•       المصالح الإقتصادية أقوي الروابط بين الشمال والجنوب، والنفط هو الأهم
•       الأوطان أهم من الأشخاص، وباقان وقوش غير مناسبين لقيادة الحوار بين الطرفين
اجتماع مؤسسة الرئاسة الأخير الذي جمع بين الرئيس المشير عمر البشير ونائبه الأول الفريق أول سلفاكير ميارديت رئيس حكومة الجنوب في حضور رئيس لجنة حكماء أفريقيا الرئيس الجنوب أفريقي السابق ثامبو أمبيكي، لم يكن الأول لهذه المؤسسة الذي يأتي بعد توتر الأوضاع بين شريكي نيفاشا المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، ويقود إلي هدأة تدوم طويلاً أو قصيراً، ثم يعود الإضطراب مرة ثانية. ولكن هذه المرة نرجو أن يكون هو آخر اجتماعات مؤسسة الرئاسة لحلحلة العقد التي يصنعها منسوبو هذه الشراكة المتشاكسة، ولا يعود بعدها توتر.
          ودواعي رجاءنا أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير لتسوية خلافات الشريكين كثيرة، أدناها أنه لم يبق أكثر من مائة يوم بكثير لاعلان السودان دولتين منفصلتين عملياً، بعد أن يتم الإعلان الرسمي عن دولة السودان الجنوبي والذي سيكون في التاسع من يوليو القادم، وعندها سوف تنتهي الشراكة، وينفض السامر، ولن يعود هناك شيء يجمع أهل الشمال والجنوب سوي الاتحاد الأفريقي الذي يجمعهما أعضاء مهما كان شكل العلاقة بينهما، فلو لم تتم تسوية الخلافات والسودان ما زال دولة واحدة، فإنه يصعب حلها بعد ذلك، ولهذا نرجو أن تتم تسوية كل العوالق قبل انقضاء الفترة الانتقالية، وهذا لن يتأتي إلا إذا انتهج الشريكان منهجاً مسؤولاً يقود إلي هذه النتائج المرجوة.
          وبرغم أنا نحمد للرئيسين البشير وسلفاكير أنهما دائماً ما يتدخلان بحكمتهما المشهودة ويحلان كل خلاف ينشأ بين حزبيهما، ويحولان دون أي انتكاس يمكن أن يصيب مسيرة الشراكة، إلا أننا لا يرضينا تأخرهما في مرات كثيرة في حسم أسباب التوتر في وقتها قبل أن تتفاقم، وفي بعض المرات يدخلان في التصعيد بما يدليان به من تصريحات سالبة في حق بعضهما البعض، ونرجو ألا يعود هذا الحال، وأن يمسكا بجميع أوراق المسألة، ونحمد لمؤسسة الرئاسة تشكيلها هذه المرة للجنة تقصي حقائق حول ما أثير من اتهامات خطيرة.
          وبمناسبة هذه اللجنة والتي تكونت للتحقيق من الاتهامات التي وجهها الأمين العام للحركة الشعبية باقان أموم للحكومة الاتحادية ولحزب المؤتمر الوطني، وطالت هذه الاتهامات رئيس الجمهورية ورئيس المؤتمر الذي اتهمه باقان بالاشراف علي محاولة لقلب نظام الحكم في جنوب البلاد قبل حلول التاسع من يونيو القادم، موعد إعلان دولة الجنوب رسمياً، ولقد تصدي للرد علي هذه التهم مستشار الرئيس للشؤون الأمنية صلاح قوش. وهذه اتهامات خطيرة جداً، ومن شأنها أن تنسف كل ما بين الشريكين، بل تنسف كل ما بين الشمال والجنوب ــ صحت أو كذبت ــ
          ويلاحظ أن الرجلين اللذين قادا حملة تبادل التهم، هما ذاتهما اللذان يقودان الحوار بين الطرفين، ويقودان اللجنة السياسية المشتركة. وبالطبع أن نتائج لجنة التحقيق لابد أن تدين أحدهما، وهما عندي مدانان قبل أن تبدأ لجنة التحقيق عملها، ذلك أن المنهج الذي اتبعانه لإدارة الخلاف والقضايا الخلافية منهج مرفوض. وفي تقديري أن اختيارهما لهذه المهمة لم يكن موفقاً. وهذا لا يقدح في إمكاناتهما ومكانتهما، مثلما لم يقدح رفض الرسول صلي الله عليه وسلم تولي الحكم لأبي ذر الغفاري بأهلية هذا الصحابي الجليل، رغم أن الرسول صلي الله عليه وصفه بالضعف، وهو ليس ضعفاً مطلقاً، ولكنه ضعف أمام مهمة معينة لم يخلق لها، ولا يوجد إنسان كامل يصلح لكل شيء، فقوش وأموم لهما كسبهما في حزبيهما، ويشهد الناس لكل أنه حقق إنجازات ضخمة في ملفات كثيرة وخطيرة أوكلت له، ولكن ملف الحوار بين الشمال والجنوب، وبين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لا أجدهما الرجلين المناسبين له، فيوجد أنسب منهما في الحزبين الشريكين، وفي الدولتين المتجهتين نحو الانفصال.
          والمتابع لسيرة ومسيرة باقان أموم يجد أنه علي الدوام متوتر تجاه الشمال والشماليين، وكأن له (تار بايت) وظل دائماً يشكل خميرة عكننة، ويفسد ما يصلحه الآخرون، وباقان أول من نادي بالانفصال وعمل من أجل تحقيقه في الوقت الذي كان فيه رأي الحركة الشعبية غير ذلك، وهو من أكثر الذي قادوا للانفصال، سواء بتعبئة الجنوبيين له، أو (تكريه) الشماليين في الوحدة بما قدمه من نموذج سيء للشريك. أما مستشار الرئيس الأمني صلاح قوش، فإن خلفيته الأمنية تشكل حاجزاً بينه وبين تجاوز كثير من المحطات التي يطلب تجاوزها من أجل أن ينساب الحوار طبيعياً لصالح التواصل بين الشريكين وبين الدولتين، ولكن الخلفية الأمنية تجعل صاحبها أكثر حرصاً، لا سيما وأنه يمتلك من المعلومات ما لايملكه غيره، وبعض ما يمتلك من معلومات لا يستطيع أن يبوح بها، وفي ذات الوقت لا يقوي علي تجاوزها وهو يتخذ الموقف أو القرار، ولهذا أري أن الرجلين يمكن أن يصلحا لإدارة ملفات كثيرة أخري غير ملف العلاقة بين الشريكين والدولتين.
          ولعلها مناسبة أن نتطرق لتولي مستشارية الأمن للحوار الوطني في الشمال بين الحكومة والقوي المعارضة، فالفريق صلاح قوش تتاح له مساحات كبيرة داخل أحزاب المعارضة، وهو من الذين يقبلون قولهم، ذلك أنه من الذين إذا قالوا فعلوا، ولكن أن تكون مظلة الحوار مع الأحزاب السياسية أمنية أمر غير مريح، وهنا أري أن الأوفق هو خلع عباءة الأمن الرسمية من صلاح وإلباسه جلباباً سياسياً يتحاور به مع الأحزاب السياسية، فذلك يمنحه مساحة أكبر للقبول لدي الآخرين ويذهب عن هؤلاء بعض الحرج. ثم أن إسناد ملف الحوار الوطني لجهة أمنية يشير إلي أن الرؤية الحكومية لهذا الملف رؤية أمنية محضة، وهذا بالطبع أمر غير مقبول، ويؤخر أكثر مما يقدم. ويضاف إلي ذلك أن إسناد ملف الحوار السياسي لجهة أمنية يقودها رجل مثل الأخ صلاح قوش ظل لسنوات طويلة عاملاًُ في هذا المجال، تجعله يختار جل معاونيه إن لم يكن كلهم من الحقل الأمني، وهم بالطبع لن يكونوا مثله يحظون بذات المساحة التي يحظي بها وسط السياسيين المعارضين، وعلي العكس من ذلك فإن عمل هؤلاء المعاونين السابق في جهاز الأمن علي أيام التمكين للثورة لا بد أن شهد حالات غير محمودة بينهم وبين المعارضين، عندما كان شعار المعارضة (سلم تسلم) فلذلك أري أن الأنفع لتقدم مسيرة الحوار بين الحكومة والمعارضة تحرير هذا الملف من القبضة الأمنية، وما دام الأخ صلاح قد أنجز فيه شيئاً مقدراً فليتحررصلاح من الوظيفة الأمنية.
          وبالعودة للحوار بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وبين الشمال والجنوب، فأري بعد الهدأة التي حدثت، وبعد أن (روق) الشريكان اللعلب و(ختةا الكورة في الواطة) أري أنه بعد تحرير هذا الملف من الرجلين اللذين ارتبط بهما التوتر الأخير ــ باقان وقوش ـــ أن يسند هذا الملف إلي اقتصاديين سياسيين، وأقدم الاقتصاديين، لأن المصالح الاقتصادية تعتبر أهم العوامل التي تجمع بين الجنوب والشمال بعد الانفصال، وتدفعهما نحو التلاقي والتعاون والتكامل، وقد تقودهما إلي شكل من أشكال الوحدة مرة ثانية، فما يفتقده الجنوب يتواجد في الشمال، والعكس صحيح، فالشمال والجنوب متكاملان في مواردهما، وفي ثرواتهما، ولو اتخذنا من البترول الذي هو أهم هذه العوامل مثالاً نجد ذلك واضحاً. ولا أتفق مع الذين يعيبون علي الانقاذ أنها استخرجت نفط الجنوب قبل مثيله الموجود في الشمال، ولا أختلف معهم وأشيد بهذا الصنيع لأن استخراج البترول في الجنوب كان أسهل من الشمال كما يقول آخرون، ولكن النفط الذي استخرج في الجنوب وقامت صناعاته المرتبطة في الشمال، ويوجد ميناء تصديره في الشمال أيضاً، هذا النفط بهذه المعطيات صار داعماً لدولة الجنوب التي تنشأ، ويصبح كذلك أكبر رابط بين الشمال والجنوب، ولكن الطريقة التي يدار بها الحوار الآن حول النفط بين الجنوب والشمال يمكن أن تقود إلي عكس ذلك تماماً، والأرقام التي يراها البعض كبيرة مثل المليار وأربعمائة دولار التي تطالب بها حكومة الجنوب ويماطل الحاكمون في الشمال في حسمها، هو رقم ضعيف جداً إذا ما قورن بالمصالح والمنافع الاقتصادية التي يمكن تحقيقها للدولتين إذا أدار أهلهما الحوار بينهما برؤي ثافبة ونظرات بعيدة.
 
Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]