إليهم نعمة، وأقترب إليهم حينما تزول منهم أسباب القوة ويفر منهم الأقربون. وذكر مثالاً لذلك الرئيس الراحل نميري الذي دخلت مع نظامه في معركة سبقت معركته مع الحركة الإسلامية خرجت بسببها من السودان بعد أن طلبوني للإعتقال، برغم أني كنت من أكثر شباب الحركة الإسلامية إندماجاً في مايو بعد المصالحة الوطنية، وبعدما سقط حكمه عدت إليه ثانية وصرت الأقرب إليه من الذين كانوا أركان حره علي أيام الحكم. وذكر مثالاً ثانياً الدكتور حسن الترابي الذي ظلت صلتي به وثيقة أن كنا طلاباً في الجامعة، وتوثقت أكثر بعد التخرج وتفرغي للعمل التنظيمي لفترة، وفي العمل الإعلامي والفكري، وعندما صار سلطان السودان كله بيده بعد الإنقاذ التي قاد ثورنها باسم الحركة الإسلامية ابتعدت عنه وصرت انتقد الحكم وبعض سياساته حتي صرت من المغضوب عليهم، وحينما وقعت المفاصلة قدت معركة الشيخ الإعلامية. ثم ذكر صديقنا عثمان أيضاً تطور علاقتي مع الراحل المقيم الشريف زين العابدين الهندي الذي تجمعني معه أواصر عديدة، وكانت صلتي به وثيقة قبل الإنتفاضة في أبريل 1985م وبعد عودة الشريف للوطن بعد أبريل وتعيينه نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية ضعفت صلتي به جداً ولم تتجدد إلا بعد خروجه بعد الإنقاذ، فعادت علاقتنا إلي حميميتها القديمة وقدت معه مبادرة الحوار الشعبي الشامل، فلما عاد الرجل وتوالي مع الحكومة وصار له نصيب في الحكم ابتعدت عنه سياسياً. فكانت هذه المواقف ألغاز بالنسبة لأخي عثمان ولكثيرين غيره.

       ذكرت هذه القصة لأن الشيء بالشيء يذكر. وأقول بداية أن هذه المواقف لا أدعي بها تجرد زائد، ولا عفة تتجاوز الحد. ولكنه منهج أستقيم عليه مهما كان الثمن. وما ذكرت بسببه هذه القصة هو موقف أعلنه أقدمه بين يدي هذا الحديث. فبرغم كل تحفظاتي علي بعض سياسات ومواقف المؤتمر الوطني، وبرغم الغبن الذي أصابني من مضايقات تعرضت لها من بعض منسوبيه لكنني لا أجد حزباً سياسياً في الساحة أواليه ولاء كاملاً غيره رغم ما يربط بيني وبين كثير من قوي السودان وأحزابه السياسية من روابط، لاسيما حزب الأمة الذي يربطني معه كيان الأنصار الجامع، وتايخ هذا الكيان التليد، ورغم محبتي للحركة الإتحادية التي جذبت والدنا عليه رحمة الله منذ أن كان طالباً في كلية غردون. وولائي للمؤتمر الوطني من باب إنتمائي للحركة الإسلامية الذي لايقبل المزايدة به أو عليه.

       ومن موقع هذا الإنتماء أقول أن أزمة السودان اليوم والتي يعود سببها الرئيس لتأزم علاقة الشريكين مسئوليتنا في المؤتمر الوطني عنها أكبر من مسئولية الحركة الشعبية. وليس معني ذلك أني أقول أن أخطاءنا أكبر من أخطاء الحركة الشعبية ولكن الواقع يقول أن إستقامتنا كان من المفروض أن تكون أفضل بكثير من إستقامة الحركة الشعبية. وموقف المؤتمر الوطني مثل موقف نساء النبي. يضاعف وزر الخطأ علي غيره. فمثلما أن القرآن قطع أن من تأت منهن بفاحشة يضاعف لها العذاب، كذلك خطأنا في المؤتمر الوطني مسئوليته مضاعفة. فالحركة الشعبية جاءت إلي الحياة السياسية المدنية بعد نحو 16 عاماً من استلامنا السلطة. أي بعد 16 عاماً من حكم بدأ عسكرياً محضاً، علي أيام الطوارئ والمحاكم الخاصة وهلم جرا. والحركة الشعبية جاءت من الغابة إلي الحكم بعد 22عاماً من القتال، فهل يعقل أن يكون أداؤها مثل أدائنا؟

       ومع ذلك أستطيع أن أقول أن قيادة الحركة ممثلة في الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق ومن بعده خليفته القائد سلفاكير وكثير من صفها الأول كانت راغبة وجادة في الإستقامة، والوفاء بما قطعته علي نفسها من عهد في إتفاقية نيفاشا للسلام. ولكن المشكلة جاءت من إغماض أعيننا عن كثير من المواقف الإيجابية للحركة الشعبية لدعم الشراكة ولم نر غير بعض المتوترين من قادتها الذين ما كان من الممكن أن يتمددوا لو أننا في المؤتمر الوطني أحسنا القيادة وأعنا الصادقين الجادين في قيادتها. وكذلك لو كنا موضوعيين وحسبنا أشياء كثيرة بحساب المنطق والعقل السليمين. ومن أجل أن نعود إلي هذا الأساس السليم في التقويم من أجل تقويم مسيرتنا لابد أن نفتح بعض الملفات للتذكرة والعبرة ولبناء أساس جديد تنهض به شراكتنا من أجل سودان يسع الجميع. ومن أجل أن نمد بساط الشراكة ونفرشه ليستريح عليه كل أهل السودان وقواه الساسية وغير السياسية نقيل عنده وننهض معاً لننهض بوطننا إلي مرافئ الرقي والتقدم بإذن الله القوي القدير.

Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

\\\\\\\\\\\\