عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أن يفكر السودانيون قبل نحو عامين تقريباً في الرئيس القادم للبلاد، فهذا أمر جديد، وكنا معروفون بالتفكير بالقطاعي على طريقة «رزق اليوم باليوم»، ولا نعد للأمر عدته قبل وقت كافٍ، فبرغم أننا نعد لشهر رمضان الكريم لوازمه وإحتياجاته من حلو مر وغيره قبل وقت كافٍ، إلا أن العيد يداهمنا كل عام، فلا نبدأ في وضع اللمسات الأخيرة ليوم العيد إلا بعد إعلان ثبوته، وكذا الأمر في السياسة، وفي سائر شؤوننا الخاصة.
ولقد لاحظت قبل شهور يكتب البعض عن المرشح القادم لرئاسة الجمهورية والذين يتحدثون أكثر من الذين يكتبون، وكنت أتعامل مع الموضوع في حدود أنه ظاهرة صحية فقط، رغم أن كثيرين من الذين يكتبون تحركهم  دوافع شخصية، أو يدفعهم آخرون لذلك للترويج لأمر ما، فكثير مما كُتب لم أجده متجرداً، إلى أن صرح الأسبوع الماضي البروفيسور إبراهيم أحمد عمر لإحدى الصحف، قائلاً إن هناك أربعة أشخاص قادرون على خلافة المشير عمر البشير في رئاسة الجمهورية ومعلوم أن البروفيسور عمر فوق الشبهات، وهو ليس له غرض، ولا تحركه مصالح خاصة، وهو رجل قضى عمره كله في حقول الدعوة مجاهداً، ولا يحرص على شىء اليوم سوى الإطمئنان على مصير البلاد التي تقودها الحركة الإسلامية وهو أحد أركانها الراكزة.
وبرغم أن البروف إبراهيم لم يسم الأربعة القادرين على خلافة الرئيس البشير، لكنني اعتبرت حديثه فتح باب لحوار جاد حول هذا الموضوع، نجدد به سنة محمودة ونتحاشى به المفاجآت التي قد لا تأتي سعيدة في كل الأحيان، وهذا المقال الذي أكتبه اليوم هو بداية جادة لحوار في هذا الموضوع، ولقد سبقته حوارات عديدة قدتها مع كثيرين ممن يهتمون بالأمر وينشغلون به، ولرأيهم تقدير ومكان.

وقبل الدخول في تسمية الأشخاص الذين نراهم قادرين على قيادة البلاد خلفاً للرئيس البشير ومقوماتهم لذلك، لابد من الإجابة على أسئلة محورية في هذا الشأن، أولها هل ينتهي عهد المشير البشير في رئاسة الجمهورية بإنتهاد هذه الدورة الرئاسية، أم أن هناك أمل تجديد له لدورة أُخرى بتقديمه مرشحاً للرئاسة في الإنتخابات القادمة، وبرغم أن كل الخيارات واردة ومتاحة لكنني أرى فرصة خوض المشير البشير الإنتخابات القادمة تكاد تكون معدومة تماماً، فالرجل قطع قبل وقت بعيد بعزمه على التنازل من مقعد الرئاسة بإنتهاء هذه الدورة ولقد فعل ذلك جاداً وصادقاً، ولم تكن هناك أية شُبهة مناورة، والرجل أصلاً لم يعرف عنه ذلك ثم أن مبررات هذا القول القاطع قوية وراجحة، فالرئيس البشير أنجز للسودان ما لم ينجزه غيره من السابقين في هذا المقعد، وقاد البلاد في ظروف قاسية وحقق نجاحات لم تكن متوقعة، ومن أفضل نجاحاته أنه إستطاع أن يضع أُسس للحكم الراشد في البلاد، ويكفيه أنه قاد أول تجربة تحول للحكم من عسكري شمولي مقفول إلى مدني ديمقراطي مفتوح ومنفتح، وتنازله عن الحكم طوعاً وأختياراً يشكل أعظم تاج لإنجازاته السابقة، وبه يتوج مسيرته في عطائه لوطنه يخلد به ويطيب ذكره دنيا وآخرة، ولا أحسب أنه يرجو أكثر من ذلك.
ثم أن المِزاح العام الآن إقليمياً ودولياً، وحتى داخلياً، هو مزاج تغيير، هذا فضلاً عن أن التغيير سنة من سُنن الله في الكون وسُنن الله لا تبدل ولا تُغير.. ومحاولة السير عكس الإتجاه الطبيعي تحفها مخاطر جسيمة، ولا أرى سبباً للدخول في مثل هذه المخاطر، ومع ذلك أتوقع أن تخرج أصوات ضد التاريخ وضد الطبيعة، وضد منطق الأشياء وتنادي بالتمديد للرئيس البشير، وهؤلاء غالباً ما يسعون للحفاظ على أوضاع نالوها في الوضع القديم يخشون ضياعها، ومعلوم أن الرئيس البشير إذا خرج من القصر الجمهوري فسيخرج معه كثيرون من مواقع عديدة، وهذا أمر طبيعي وليس له علاقة بشخص الرئيس، ولكنه مرتبط بمنطق الأشياء والتغيير، وتبدل معادلات الحكم والتوازن، وهؤلاء يجب التصدي لهم لأنهم يمكن أن يدخلوا البلد في متاهات كبيرة ويضيعوا عليها فرصة عظيمة لمجرد أنهم يريدون أن يحافظوا على مواقعهم ومكتسباتهم، وأتوقع أن يكون الرئيس البشير أول المتصدين لهؤلاء النفعيين وقصيري النظر، ويقطع عليهم الطريق.
السؤال الثاني من أين يأتي الرئيس البديل، هل لابد أن يكون من المؤتمر الوطني، ومن قيادته التاريخية والتقليدية، أم يمكن أن يكون من خارجه، وهناك بعض النداءات تطلب أن يكون الرئيس القادم قومياً لا حزبياً، وقد يتساءل البعض هل يكون هذا الرئيس عسكرياً أم مدنياً؟!.
أولاً الحديث عن مرشح قومي لرئاسة الجمهورية غير وارد، فنحن الآن في ظل حكم حزبي به تعدد سياسي وحزبي، وفيه حزب غالب، وأحزاب أُخرى بعضها يشارك هذا الحزب الحكم، وبعض يعارضه، وصحيح أن المنافسة لمنصب رئيس الجمهورية مفتوحة ومتاحة لكل الأحزاب ولكنها ـ على الأقل في الدورة القادمة ـ تكاد تكون محسومة لمرشح المؤتمر الوطني، فسيقدم المؤتمر الوطني مرشحه لرئاسة الجمهورية، وستكون فرصته بالفوز الأرجح بإذن الله تعالى.
أما الحديث عن مدني وعسكري فهو حديث لا معنى له، فبالقانون يجب أن يكون المرشح لرئاسة الجمهورية مدنياً، ويستوي في ذلك المدنيون مع أصحاب الخلفية العسكرية، وفي حالة السودان والإنقاذ والحركة الإسلامية وحزبها المؤتمر الوطني ، فيستوي في الإنتماء والإلتزام العسكريون مع المدنيين، فالمدنيون هم الذين خططوا للثورة، والعسكريون قادوا تغييرها، وكلهم يجمع بينهم تنظيم واحد لا فضل فيه لعسكري على مدني، ولا مدني على عسكري إلا بالعطاء والإلتزام.
وهنا أقفز للأسماء مباشرة ثم أتحدث عن المعايير الجامعة لهم، ثم أتحدث بعد ذلك عن المزايا التفضيلية لكل واحد منهم، فالثلاثة علي عثمان محمد طه، ونافع علي نافع، وبكري حسن صالح، فضلاً عن التزامهم التنظيمي الصارم، وتجربتهم المتواصلة في الحكم، فإنهم من المتقدمين الذين لم تحم حولهم أية شبهات فلم يتهمهم صادق بفساد مالي ولا سياسي، ولا بمحسوبية ولا جهوية ولا عنصرية ويتفقون جميعاً في الطُهر والنزاهة، ويتفوقون على الذين يمكن أن يقاربوهم في هذه المزايا أنهم يمتلكون كاريزما القيادة وهذه الميزات أسقطت كثيرين ممن يتحدث الناس عنهم أسماء مرشحة لخلافة البشير، فالذين رشحت اسماؤهم يجمعهم كلهم الإنتماء التنظيمي، ولكن تقعد ببعضهم محدودية النظر ويقعد بآخرين ضعف الإمكانات والمقدرات القيادية، ويكثر الكلام حول بعض منهم وجميعهم يفتقدون كاريزما القيادة التي يتمتع بها هؤلاء الثلاثة..
ولو تحدثنا تفصيلاً عن الثلاثة الذين نراهم الأنسب أن تنحصر بينهم المفاضلة في خلافة الرئيس البشير، فنجد أن علي عثمان إستفاد كثيراً من تقديمه المبكر للقيادة، تحديداً منذ العام 6891م عندما أصبح نائباً للأمين العام للجبهة الإسلامية القومية التي كان يقود أمانتها العامة الدكتور حسن الترابي، وكذلك قيادته للمعارضة البرلمانية زعيماً، ولقد حدث هذا التقديم لعلي عثمان في وقت كان يعج فيه التنظيم بالقيادات التي تتفوق عليه كسباً وعلماً وتكبره سناً، ولكنه إستطاع أن يملأ مكانه تماماً ويفرض نفسه قائداً ثاني للجماعة على كافة المستويات، وأقنع الجميع بذلك.
ثم استمر على هذا الحال طوال تلك السنوات، إلى أن وقعت المفاصلة المشهورة في المؤتمر الوطني، فصار رمزاً للقيادة الحركية في جانب الإسلاميين الذين إنحازوا لجانب الحكومة، ثم أنه إستطاع أن يقدم نفسه للسودان كله رجل دولة متكامل، ولقد أعانه على ذلك حُسن تدبيره وترتيبه، أما حُسن خُلقه وأخلاقه فجعلاه الأكثر قبولاً لأكثر أهل السودان لا سيما أحزابه السياسية المعارضة، وقبل أيام حدثني زعيم سياسي معارض كبير جداً عن علي عثمان حديثاً طيباً وهو يراه الأقدر في جانب الحكومة والمؤتمر الوطني على قيادة مبادرة للتراضي الوطني والتعايش السلمي بين السودانيين، وهو رجل بعيد كل البعد عن العنصرية والجهوية رغم أن كثيرين يحاولون أن يستغلوا إنتمائه القبلي لإدعاء أحقية بمكاسب، إلا أن الرجل لا يفعل ذلك، ولا يرعاه ولو كان كذلك، لأفاد عشيرته الاقربين، ويشهد الناس أنه لا يوجد أحد من أهل علي عثمان حاز منصباً ولا نال مالاً بهذا القرب.
أما الدكتور نافع على نافع فهو القائد الفعلي للتنظيم، وله في ذلك مقدرات عالية، وأهم ما يميزه الجسارة والوضوح والشجاعة، وما يأخذه عليه معارضوه من شدة وغلظة في مقارعة الخصوم يحسبه له أنصاره، ويرونه بهما الأقدر على القيادة في زمن التحدي، وحتى معارضيه الذين يرفضون حدته وغلظته فإنهم كثيراً ما يتجاوزون ذلك بما يعرفون عنه من مصداقية وإلتزام بما يقول ويقطع على نفسه، ولقد أشرت في مقال سابق إلى ما قاله لي ياسر عرمان عن نافع وسعيه للحوار معه لأنه يثق في ما يقول، وذات الشىء قالته حركة العدل والمساواة، وكان أبوبكر حامد قد إقتراح في واحد من مساعينا للحوار بين الحكومة وحركة العدل والمساواة أن يرعى الحوار من جانب الحكومة الدكتور نافع لأنهم يثقون في ما يقول، لأنه رجل يقول لسانه ما ينطوي عليه قلبه، ولعل ذلك كان سبباً في قيادة نافع لمفاوضات الدوحة عندما كانت قاصرة على هدفها الذي تأسس المنبر من أجله للحوار مع حركة العدل والمساواة، ولما انهارت مفاوضات العدل والمساواة، وصار الهدف إنقاذ المفاوضات من الإنهيار بمفاوض بديل قامت له حركة التحرير والعدالة، لم نجد الدكتور نافع في مكانه القديم من المفاوضات، وأتوقع أن يكون قد فعل ذلك بمحض إرادته، لأن هذا يشبه شخصيته.
أما الفريق أول بكري حسن صالح فلم يبق غيره مع زميله الفريق عبد الرحيم محمد حسين أحد من قادة مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني في كابينة قيادة الحكم، وما يميز بكري أولاً أنه ضابط أصيل خريج الكلية الحربية، وهؤلاء لهم مكان خاص، وتصنيف نوعي داخل المؤسسة العسكرية، وهو رجل لم تحم حوله أية شبهة من أي نوع، ولم تشهد مسيرته العسكرية والسياسية أي إخفاق، ولقد أثبت كفاءة عالية في أرفع موقع قيادي وزيراً لرئاسة الجمهورية، وخلق من خلال هذا الموقع علاقات وصلات متميزة داخلياً وخارجياً، وله شخصية قيادية فذة، ويجيد فن حفظ المسافات بينه وبين الآخرين دون إفتعال أو إدعاء، يحترم الناس ويحترمونه، وأهم ما يميزه أنه رجل قومي بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ ، وهو مقبول لكل أهل السودان، وله مكان خاص عند أهل دارفور، فيحفظون له أنه كان معترضاً بشدة على الحل العسكري للنزاع في دارفور، وأنه سجل هذا الإعتراض مكتوباً، وبسببه رفض أن يكون وزيراً للدفاع.
هناك حالة خاصة هي حالة العقيد عبدالرحمن الصادق المهدي الذي دخل القصر في معادلة خاصة جداً، ويقولون إن له مكان خاص عند الرئيس البشير، وكذلك عند الإسلاميين جميعاً، ولقد حجز مقعداً في كابينة القيادة في المرحلة القادمة، وأحسب أنه سيكون الأنسب نائباً أول لرئيس الجمهورية القادم لا سيما إذا ما جاء إلى الرئاسة علي عثمان أو دكتور نافع، فإلى كل منهما يضيف البُعد العسكري، فضلاً عن رمزيته القومية، وتمثيله للشباب الواعد الطموح، بالإضافة الى إمكاناته الشخصية والمكتسبة، وهو رجل أعده والده الإمام الصادق المهدي منذ ولادته ليكون له شأن عظيم في تاريخ السودان، إبتداءً من الاسم «عبدالرحمن» وهذا اسم له دلالاته ومعانيه، ثم سائر حياته وتنشئته وتعليمه ودخوله الحياة العسكرية، وتكليفه بالمهام الجسام  زمن المعارضة، ثم الدفع به للحكم  وفق معادلة عصية الفهم.
عموماً تلك محاولة لقراءة المستقبل بصوت جهوري، ولقد استعنت عليها من بعد الله تعالى بحوارات طويلة، لتكون واحدة من محطات الحوار الوطني بحثاً عن الشخص المناسب لقيادة بلدنا في المرحلة القادمة وهي المرحلة الأكثر خطورة في تاريخ السودان.