عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كلام للوطن

 

الفوز في الإنتخابات لا يساوي شيئاً أمام فتح مكة.. والمقام للشكر والعفو

الجيش أثبت قدرته علي قهر المتمردين وتأديبهم. والبندقية لن تحل القضية

لم يكن يتوقع أحد أن تسفر نتيجة الإنتخابات الأخيرة في السودان عن شئ سوى فوز حزب المؤتمر الوطنى بنسبة راجحة، فغير جدارته بالفوز لكثير من الأسباب الموضوعية، فإنه لا يوجد حزب في الساحة قادر علي منافسته، ثم أن هناك إحساس عام لدى السودانيين بأن المؤتمر الوطنى أصبح في مقام "خيار أم خير" وبعض الناس يتعاملون معه بطريقة المثل السوداني الشعبي القائل "لا بريدك ولا بحمل براك" والسودانيون يحفظون للمؤتمر الوطنى، وتماسكه، أنه استطاع أن يجنب البلاد الإنزلاق في أوحال ما عرف بالربيع العربي، ولذلك لا يودون السقوط، بعد أن عبروا أخطر مراحله.

ومما يحسب للحكومة وحزبها المؤتمر الوطنى أنهم يستوعبون ذلك ويقدرونه، ويعملون وفق معطايه، ورغم أن كثير من الإجراءات والسياسات تقول بذلك، إلا أن بعض ما يرشح من أقوال، من بعض منسوبي الحكومة والحزب الحاكم، يدعو للقلق، فبعض هؤلاء يرون أن تجديد الولاية الشعبية يغنى عن الإلتفات للآخرين، وكأنهم بذلك يدعون للتراجع عن الإصلاح والتوافق السياسي الذي يقود ثورته السيد رئيس الجمهورية، وبعضهم يرون أن النصر الكبير الذي حققته القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، والقوات الوطنية الأخري علي حركة العدل والمساواة، والذي يعتبر أكبر انتصار تحقق في الميدان غلي الحركات المتمردة، وكان بمثابة قاصمة الظهر بالنسبة لها، يرون أن هذا النصر يسقط أية دعوة للحوار مع الحركات المتمردة، إلا أن يأتوا صاغرين منكسرين، ويراهن آخرون علي الانفتاح في العلاقات الخارجية، لا سيما العربية الخليجية، والمصرية، ويرونه كافياً عن القوى السودانية المعارضة، فقد يسهم في فك كل الضوائق المالية التى دخلت فيها البلاد بعد خروج النفط من الميزانة بانفصال الجنوب، وذهاب أكثر آبار البترول للدولة الجديدة.

مثل هذه الأفكار الشاطحة، وغير الموضوعية يجب مواجهتها بقوة، أولاً لأنها لا تستند علي منطق قوى، وتجافي الأصول، ومن شأنها أن تدخل البلاد في متاهات لا قبل لنا بها، فالنصر والإنتصار مدعاة للشكر والحمد، وليس سبيلاً للجحود والنكران، وهذه الحكومة لها مرجعية يجب ألا تغيب عن الأذهان، وهي التي تكسبها مشروعية أكبر من مشروعية الانتخابات، وكثير من أهل السودان يقفون معها بسبب هذه المرجعية الإسلامية، ولعل هذه الفتوحات قد تحققت بسبب هذه المرجعية، والتى يجب ألا تغيب، ولن نجد مثالاً أقرب لحالنا مما تحقق من نصر سياسي وعسكري، أكثر من يوم فتح مكة، وهو أعظم فتح يتحقق للأمة الإسلامية، ولقد جاء بعد افتراء وتكبر من المشركين، ففتح الله علي أمة الإسلام، ودخلوا في دين الله أفواجاً، فجاء الرسول إلي مكة، بجيش وصفه زعيم قريش أبوسفيان، أنه لا قبل لهم به، ولم يجدوا سبيلاً للمواجهة، فقرروا الاستسلام. فجلسوا علي الأرض صاغرين، فوقف الرسول صلي الله عليه وسلم منتصراً، وسألهم، "ماذا تظنون أنى فاعل بكم؟" فأجابوه "أخ كريم بن أخ كريم" فكان الرد النبوي الدرس "اذهبوا فأنتم الطلقاء" فكان هذا مدخلاً لتمام الفتح.

إن هذا المنهج النبوى هو الأولي بالاتباع، لدى الذين يلتزمون المرجعية الإسلامية، ولا توجد علاقة بين النصر الكبير الذي تحقق للمسلمين بفتح مكة، وبين انتصار المؤتمر الوطنى في انتخابات عام 2015م علي الأحزاب التى ارتضت المشاركة في العملية الانتخابية، ودحره لقوات حركة العدل والمساواة المتمردة، فإذا كان ذاك النصر العظيم، لم يغر الرسول الكريم، ولم يدعه للإنتقام من الذين آذووه، وعذبوه، وأخرجوه من دياره، وإنما غفر لهم، وسرحهم، فأولي بالسائرين علي درب الرسالة الخاتمة، أن يحذو حذو الرسول الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام، ولعل هذا ما تسير فيه الحكومة وحزب المؤتمر الوطنى بقيادة الرئيس المشير عمر حسن أحمد البشير، فلم ييأس الرئيس من الذين خرجوا وحملوا السلاح، فكلما ازدادوا غياً، ازداد حلماً، وجدد العفو، وينتظر الناس منه خطاباً حاشداً بمعانى العفو والإحسان، والدعوة للتصافي والتصالح، يوم أن يخاطب الأمة في الثانى من يونيو المقبل، إيذاناً ببداية دورة حكم جديدة، ينتظر أن يكون شعارها استكمالاً لوثبة الإصلاح السياسي والتوافق الوطنى في البلاد.

أما بالنسبة للذين يراهنون علي الحل العسكري لمشكلة التمرد، سواء في جبال النوبة، أو النيل الأزرق، أو دارفور، استناداً علي ما تحقق من نصر أخيراً، فرغم عظمة هذا الانتصار، فهو ليس جديداً علي القوات المسلحة، والقوات الصديقة، فلقد لقنوا المتمردين أكثر من درس في سوح القتال المختلفة، والجيش السوداني، قادر علي قهر المتمردين مهما تزودوا، وتحصنوا، ومهما أتاهم من مدد وعدد، ولكن التجربة أثبتت أن التمرد في السودان، لن تحله البندقية، ولكن يجب أن تكون يد الدولة هي الأعلي في الميدان، لتفاوض من منطلق القوة، ليس لإذلال الآخر، ولكن حتى يعلم أن الحكومة تفعل ذلك، من باب الفضل، وتأسياً بالرسول صلي الله عليه وسلم، حينما عفا عن المهزومين المنكسرين، فأقبلوا علي الإسلام طائعين راغبين صادقين فازدادوا به عزة، بعد أن ذاقوا ذل الهزيمة، فيأتى هؤلاء للسلام راغبين، بسبب المنهج القويم، ولا يغرهم نصر، وقد انهزموا في ميدان القتال.

وحتى لو لم يقتنع بعض الموهومين من الحكوميين بمنطق النبوة الراشد، فإن التجربة كانت كفيلة بعظتهم، ولا زلت أذكر اجتماعاً في العام 2004م ضم رؤساء التحرير، مع زير الدفاع آنذاك اللواء عبد الرحيم محمد حسين، ومدير جهاز الأمن اللواء صلاح قوش، ووالي شمال دارفور عثمان محمد يوسف كبر، بوزارة الدفاع، وكان تمرد حركات دارفور في بداياته، وكانت بعض الصحف، تدعو لحل المشكلة بالحوار وهى في بداياتها، وكنا في صحيفة "الأزمنة" أكثر من نفعل ذلك، فحذرنا هؤلاء من الدعوة للحوار، وقالوا إن هذه قلة متفلتة، تحسم بالسلاح قبل نهاية ذاك العام 2004م.. ولا تعليق.

إن الحوار هو السبيل الوحيد لحل كل مشكلات السودان، وفي مقدمتها تعزيز مسيرة السلام، لتضع الحرب أوزارها في كل ربوع البلاد، واستكمال التوافق السياسي، والتراضي الوطنى بين فرقاء السياسة السودانية، كافة، إلا من أبي.

///////////