لقد كنت في مصر عندما اندلعت ثورة الخامس والعشرين من يناير، ولقد كنت في ذات اليوم في ميدان التحرير في مكتب الخطوط الجوية السودانية، وشاهدت الجموع الأولي من الثائرين الذين اقتحموا الميدان، وبرغم أنهم هذه المرة لم يكونوا مثل المرات السابقات ــ ولعلم الذين لا يعلمون أن هذه لم تكن المرة الأولي التي يخرج فيها ثائرون مصريون يطالبون برحيل الرئيس السابق حسني مبارك الذي خلعوه هذه المرة ــ وتوقعت أن تكون الثورة هذه المرة أشرس من سابقاتها، وتوقعت أن يقدم الثائرون رسالة قوية للنظام قد تجعله يعيد حساباته، لكنني لم أكن أتوقع أن تصل الثورة إلي ما وصلت إليه، ويتفق معي في ذلك كثيرون من الثائرين أنفسهم.
          ومنذ اللحظة الأولي لوصولي استبنت الاختلاف الواضح بين المصريين في مآلات الثورة، فكل الذين التقيتهم مع ثورة التغيير، ولكنهم يختلفون حول استمرار المطالب، ولقد تأكد لي ذلك عندما حضرت ندوة نقابة الصحفيين المصريين التي كانت تبحث رسم خارطة طريق للثورة، ولقد دعاني لهذه الندوة زميلنا الأستاذ أحمد طه النقر مدير تحرير صحيفة الأخبار المصرية، والنقر من الذين نزلوا ميدان التحرير اليوم الأول للثورة وظل مرابطاً هناك إلي أن سقط مبارك ونظامه.
          افتتح الندوة الأستاذ جمال فهمي مسؤول الشؤون العربية في اتحاد الصحفيين ورحب بالمشاركين، الأديب المصري ذائع الصيت الدكتور علاء الأسواني، والدكتور عبد المجيد مصطفي المنسق العام للجمعية الوطنية للتغيير، الرجل الثائر الذي يحظي باحترام الجميع، والسفير محمد رفاعة رافع الطهطاوي، هذا الاسم المتجذر في تاريج مصر ووجدان شعبها، وله أيضاً مكان خاص في نفوسنا نحن أهل السودان.
          وأول مرة ظهر فيها التباين بين الشباب وبين بعض القيادات، عندما اعتذر الأستاذ النقر عن الدكتور البردعي الذي كان من المفروض أن يشارك في الندوة، لكنه اعتذر، وقال الأستاذ النقر أنه ذهب لاجتماع مهم مع جهة عليا جداً في البلاد، فثار الشباب الذين لا يرون أن هناك جهة أهم منهم في مصر وهم الذين أوقدوا شرارة الثورة ثم أشعلوها. أما الانفجار الحقيقي والذي أوشك أن يفسد الندوة كان عندما جاءت مناسبة حيا فيها الأستاذ النقر الدكتور البردعي ووصفه بأنه الزعيم الحقيقي للثورة، وهذا ما لم يرضه أكثر الحاضرين، ولم تهدأ ثورتهم إلا بعد حين، بعد أن قال النقر أن هذه هي وجهة نظره الشخصية، وبعد تدخل الأسواني الذي ذكر الشباب بالحرية والديمقراطية اللتين من أجلهما قامت الثورة، وهما يفرضان علي الثائرين أن يحترموا الرأي الآخر، ويتيحون له المساحة للتعبير، ثم يردونه بالحسني.
          خلاف آخر ظهر في مسألة الدستور، فالسفير محمد رفاعة الطهطاوي مع تعديل الدستور الحالي، وتكوين مجلس رئاسي انتقالي مدني تشارك فيه المؤسسة العسكرية بممثل واحد، وتجري انتخابات علي أساس الدستور المعدل لتكوين جمعية تأسيسية تشرف علي وضع الدستور وإجازته، أما الدكتور علاء الأسواني فهو يري أن الدستور قد سقط يوم سقوط النظام، وفقد مشروعيته، وعليه لا يوجد مبرر قانوني لتعديله، وهو يري في بقاء الدستور المعدل مدخلاً لعودة النظام السابق، وعودة رموزه وقيادته، بمن فيهم الرئيس المخلوع حسني مبارك، ولذلك فهو يري وضع مبادي دستورية تجري عليها الانتخابات التي تكون الجمعية التشريعية التي تضع الدستور، وطالب الأسواني الثائرين العمل علي إسقاط التعديلات الدستورية إذا لم يتخلي عنها المجلس العسكري الحاكم، وطرحها للجمهور للاستفتاء عليها، ولقد تقاسم الحاضرون الانحياز بين هذا وذاك.  
          ولقد كان ميدان التحرير أيضاً ساحة للصراع بين وجهتي نظر مختلفتين، إحداهما تنادي بفك الاعتصام والذهاب إلي العمل ومنح حكومة الدكتور عصام شرف الجديدة الفرصة لتعمل من أجل إعادة الاستقرار للبلاد، وإصلاح الفساد، أما وجهة النظر الثانية فتدعو للمرابطة حتى تتحقق كل المطالب، وتباعد الموقفان وتراشق الطرفان بالحجارة حتى أوشك الأمر أن يتحول إلي كارثة، فاضطر الجيش إلي التدخل وفض الاشتباك، وإخلاء ميدان التحرير من كل شاغليه، ومصادرة الخيام والمعدات، وكل لوازم الاعتصام.
          وتدور معارك أخري داخل دواوين الحكومة، وتظهر بصورة أكبر في المؤسسات الإعلامية، فالثائرون في هذه المؤسسات، والذين ركبوا معهم قطار الثورة يقودون حملة لتطهير هذه المؤسسات من القيادات القديمة التي يتهمونها بموالاة النظام البائد ورئيسه المخلوع، ويري هؤلاء أن القيادات السابقة منقسمة التأثر بين أمن الدولة المحلول والحزب الوطني المقهور، وبعضهم يتأثر بالاثنين معاً، ولذلك يرون ذهابهم مطلباً أساسياً من مطالب الثورة، وأحد ضمانات عدم الانتكاس، ولكن يوجد تيار آخر يرفض الدعوة المعممة للتغيير، ويري في ذلك مدخلاً لتصفية حسابات بعضها مهني وليس سياسياً، ويرون أن انتماء كثيرين للحزب المقهور انتماء شكلي، تفرضه طبيعة المهنة، فنظام ظل يحكم البلاد لثلاثين عاماً متواصلات، غير ما يحسب له من سنوات حكم سابقة يعتبر هو امتداد لها تبدأ منذ فجر ثورة يوليو عام 1952م وتضم عهدي حكم عبد الناصر والسادات، فإن كل عامل في موقع حكومي متقدم لا بد أن يحمل التزاماً للحزب الحاكم، ولو كان معارضاً له، ولذلك يري هؤلاء ضرورة التريث في مسألة المطالبة بتغيير القيادات في الخدمة المدنية، وفي الأجهزة الإعلامية والمؤسسات الصحفية.
          ولقد اشتعلت معركة في مصر لم تكن في حسبان أحد، ذلك أن من أكبر نتائج ثورة 25يناير الظافرة أنها أظهرت تلاحماً منقطع النظير بين المسلمين والمسيحيين في مصر، حيث كان المسيحيون يحرسون المسلمين وهو يؤدون صلاة الجمعة في ميدان التحرير، وكان المسلمون يحرسون المسيحيين أثناء تأديتهم قداس الأحد في ميدان الثورة ــ ميدان التحرير ــ وكان هذا عقب أحداث كنيسة القديسين بالإسكندرية ليلة رأس السنة الميلادية، وهذا ما أكد أن كل المعارك التي تقع بين المسلمين والأقباط في مصر تكون بفعل فاعل. ولذلك عندما وقعت أحداث كنيسة الشهيدين بأطفيح لم يستبعد الناس أن تكون بفعل فاعل. ولقد عاشت منطقة منشأة ناصر ليلة دامية يوم أمس الأول الخميس عندما وقعت اشتباكات بين مسلمين ومسيحيين راح ضحيتها نحو ثلاثة عشر فرداً سقطوا قتلي في المعارك التي استخدمت فيها أسلحة نارية وأخري بيضاء، وزجاجات مولتوف. ويري المراقبون أن عموم المسلمين والمسيحيين لم يكونوا طرفاً في هذه الأحداث رغم أنهم وقعوا في فخها الذي يرجح أن يكون قد نصبه بعض المتوترين من رجال الكنيسة وبعض منسوبي الجماعات الإسلامية المتطرفة، والدليل علي ذلك أن هذا الطوفان لم يجرف مشاعر الود المتبادلة بين المسلمين والمسيحيين في مصر، ولقد ظهرت فتاة مسلمة محجبة في ندوة نقابة الصحفيين المصريين وهي كانت عائدة لتوها من منطقة أطفيح حيث ذهبت لتقديم العزاء لأهالي الضحايا الأقباط، وقالت إنهم أحسنوا استقبالها، واستحسنوا زيارتها لهم، وأكرموها خير إكرام.
          ولتأكيد هذه المعاني تجمع يوم أمس الجمعة مئات الآلاف من المصريين، جلهم إن لم يكن كلهم من المسلمين، وسيروا مسيرة إلي منطقة أطفيح أسموها مسيرة الوحدة الوطنية لتقديم العزاء لأهالي ضحايا كنيسة الشهيدين، وتأكيد تضامن أهل مصر، مسلمين ومسيحيين.
          واستقبل أهل مصر بعد ظهر أمس الجمعة خبر اعتقال كبار مساعدي وزير الداخلية السابق حبيب العدلي بترحاب شديد، ولقد شمل الاعتقال مدراء أجهزة أمن الدولة والاحتياطي المركزي ومدير أمن القاهرة، ووجهت لهم تهم القتل العمد للمتظاهرين الذين سقطوا بأسلحة الشرطة يوم 28 يناير الماضي، وكان هؤلاء المتهمون قد وجهوا أوامر لفعل ذلك.
Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]