شورى الجوامعة وهموم كردفانية
مبادرة علي عثمان هي الطريق الأقرب لنهضة شمال كردفان
«النفير» «والفزع» «والضرا» تراث كردفاني يجب احياؤه


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لقد كانت لفتة بارعة ورائعة من بعض الناشطين من أهلنا الجوامعة في ولاية الخرطوم، عندما اختاروا منتجع الوجيه عصام الشيخ لإستضافة اللقاء الإجتماعي التفاكري لأبناء الجوامعة وأهلهم وأصهارهم وعشيرتهم بولاية الخرطوم، فلقد أعاد المنتجع الرائع إلى الأذهان ذكريات كردفان أيام بهائها ونضرتها، وتحديداً مدينة عروس النيم المعروفة لدى الناس باسم مدينة أم روابة، فلما رأيت المنتجع تأكدت أن صاحبه عصام الشيخ يستحق لقب «الوجيه» الذي يلازم اسمه عند الذين يعرفونه، وتكفيه وجاهة المكان الذي كسر به رتابة البناء في السودان، ولابد أن يجد كل من قصده نفسه فيه، حتى الذين ليست لهم جذور ممتدة بأرياف سودانية.
ثم أن الفكرة ذاتها رائعة، فجميل أن يتنادى بعض أهل كردفان للتشاور في حالهم، وما أحوجهم لذلك، ودائماً أقول إن أهلنا في كردفان تتأخر الإستجابة لحاجاتهم عن غيرهم لسببين، أحدهما نعتز به، ونقبل ما يصيبنا من التمسك به، ولن نتخلى عنه، والثاني يتلبس بعض أبنائنا ونسأل الله أن يشفيهم منه، ويعافيهم.
الذي نعتز به ونتفاخر، هو حضارتنا وصدق إنتمائنا لهذا الوطن، وحرصنا على وحدته وتماسكه، وهذه الأشياء تعصمنا من الوقوع  فيما وقع فيه غيرنا ممن حملوا السلاح مطالبين بحقوق موضوعية، وغير موضوعية كذلك، وبعضهم قد حقق شيئاً من مطالبه، لكنهم دمروا مناطقهم وحرقوها، وشرّدوا أهلهم، وهذا ما لا يفعله أهل كردفان ولم يفعلوه، ولن يفعلونه أبداً، مهما كانت حيوية وموضوعية القضايا والمطالب التي يرفعونها، وهذا هو السبب وراء فشل كل محاولات جر أهل كردفان إلى حروب المطالب الجهوية والتنموية، اما السبب الثاني والذي نسأل الله أن يشفي مصابيه من أبنائنا من علله، هو إدعاء القومية الزائف الذي يحاول بعض الدستوريين والمتقدمين الكردفانيين التدثر به لإخفاء عجزهم في المطالبة بحقوق أهلهم، ولا يقتصر هذا على الدستوريين الكردفانيين الحاليين، ولا على منسوبي المؤتمر الوطني وحدهم، ولكنها علة ظلت تلازم أكثر أبناء كردفان الذين فتح الله عليهم بالمال والسلطان، في كل العهود والأزمان، ولم يخدموا أهلهم في شئ، ولم يقدموا لأرضهم ما تستحقه، ومن المفارقات الغربية أن الكردفانيين من غير القبائل الكردفانية أكثر عطاءً لكردفان وأهلها من أهل الجذور الكردفانية، وهذه علة لن ينصلح معها حال أهلنا وأرضنا ما لم نتعافَ منها، ولا نطلب من أبنائنا المتقدمين أن يعطونا حق غيرنا، ولكننا نريدهم فقط أن يكونوا مثل غيرهم من اخوانهم وزملائهم منسوبي الولايات الأخرى الذين يخدمون أهلهم وقواعدهم وديارهم بما هو مشروع ومتاح.
ولا أود أن أذكر أمثلة دالة على فلاح غيرنا وعجز أبنائنا حتى لا يتم تشخيص القضية، ولكن إذا تدبر كل انسان الأمر، ونظر حوله سيجد أمثلة كثيرة وواضحة دالة على فلاح الآخرين وخيبة أبنائنا أدعياءالقومية الكاذبة، التي يريدون أن يخفوا وراءها عجزهم عن خدمة أهلهم، ففي كل بقاع السودان تنتشر المشروعات الكبيرة والضخمة التي قادها أبناء تلك المناطق إلى أهلهم بعلاقاتهم الدستورية والسياسية والعامة، وبعضها بعلاقات خاصة داخلية وخارجية لا سيما في مجالات الإستثمارات التنموية والنهضوية، عدا ديار كردفان التي تكاد تخلو من مشروع قومي استراتيجي، ويفلح بعض أبنائنا «المتفولحين» في حفر آبار، وبناء مدارس محدودة، وحفائر متواضعة، وشفخانات تسمى مجازاً مستشفيات يفرحون بها ويهللون ويسمونها إنجازات، ويكفينا عجزاً أن كردفان كلها ليس بها مستشفى يمكن أن يستحق هذا الاسم، ويكفينا عجزاً أن طريق الابيض بارا أمدرمان لم يبرح الأوراق المكتبية، ولا أحسب انه سيبرحها رغم الاتفاقات التي أبرمت بشأنه، ويكفينا عجزاً أن مياه الشرب لا زالت مشكلة تؤرق مضاجعنا، ونحمد الله تعالى ونشكر الحكومية الاتحادية التي ربطتنا بكهرباء «السد» القومية والتي لم نجد ما نستفيد به منها سوى زيادة عدد التلفزيونات والسهر مع المسلسلات ومشاهدة أمم افريقيا الأخيرة التي أسعدنا فيها أولاد مازدا، وتكفينا خيبة أن أكبر محطة توزيع إنتاجية للكهرباء في حاضرة غرب السودان كله، «الابيض» هي محطة المنطقة الصناعية،
أن دعوة شورى الجوامعة للتفاكر حول قضايا الامارة والمنطقة أتت في وقتها، فما أحوجنا إلى مثل تلك الدعوات من أجل اليقظة، وأهم ما في هذه الدعوة انها تركز في مقامها الاول على تنبيه الذات وإيقاظ النفوس من غفوتها للالتفات إلى قضايا أهلها، فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولو نجح هذا الاجتماع في الحشد لبناء دار امارة الجوامعة في العاصمة القومية لكفى، على الأقل تكون هناك داراً خاصة بكيان كردفاني في عاصمة بلدنا مع عشرات الكيانات الأخرى المنتشرة في العاصمة المثلثة، وأقول مثلثة رغم تعدد مدنها، التي صارت معتمديات إذ الأصل لا زال عندي المدن الثلاث أمدرمان والخرطوم وبحري.
وحسناً جاءت الدعوة من امارة الجوامعة، لا لسبب تفضيلي على غيرها عندي، ولكن لأنها شديدة التعبير على الحالة الكردفانية القومية المنفتحة المستوعبة لكل مكونات السودان، فمدينة أم روابة مثلاً وهي أكبر مدن منطقة الجوامعة في شرق كردفان، مدينة قومية بكل ما تعني هذه الكلمة من معان، ففي المدينة احياء للفلاتة والشايقية والبزعة وفور وغيرهم من أهل القبائل الأخرى التي صاروا من الجوامعة بالحياة والمصاهرة والعطاء، وكثيرون من رموز المدينة في مجالات شتى من غير أبناء الجوامعة، ونذكر بعضاً في مجالات مختلفة للمثال لا الحصر، الحاج عثمان محمد صالح، وأولاده، العم عبد الرحمن الحاج سليمان وأولاده، الشيخ عمر غابات الأسطى محمود، الشيخ أديب، آل الكوباني، آل حمو، وغيرهم، وتضم منطقة الجوامعة مدن وعموديات للهبانية والتعايشة والفلاتة والبرتي وغيرهم، وقبيلة الجوامعة زاخرة بأبنائها المميزين والبارزين في كل المجالات، فلو انهم نهضوا وتوحدوا وعملوا بهمة وإخلاص لقادوا نهضة كردفان كلها وفيهم قامات سياسية سامقة أبرزهم الفريف أول عبد الماجد حامد خليل والقائمة تطول وتطول، وفيهم أساتذة الجامعات والمفكرون والاعلاميون ورجال الأعمال والمهندسون وغيرهم من أهل التخصصات والمهن المختلفة.
ومن مهام اللقاء التفاكري الذي دعت له هيئة شورى الجوامعة بالخرطوم تجديد الاتصال بين القاعدة والمجلس واستدامة التواصل بين الأفراد، وتفعيل كل الخلايا والشرائح المجتمعية في مختلف المواقع للنظر والتفاكر وتشخيص المشكلات المحورية بالريف الكردفاني، واعداد هيكلة تواكب التطورات الاقتصادية والاجتماعية والإهتمام بتنمية الأفراد منسوبي الامارة والمنطقة ورفع كفاءة كل العاملين في النواحي المختلفة بالتدريب والتأهيل، والإهتمام بشجرة الهشاب ذات البعد الاقتصادي والبيئي.
ومن حسنات هذا الاجتماع التفاكري والتنشيطي انه جاء في وقت نبحث فيه عن تفعيل حقيقي وجاد ومثمر لمبادرة النائب الاول لرئيس الجمهورية الشيخ علي عثمان محمد طه لنهضة ولاية شمال كردفان، ولعل الناس يلحظون حماسي المتنامي لهذه المبادرة، ولا أفعل ذلك إنحيازاً لها لأنني كنت من شهود ميلادها في الميدان عندما كنت ضمن وفد النائب الاول الذي زار الولاية وأطلق في تلك الزيارة هذه المبادرة فحسب، ولكنني أفعل ذلك ايضاً لقناعة تامة أن هذه المبادرة هي الطريق الأقرب إن لم يكن الأوحد لاحداث النهضة التي تحتاجها الولاية، وينشدها أهلها، وأهم ما يميز علي عثمان انه رجل صادق الوعد غير كذوب، وإذا وعد أوفى، ومما يمتاز به على كثيرين من غيره انه يتابع قراراته ومشروعاته بدقة، ويفعل ذلك بنفسه، وبمكتبه ومعاونيه الذين هم على درجة عالية من الكفاءة، ثم أني أتحمس للمبادرة كذلك لأنها قد تهيأت لها كل أسباب النجاح، المبادرة تقوم على شراكة بين المجتمع الكردفاني والحكومة الولائية والحكومة الاتحادية ممثلة في النائب الأول لرئيس الجمهورية وبرعاية كريمة من السيد الرئيس المشير عمر حسن أحمد البشير، والرئيس ونائبه لكردفان في نفسيهما مكان خاص، فالرئيس البشير جاء من كردفان وبرفقة أبناء كردفان إلى رئاسة الجمهورية.
اما نائبه علي عثمان فلقد بدأ حياته العملية، قاضياً في كردفان وهذا يزيد من حماسته للولاية وأهلها.
وفكرة مبادرة النائب الأول لنهضة كردفان أن تنبع المشروعات النهضوية والتنموية من المجتمع الكردفاني، ثم يضع المجتمع والحكومة الولائية مساهمتها في المشروع المعني، وتعهد النائب الأول بتكملة المشروع وجاء ذلك في قوله «الناقص بنتمو» وعبقرية هذه الفكرة انها تستند على قيم ثقافية كردفانية راسخة، أهل كردفان فيها أهل سبق وريادة، وهي ثقافة النفير والفزع والضرا، فلما نشأنا في كردفان صغاراً وجدنا كل شىء يقوم ويكتمل بالنفير، ولا يقتصر النفير على المسائل الاجتماعية فقط، ولكنه يمتد حتى إلى الإستثمار والإنتاج، فكنا في الخريف نقوم بكافة الاعمار الزراعية، لبعض الأسر محدودة العدد، وكان المجتمع يوم النفير الزراعي لا يحمل عن النافرين من أجلهم عبء العمل فقط، ولكنه يقوم حتى باطعام العاملين، وكذا الحال كان ايضاً في البناء والسكن، فكثير من المباني والبيوت قامت بالنفير وكان المجتمع الكردفاني متماسكاً ومتعاوناً في السراء والضراء، فاذا تعرض مواطن إلى سرقة مثلا فان المجتمع يخرج معه لملاحقة السارقين فيما يعرف بـ «الفزع» ولم يكن اجتماع الناس للطعام في مكان عام في الشارع «الضرا» يقتصر على شهر رمضان وحده، فكان فطور الجمعة والاعياد ايضاً في الضرا، وبعض الأسر والمناطق ، لا سيما الريفية طعامهم كله كان في الضرا لذلك فان مشروع النائب الاول لنهضة كردفان يلمس هذه «الحتة» الحساسة في النفس الكردفانية فيهيج أشواقها ويجعلها تتسابق لفعل الخيرات، ولذلك استغرب جداً لبطء الإيقاع الكردفاني الشعبي والحكومي تجاوباً مع هذه المبادرة، وكان من المفروض أن التقي أخي وصديقي وزميلي وابن عمي معتصم ميرغني حسين زاكي الدين والي ولاية شمال كردفان خلال اليومين الماضيين، ولقد رتب ذلك مدير مكتبه في الخرطوم الشاب الخلوق «عوض» إلا أن زحمة الطريق حالت دون ذلك، وتلك فرصة لأن نجدد الدعوة للاخ الوالي لإعادة النظر في موقع مكتب متابعة الولاية بالخرطوم، حيث إن مكانه الحالي في حي المجاهدين شرق الخرطوم لا يناسب الوجود الكردفاني ، ونراه معزولاً عن كثير من المرافق الحيوية، ولا يعين على التواصل المطلوب، ولئن لم يقدر الله ذلك في الوقت الذي حددناه من قبل فنسأله تعالى أن يوفقني لذلك، وأحرص على هذا ولو بالسفر إلى الابيض وعلى عاتقي عهد لمجموعة من الأهل والأصحاب لزيارة كردفان زيارة خاصة نقف فيها على الأحوال وننقل صوت الناس عبر الصحافة لاهلهم وللحاكمين على المستويين المحلي والاتحادي، وعلمت أن للناس في كردفان قضايا كثيرة يريدون مناقشتها عبر الاعلام، وأرجو أن يكون ذلك قريباً بإذن الله تعالى.
وما أود أن أقوله ابتداءً لأخي معتصم  في شأن مبادرة النائب الاول أن إيقاع حكومته لدعم هذه المبادرة وفتح الطريق لها، ابطأ بكثير مما هو مطلوب، ولئن عذرنا المجتمع الكردفاني على بطء إيقاعه فلن نجد للحكومة الكردفانية عذراً، وأذكر السيد الوالي بقول قرينة السيد النائب الاول السيدة فاطمة الامام «أهل كردفان ما بدسوا المحافير».
/////////////////