لا زلت أذكر زيارة سابقة للدكتور نافع علي نافع مساعد رئيس الجمهورية ونائب رئيس المؤتمر الوطني للعاصمة المصرية القاهرة قبل أكثر من سنتين تقريباً، ونظم له مكتب المؤتمر الوطني جلسة حوار مع الصفوة المصرية في فندق سمير أميس انتركونتننتال، ولقد أتاح لي الأخ الصديق الأستاذ كمال حسن علي الذي كان مديراً لمكتب المؤتمر الوطني آنذاك، أتاح لي فرصة المشاركة في هذا الحوار، عندما خصني بالدعوة له، ولقد تألق الدكتور نافع في ذاك اللقاء كما لم يتألق من قبل، وكان سر تألقه في صراحته ومباشرته في تناول أكثر الموضوعات حساسية، وكان قد قدم منطقاً راقياً في الإجابة علي سؤال الدكتورة إجلال رأفت أستاذة العلوم السياسية والقيادية في حزب الوفد عن موضوع حلايب، وكانت الدكتورة إجلال قد اتهمت السودان وحكومته وحزب المؤتمر الوطني بتعقيد قضية حلايب، ولم تكن عبقرية  نافع في الدفوع التي قدمها لتأكيد أحقية السودان بحلايب فحسب، ولكنها كانت أيضاً في التقليل من شأن الموضوع في سبيل علاقات أعمق ينشدها السودان مع مصر، ويتطلع لأن تكون حلايب مدخلاً لذلك من خلال نموذج التكامل والتعايش الذي يطرحه السودان تسوية للمسألة العالقة.
وبرغم أن كثيرين من الأشقاء المصريين الذين حضروا ذاك اللقاء البعيد، لم يعجبهم سؤال الدكتورة رأفت الذي منح فرصة ذهبية لمساعد رئيس جمهورية السودان ليستعرض رؤاه التي لا تجاري، لكن يبدو أن النخبة المصرية أضمرت إعجاباً بالرجل، وبمنطقه الواضح الصريح، ولقد وضح ذلك في لقاء الخميس الماضي الذي نظمه ذات منظم لقاء سمير أميس السابق الأخ كمال حسن علي الذي صار سفيراً للسودان في مصر، خلفاً للسفير السابق الفريق عبد الرحمن سرالختم، وكنت أظن أولاً أن الدماء السودانية التي تجري في عروق الدكتورة حنان يوسف أستاذة الإعلام في جامعة عين شمس هي التي شدتها للإعجاب بنافع، حيث أن حنان التي تقود مبادرة وادي النيل حبوبتها (حواء) سودانية من (بقارة) كردفان، ولكن الجميع انداحوا في الإطراء علي دكتور نافع وطريقته، بمجرد أن أشارت الدكتورة حنان للإعجاب المصري بطريقة الدكتور نافع الواضحة الصريحة، رغم ما تصيب به البعض بسبب صراحتها الزائدة، وعدم تنميق كلماتها، فإنها تؤدي الغرض المطلوب بدقة، وعلي ذكر مسألة نميق الكلمات أذكر أن صديقنا اللواء سليمان عبد الرحيم شرفي (السجان)، قال له أحد الأصدقاء أنه يشكو من حساسية في الجلد، فرد عليه السجان بطريقته الساخرة، هو ده اسم الدلع بتاع (الجرب) 
فالدكتور نافع لا يذكر اسم الدلع، فهو يريد الناس أن يقفوا علي الوقائع والحقائق كما هي، وهو غالباً ما يناديني (النور) في إشارة إلي جدنا الأمير النور عنقرة، ومرات أكثر يقول لي (جرعة عقود السم) وأفهم من إشارته أنه يحرضني علي الموقف الأصلب، مثلما كان يفعل جدنا الأمير، وأسعي دائماً لأن أكون عند حسن الظن، ومن هذه أني لم أسكت بعد عن اتفاقية أديس أبابا التي وقعها الدكتور نافع مع الفريق مالك عقار، وكانت فيها إيجابيات عديدة تأتي بخيرات كثيرة للسودان وأهله وتجنبه ظاهر الفتن وباطنها، إلا أن كراهة الناس لقطاع الشمال في الحركة الشعبية، أقامت ضدها حملة، أري أنها لم تكن موفقة، فالتزم الدكتور نافع بالمؤسسية الحزبية التي أبدت عليها تحفظات، ولكن لأنني أكتب خارج إطار الهياكل، وفي منبر حر، فإنني ما زلت باق وداع إلي روح إتفاقية أبابا التي أري فيها مخارج آمنة.
ومنهج نافع مطلوب جداً في العلاقات السودانية المصرية التي تمر بأهم مرحلة في تاريخها، وهي مرحلة لو لم نحسن استغلالها، لخسرنا فرصة لا تعوض، فلأول مرة تتاح فرصة التواصل بين البلدين والشعبين الشقيقين دون مؤثرات سالبة، فالسودان منذ أن جاءت الإنقاذ للحكم قبل أكثر من عشرين عاماً، بدأ محاولات الخروج من محوري الولاء الأعمي والضدية التائهة لمصر، وظل يسعي لتأسيس العلاقة علي ثوابت واضحة وقواسم مشتركة ومنافع متبادلة، ومصر بعد الثورة تهيأت لبناء علاقات ثنائية دون تأثيرات خارجية، ويكفي أن نعلم أن أمريكا مثلاً كان لها فيتو حاسم ضد الاستثمار الزراعي المصري في السودان، وبصورة أكثر صرامة في مجال القمح الذي يشكل السلعة الاستراتيجية للبلدين ولكثير من بلدان المنطقة. وغير الزراعة فإن كثير من المصالح السودانية المصرية تعطلت بسبب الفيتو الخارجي، وزاد من التعطيل أن المسؤولين في البلدين ما كانوا يواجهون قضاياهم بصراحة، وعندما تكون لدولة ملاحظة علي موقف أو سلوك دولة أخري، تقول (حساسية) ولا تقول (جرب) وهذا السلوك أصاب جسد وادي النيل بـ (الجرب)
ويبدو أن النخبة المصرية تريد لعلاقات البلدين المتكاملين أن تتعافي من الجرب، مثلما تعافت بلدهم من سرطان الحكم الطاغوتي الذي ظل جاثماً علي صدرهم سنين عدداً، فكل الذين تحدثوا في لقاء المفاكرة في بيت السفير، والذين لم يتحدثوا أيضاً ساروا علي ذات الطريق، وثمنوا منهج نافع لتعاطي الأمور.
ويحمد للصديق السفير كمال حسن علي أنه استصحب علاقاته القديمة في مصر علي أيام عهده في قيادة مكتب المؤتمر الوطني، في هذه المرحلة وهو يقود سفارة السودان، ومن الملاحظات المهمة، أن أكثر الذين كانوا مهتمين بملف العلاقات السودانية المصرية في شمال الوادي، لم يصبهم شيء من رشاش الثورة، ذلك أنهم جميعاً كانوا ثائرين منذ وقت بعيد، وكانت رؤيتهم للتواصل بين البلدين رؤية ثائرة، ولذلك سعدت جداً عندما وجدت كل الأصدقاء القدامي حاضرين، فتذكرت قوله صلي الله عليه وسلم (خياركم في الجاهلية خياركم في الاسلام) وكذلك (خيارهم في عهد مبارك خيارهم في عهد الثورة) ومن تلك الثلة السيد عمرو موسي، الأستاذ الدكتور سيد فليفل، الأستاذ الدكتور أسامة الغزالي حرب، الأستاذ هانئ رسلان، الدكتورة أماني الطويل، اللواء محمد بدر، الدكتورة حنان يوسف، الدكتور تامر سليمان، الأستاذ فوزي مخيمر، الأستاذة صباح موسي، الأستاذة أسماء الحسيني، وغيرهم كثر من الذين ظلوا يحملون هموم التواصل بين شطري الوادي الجنوبي والشمالي، ولا زالوا قابضين علي جمر القضية ولم يبدلوا تبديلاً.
لقد تميزت زيارة الدكتور نافع بالانفتاح علي جميع مكونات المجتمع المصري الشعبية والرسمية، المدنية والعسكرية، وبمختلف اتجاهاتها السياسية وميولها الفكرية، دون تمييز أو تفضيل لأحد، وهذا هو أول أساس متين تقوم عليه علاقات البلدين، فلا بد أن تستوعب الجميع بلا استثناء، فالزيارة كانت رداً للزيارة التي قام بها وفد الأحزاب المصرية للسودان برئاسة السيد بدوي رئيس حزب الوفد، ومجموعة من رؤساء الأحزاب المصرية وشباب ثورة 25يناير 2011م، وهي الزيارة التي نظمها رئيس مكتب المؤتمر الوطني في القاهرة الدكتور وليد سيد، ولقد لاقت نجاحاً واستحساناً كبيرين، فرد الدكتور نافع ووفده الكبير السياسي والشعبي والتشريعي الزيارة للجميع، والتقي بالمسؤولين الحكوميين علي أرفع المستويات حتى رئيس المجلس العسكري المشير طنطاوي، ورئيس مجلس الوزراء الدكتور عصام شرف، والتقي كذلك الأمين العام للجامعة العربية السيد نبيل العربي، فضلاً عن لقاءات أخري نوعية وشعبية وخاصة.
ولقاء الجالية السودانية في مصر علي مائدة الإفطار الرمضاني الذي نظمه مكتب المؤتمر الوطني في القاهرة، تواصلاً لسنة الأخ كمال حسن علي القديمة، كان قيماً، ومحضوراً، وأكثر ما لفت الأنظار فيه الكلمة القوية التي ألقاها ممثل الحزب القومي السوداني السيد عيسي حمدين، الذي تحدث إنابة عن القوي السياسية السودانية الوطنية في مصر، وما لفت النظر في كلمة السيد حمدين الروح القومية والوطنية التي تحلي بها، فهو تحدث بصراحة وقوي عن قضايا منطقته وهموم أهله في جنوب كردفان، ولكنه كان حاسماً في رفض الفتنة التي أشعلها بعض منسوبي الحركة الشعبية في الولاية، وهي فطنة كان يمكن أن تقود إلي حريق شامل، لولا فطنة بعض الحكماء من أهل جنوب كردفان، وقوة وبسالة القوات المسلحة السودانية من بعد فضل الله تعالي علي السودان وأهله، فأعلن حمدين رفضهم القاطع أن تتحول جنوب كردفان إلي جنوب آخر، وأنهم لم يفرطوا في السلام الذي تحقق.
ولما رأيت الأخ عيسي حمدين يتحدث تداعت إلي ذهني سيرة رجال كثر من نوبة جنوب كردفان سامقين، منهم من قرأنا عنهم ومنهم من رأيناهم، منهم من قضي نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا، الفكي علي الميرواي، المك آدم أم دبالوا، المك جيلي، المك ناصر، المرحوم محمود حسيب، الأب فيليب عباس غبوش، الشهيد موسي علي سليمان، الدكتورة تابيتا بطرس شوكاي، الأخ مكي علي بلايل، وغيرهم من الوطنيين الصادقين من أبناء النوبة بمختلف دياناتهم وانتماءاتهم السياسية. ومثل هؤلاء هم الذين سيخيبون آمال الذين يرشحون جنوب كردفان للانفجار، ولدعم هذا التيار الوطني في جنوب كردفان، فلا بد من روح اتفاقية أديس أبابا التي وأدوها في مهدها، ولعل ما قاله الأخ عيسي وأشاد به الدكتور نافع، يزيد الأخير عزماً للمضي قدماً في طريق التصحيح الذي عارضه البعض بحسن نية، ووقف ضده آخرون لاغتياله مع سبق الاصرار والترصد.
Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]