سألت زميلاً أثق في ما يقول وأحبه لخصال كثيرة جمعها الله في شخصه، أدناها الصدق والإخلاص والوفاء، سألته أن ينقل لي وصفاً لمسيرة الحركة الشعبية والمعارضة التي حالت السلطات الحكومية دون تواصلها لفقدانها المشروعية والموضوعية، لأستعين بما يقول في كتابة هذا المقال فضلاً عما أتابعه عبر الفضائيات المحلية والخارجية، فقال لي زميلي العزيز أن الحركة الشعبية رمت بثقلها في المسيرة ولكن الأحزاب السياسية المعارضة تخاذلت. فقلت له مداعباً لعلها وعت الدرس، فقال لي بأدبه الجم، (في دي اختلفنا) فقلت له (اختلاف الرأي لايفسد للود قضية، دامت مودتنا) فرد (ليت هذا يكون شأننا في السياسة)

       كنت أتوقع أن يكون هذا هو الحال، ولذلك كتبت مقال الأمس (مسيرة المعارضة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب) ولقد تأكد لي ذلك مساء الأمس عندما شاهدت الزعيمين الكبيرين الإمام الصادق المهدي ومولانا السيد محمد عثمان الميرغني يلتقيان رئيس الجمهورية ويتحدثان معه حول عظائم الأمور، ويتباحثان معه الحلول التي تخرج وطننا مما يوشك أن يقع فيه من مزالق. وكنت أتمني أن يتغلب السيد سلفاكير ميارديت علي تشنجات الموتورين والمنبتين من أعضاء حركته، فيخرج من دائرة الأسر في مستنقعات الخلافات الآسنة ويتحدث حول ما يرجوه منه شعبه السوداني في الشمال والجنوب معاً.

       فيبدو بالفعل أن الأحزاب السياسية الوطنية قد استفادت تماماً من دروس الماضي وعبره في علاقاتها وتحالفاتها مع الحركة الشعبية مما يجعلها تدفع ثمناً غالياً لذلك. فمعلوم أن الحركة الشعبية ما كان يمكن أن تخرج عن دائرة كونها جماعة متمردة في الجنوب علي الحكومة المركزية بغير الدعم السياسي الذي وفرته لها الأحزاب الوطنية التي كانت تعارض نظام حكم الرئيس الراحل جعفر محمد نميري. وعندما سقطت حكومة مايو وجاءت هذه الأحزاب للحكم بعد إنتفاضة أبريل 1985م، لم تأت معها الحركة الشعبية بل ظلت تقاتل حكومتها وبذات السلاح الذي وفرته لها. وكان للحرب خلال فترة الحزبية الثالثة دور كبير في إسقاط ذاك الحكم.

       وبعدما جاءت الإنقاذ وحشدت قوتها لمنازلة الحركة الشعبية في الميدان احتمت الحركة بالأحزاب السياسية ودخلت معها التجمع المعارض، وكسبت بذلك أراض جديدة. وعندما انفتح باب واسع للحوار مع الحكومة ولجته وحدها ولم تستصحب من حلفائها أحد. ووقعت إتفاقية نيفاشا، وأخذت بالسلام أكثر مما أخذته بالحرب. ولم تعر حلفاء الأمس أدني إهتمام وتقاسمت السلطة مع الشركاء الجدد وأعطت القدامي بقايا فتات قبله من قبله ورفضه من رفضه.

       وعندما تعثر حوارالحركة الشعبية مع شريكها المؤتمر الوطني تذكرت حلفاء الأمس فدعت إلي مؤتمر جوبا الذي حاولت الإستقواء به لأخذ مزيد من المطالب الموضوعية وغير الموضوعية. وعندما لم يكفها ما نالت بالتي هي أحسن نشدت يغيرها وأرادت أن تحشد القوي السياسية الأخري لقضايا خاصة بها تماماً وقد لايتفق معها الآخرون فيها، مثل قانون الإستفتاء وإستفتاء أبيي، والمشورة الشعبية لجنوب كردفان والنيل الأزرق. وكان ذلك عبر المسيرة التي دعت لها يوم أمس أمام البرلمان. ولكن الأحزاب وعت الدرس وقطعت علي بعض أدعياء الثورة من منسوبي الحركة الشعبية تجيير قوتهم الشعبية والساسية لمصلحة حركتهم. ولم ينطل عليهم ما قاله باقان أموم عندما أخذته الشرطة فقال (أتحدث إليكم من داخل سجون النظام) وكأنه نسي أنه شريك أصيل في هذا النظام الذي يأخذ هو وشريكه المؤتمر الوطني 80% من حصته حسب منطوق إتفاقهم الثنائي في نيفاشا، وتأخذ كل القوي السياسية الأخري الشمالية والجنوبية، وشركاؤه السابقون في التجمع الوطني 20% فقط لاغير.