الرئيس يقود ثورة التغيير بنفسه
الرئيس فعل حسناً بتصفية الشركات الحكومية وعقبال المنظمات و«حوش بانقا»
عمر بن الخطاب، «الفاروق» أمر ابنه عبدالرحمن ببيع إبله درءاً للشبهات

رافقت الرئيس المشير عمر البشير إلى دنقلا العجوز لإفتتاح بعض المنشآت التي تم تأسيسها هناك بعضاً من إنجازات الثورة المرافقة للإنجاز العظيم، سد مروي ، وخلال مخاطبته الجماهير في منطقة الدبة، أعلن الرئيس أنه مع الثورة الشبابية، وأنه يقود الدعوة للتغيير بنفسه، ثم رشحت بعد ذلك أقوال كثيرة منسوبة للرئيس البشير تدعو إلى إجراءات ثورية، ومن تلك الأقوال الراشحة أنه لن يترشح لدورة رئاسية ثانية، وتتناقل مجالس المدينة بعض الأقاويل التي تشير إلى أن الرئيس البشير يعتزم في التشكيل الحكومي الجديد إبعاد كثير من الوجوه القديمة لا سيما التي تقدم بها السن، ليفسحوا لهم المجال، ثم يلحق بهم هو من بعد.
لم استبعد أن يحدث كل ذلك الذي قيل، ولم أربطه رباطاً كاملاً بالثورة التي إنطلقت في كثير من الدول العربية، وصارت دول أخرى تتحاشاها بإجراءات إصلاحية إستباقية، فالرئيس البشير ظل يقود التغيير الداخلي في الإنقاذ منذ سنوات طويلة، وإليه يعود الفضل من بعد الله في كثير من الإصلاحات التي حدثت، فلا يستطيع أحد أن ينكر دور الرئيس البشير في توسيع دائرة المشاركة في الحياة العامة، وتبنيه لكثير من مبادرات الوفاق ووحدة الصف الوطني.
ولقد شهد الاسبوع الماضي حدثاً إصلاحياً عظيماً، تمثل في تصفية اثنين وعشرين شركة حكومية وتلاه قرار آخر بخصخصة خمس شركات أخريات، وحل هذه الشركات التي تمت تصفيتها وخصخصتها جلها إن لم تكن كلها كانت تتبع لجهات حكومية ذات وضعية خاصة، وكان من الصعب محاسبتها حساباً دقيقاً ، هذا فضلاً عن أن الشركات الحكومية وشركات القطاع العام أخرجت كثيراً من شركات ومؤسسات القطاع الخاص من الأسواق، ذلك أن فرص المنافسة بينها غير متكافئة، فالشركات الحكومية تجد من الإمتيازات ما لا تجده الأخرى ، وهذه الإمتيازات تجعلها تحصل على السلع والخدمات بأسعار زهيدة يصعب منافستها، هذا فضلاً عن أنه في حالة تقدم شركة حكومية مع أخرى خاصة في أية منافسة للفوز بعطاء حكومي، فإن فرصة الشركة الحكومية للفوز بهذا العطاء تكون كبيرة جداً في مقابل فرصة شركة القطاع الخاص التي تتضاءل إلى درجة العدم، وليس في ذلك شيء من العدالة وليست هذه هي مسؤوليات ومهام الحكومات، لذلك فإن قرار الرئيس البشير بتصفية وخصخصة الشركات الحكومية أسعد الشعب السوداني كافة، وصفق له الجميع وأعتبروه خطوة إصلاحية كبرى في مسيرة الإصلاح التي يقودها الرئيس البشيرة بنفسه.
وعلى الرئيس عمر البشير تتعلق آمال عراض، والرئيس البشير مكان ثقة السودانيين حتى الذين يختلفون معه سياسياً، فلا يشك أحداً في صدقه، ولا يطعن أحداً في ذمته ، ولا يتهمه أحداً في ولائه ووطنيته، ورغم أني لن أصل إلى جرأة أستاذنا وصديقنا وابن اختنا الراحل المقيم الأستاذ فراج الطيب الذي قال في واحدة من قصائده الرائعات والتي تعرف باسم «العمرية» قال ما يفيد أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يشبه الرئيس عمر البشير، ولعله ضرب من ضروب البلاغة لم نبلغه، ولكنني أرى أن الرئيس عمر البشير يشبه الفاروق عمر بن الخطاب ويتشبه به، وقديماً قالوا إن التشبه بالرجال فلاحة.
ولأن الخليفة الفاروق كان يفعل ما لا يفعله غيره، والناس يذكرون كيف هاجر الفاروق عمر بن الخطاب من مكة إلى المدينة، فبينما كان الصحابة يفعلونها سراً، جهر بها بن الخطاب، فخرج يوم الهجرة إلى الملأ وأبلغهم بنيته الهجرة، وقال لهم قوله المشهور «من أراد أن تثكله أمه فليلقاني وراء هذا الجبل» وطبعاً لا أحد يجرأ على اللحاق بالفاروق عمر بن الخطاب.
ورغم قوة الفاروق وسطوته كان ضعيفاً أمام الحق، ولعل الناس يذكرون قصته مع المرأة التي قاطعته وهو يدعو إلى تحديد المهور، وقالت له إن الله يقول «إن أتيتم إحداهن قنطاراً» وانت تقول بغير ذلك، فرجع عن رأيه وقال «أصابت امرأة وأخطأ عمر».
ولعل الناس يذكرون ايضاً قصة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما جاء يخطب الناس وبدأ قوله بـ «أسمعوا» فوقف رجل من عامة القوم وقال لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب «لا سمع ولا طاعة»، وكان الرجل يعترض على لباس عمر بن الخطاب الذي يزيد عن نصيب الفرد من عامة المسلمين، فما كان أمير المؤمنين إلا أن أوقف خطبته وأمر ابنه عبدالرحمن بالوقوف لشرح الموقف للمسلمين، فوقف عبدالرحمن وأكد للناس أنه تنازل عن نصيبه لوالده، وعندها قال الرجل لأمير المؤمنين «الآن نسمع ونطيع» .. ثم جلس.. فواصل عمر بن الخطاب خطبته.
ولأننا نرى في رئيسنا المشير عمر حسن أحمد البشير صورة أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب، فإننا نخاطبه بذات الجرأة التي كان يخاطب بها عموم الصحابة الفاروق عمر بن الخطاب، ونرجو منه ما لا نرجوه من غيره، ونحسبه أحرصنا جميعاً إلى الحق والعدل، ونراه أكثرنا عزماً وأصدقنا قولاً ، وأمضانا فعلاً .
ولا أود في هذا المقام والمقال أن أردد ما يقوله الناس من اتهامات يروجون لها حقاً وباطلاً ، ولكنني أقول فقط ما أراه منطقياً وموضوعياً ، وله أدلة وشواهد، وما نقوله في هذا المقام من أشياء نرى أنها جديرة بالحسم ، ونريد من الرئيس عمر البشير أن يفعل حيالها ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع شبيهاتها، وليس خافياً على أحد ما يتناقله الناس في المجالس الخاصة وفي منتديات الانترنت وفي بعض الصحف من أقوال في شأن بعض ممتلكات ومواقع أهل وأخوان الرئيس عمر البشير والتي نالوها بعد أن أصبح عمر البشير رئيساً للجمهورية، وبرغم أني قد اقتنعت بالدفوعات التي قال بها أخي وصديقي الأستاذ محجوب فضل بدري في مقالاته التي نشرها في صحيفة «آخر لحظة» تحت عنوان «أولاد عم حسن أحمد البشير» لكنني وجدت أن أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب الذي نشبه به رئيسنا المشير عمر البشير فعل غير ذلك عندما تولى امارة المؤمنين.
وأذكر في ذلك واقعتين للفاروق إحداهما في أول عهده بأمارة المؤمنين والثانية آخره ، فعندما تولى عمر بن الخطاب امارة المؤمنين وصار خليفة للمسلمين أمر ابنه عبدالرحمن ببيع إبله، فلما قال له ابنه عبدالرحمن انه اشتراها من حر ماله، وأنه فعل ذلك قبل أن يصير أباه خليفة للمسلمين، أصر بن الخطاب على موقفه وعلى بيع ابنه للأبل ، وبرر ذلك بدرء شبه يمكن أن تحدث إذا ما صار الناس يقولون أفسحوا لابل ابن أمير المؤمنين حتى تشرب وترعى، ولما امتثل عبدالرحمن لأمر والده وباع إبله، لم يتركه الفاروق يأخذ من ثمنها أكثر من رأسماله الذي اشتراها به، خشية أن يكون الربح مما زاد في وزنها قد يكون من شراب وطعام أخذته بغير حق لأنها إبل ابن أمير المؤمنين، فأخذ عمر هذه الزيادة ودفع بها إلى بيت مال المسلمين.
اما الثانية والتي حدثت في أواخر عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فإن الفاروق عندما اختار ستة من الصحابة الذين يراهم أحق بالخلافة وبحسم أمرها ، وكان من بينهم ابنه عبدالله، قطع بألا تذهب الخلافة لعبدالله ، وخصه فقط اذا تساوت الكفتان ترجح كفته ويكون الخليفة الذي شارك عبدالله في ترشيحه ..
وبهذه القيم وبهذا السلوك الموروث من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ننظر إلى ما يقوله الناس في شأن أهل وأخوان الرئيس عمر البشير لأنه الأولى باتباع سنة الفاروق عمر بن الخطاب.
وليس خافياً على الناس المنطقة التي يسميها معارضو الحكومة «حوش بانقا» وهي منطقة في حي كافوري بالخرطوم بحري حيث فيها مجمع النور الإسلامي الذي أشرف عليه الرئيس البشير ليكون مجمعاً إسلامياً فريداً ، يقوده شقيقه ، ويقال إنه أشاده وقفاً لروح والده عليه رحمة الله، وبجواره منظمة معارج الخيرية وهي منظمة تعمل في مجال التعليم وسائر الخيرات ويقودها شقيق الرئيس ايضاً، ويقال إن هناك بعض المنازل لبعض اخوان وأهل الرئيس في المنطقة التي يسمونها «حوش بانقا» في كافوري، وأضيف إلى هذه موقعاً شغله أحد أخوان الرئيس وهو رئيس مجلس إدارة شركة كنار للاتصالات، وهي الشركة التي تقوم في مباني هيئة الحج والعمرة بشارع أفريقيا.
ومما علمته عن مجمع النور انه تم تشييده بقرض خارجي بضمان وزارة المالية، فلو كان الأمر كذلك - وأحسب أنه كذلك - فإن الجهة الأولى بهذا المجمع والأحق بأن يكون تابعاً لها هي وزارة الأوقاف، وليكن جهد الرئيس واخوانه الذي أسهموا به في إتمام هذا العمل صدقة لروح والدهم والله لا يضيع أجراً من أحسن عملا.
أما منظمة معارج، فرغم أني لا أعرف شيئاً عن تفاصيلها، ولكنني وقفت بنفسي على حادثة واحدة أقنعتني بحتمية أيلولة هذه المنظمة إلى جهة حكومية أو قومية، مثل منظمة الدعوة الإسلامية، أو الوكالة الإسلامية للإغاثة، وأرى أن الأخيرة أولى لعلها تعيد إليها الحياة التي ذهبت عنها بعدما أصابها الضرر بسبب سوء إدارتها خلال سنين الثورة الأولى، والحادثة التي أشرت إليها، هي مستشفى الشهيد الزبير محمد صالح في القدار، ولقد سمعت هذه القصة مباشرة من لسان رئيس مجلس ادارتها السيد محمد حسن عمر البشير، فلقد قال السيد محمد البشير وهو يتحدث عن المستشفى التي أسسوها أنها كلفت خمسمائة مليون جنيه، وأن هذا المبلغ تبرع به كاملاً رئيس الجمهورية المشير عمر البشير لخدمة أهل رفيق دربه الشهيد الزبير، وأن المبلغ تم صرفه كاملاً على المستشفى ولم يقع جنيهاً منه في الأرض أو يذهب إلى جيب أحد.
وهنا جاء التساؤل ، ما هو دور المنظمة الذي صارت به منشئة لهذا المستشفى، وما دام هذا المبلغ قد تبرع به الرئيس البشير، فهو مال حكومي والأولى به الجهات الحكومية ، فكان من المفروض أن يسند ، إنشاء هذا المستشفى لمؤسسة حكومية ولا يذهب فضله إلى جهة ليس لها دور فيه أبداً، ودور المنظمات غير الحكومية أن تستقطب الدعم من خارج دائرة الحكومة لتدعم به مناشط الدولة، وليس أن تأخذ مال الحكومة لتنفقه على أعمال الخير، وهذا مبرر كاف لتصفية هذه المنظمة.
اما شقيق الرئيس الذي صار في يوم من الأيام رئيساً لمجلس إدارة شركة كنار ، فلا أجد ذلك متسقاً مع سيرة الرئيس عمر البشير الذي نشبهه بعمر بن الخطاب الذي أوصى ألا تكون الخلافة لابنه عبدالله.
ولو أن الفاروق عمر بن الخطاب كان رئيساً لحكومة السودان لفعل ذات ما فعله مع أبنائه عندما تولى الخلافة، ولا أحسب أن الرئيس عمر البشير يرضى بأن يتخلف عن خطى الفاروق عمر بن الخطاب، ويعمل بغير ما عمل الفاروق في مثل هذه القضايا المشابهة، ولا أحسب أن الأمر يحتاج إلى توضيح أكثر من ذلك.
Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]